لبنان صورة تعبيرية
لبنان صورة تعبيرية

قد يبدو السؤال حول مستقبل لبنان سابق لأوانه، فيما هو يعاني من أزمة مركّبة يتداخل فيها الاختلال البنيوي، وسوء الإدارة، وعجز المؤسسات عن تولي مسؤولياتها، والقصور القيادي، والتعبئة الطائفية، والنهب المُمأسس، والفساد المتفشي، والانكماش الاقتصادي، والانهيار المالي والاحتلال المسلّح، والتبعية السياسية، والهيمنة الخارجية، والهشاشة الاجتماعية، والكوارث البيئية، والضغوط السكانية الوافدة، والهجرة الاستنزافية، بالإضافة إلى الجائحة وما أتاحته للمنظومة الحاكمة من تبديد وتشتيت للجهود المعترضة.

النتيجة العامة لهذه الأزمة هي ضياع ثقة المواطن اللبناني بمستقبل وطنه، وسط عجز التوجهات السيادية والإصلاحية عن تقديم البدائل المقنعة، أو حتى عن الامتناع عن الاقتتال والتساقط، وإزاء انتظام القوة الناقضة للبنان، أي حزب الله بولائه الإيراني، كالجهة الوحيدة صاحبة المشروع.

على أن هذا التفصيل الأخير، أي تمكّن حزب الله من الظهور بمظهر صاحب المشروع، هو ما يدفع السؤال حول مستقبل لبنان إلى الواجهة، سواء كانت الظروف مؤاتية للتصدي له أم لم تكن. والواقع أنها بعيدة كل البعد عن أن تكون كذلك.

لقد طرأ على مشروع حزب الله على مدى العقود بعض التعديل. هو كان في الثمانينات «حزب الجمهورية الإسلامية في لبنان»، و «الجمهورية الإسلامية» هنا هي واحدة على مدى الكوكب، بتجليات محلية. وأمين عام الحزب الحالي، حسن نصر الله، تحدث في مقطع مرئي قديم متداول عن أن هدف الانضواء في «الجمهورية الإسلامية» والتي يقودها »المرشد الأعلى»، «الولي الفقيه» (الخميني ثم الخامنئي)، نيابة عن صاحب الزمان وتحضيراً لظهوره المرتقب، يبقى هو الهدف الثابت، وإن تبدلت الأساليب، وتعدّل الخطاب، لتحقيقه.

في تلك المرحلة، كان علم «الجمهورية الإسلامية»، أي العلم الإيراني هو الذي يرفع وحيداً، ليعكس الجهد الإقصائي الذي اعتمده حزب الله إزاء من تواجد في سبيله، ليتفرّد قسراً أو يكاد بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وليتشكّل مع مرور الأعوام، ومع النجاح في إرغام إسرائيل على الانسحاب من لبنان، الأساس لحضوره كالقوة المهيمنة على كامل الوطن.

المضمون المقاوم لنشاط حزب الله، في مواجهة احتلال شرس مهين، أتاح قدراً من الانتقال في التصور العام له في لبنان وما يتعداه من خانة الحزب العقائدي المتطفل على الطائفة الشيعية وعلى عموم لبنان، إلى الحزب الوطني المتزيي بالرداء العقائدي الديني بحكم الحاجة التعبوية ولإفلاس التوجهات القومية واليسارية.

غير أن حزب الله لم ينتقل من موقع المقاومة المسلحة الخارجة حكماً عن الإطار الاجتماعي السياسي العام في لبنان بعد انسحاب إسرائيل عام 2000، كما كانت تقتضيه المصلحة الذاتية، للحزب والطائفة التي ينشط فيها، والمصلحة الوطنية، بل أوجد الحزب بتكلّف واضح الحجة التي تسمح له بالاحتفاظ بسلاحه والمحافظة على تفرّده.

هذا التغليب، إذ هو استجابة جليّة للمصلحة الإيرانية، وضع حزب الله كحالة ناقضة للبنان بشكل تراكمي تصاعدي، سواء كان ذلك بناءاً على خطة متماسكة مسبقة أو على أساس انتهاز الفرص.

لبنان نشأ على أرضية إقطاعية طائفية كمشروع وطن لمواطنيه. تقدّمَ، تراجعَ،تلكّأ، اندفعَ، صَدَقَ، تكاذَبَ، ولكن الصيغة التي بقيت مُصانة وإن نظرياً كانت لبنان المواطَنة الحاضنة للتعددية والانفتاح. ربما قد تكون إحدى أفضل العبارات التي تختصر هذه الصيغة قول كريم بقرادوني ما معناه «نحن مسيحيون لبنانيون عرب، إن اصطدمت عروبتنا بلبنانيتنا، لبنانيتنا تغلب، وإن اصطدمت لبنانيتنا بمسيحيتنا، لبنانيتنا أيضاً تغلب».

ليس أن التغليب لمقام المواطنة في الهوية اللبنانية قد حقّق القدر الوافي من النجاح قبل حزب الله، ولكن التوجه على مدى العقود، رغم التشكيك، كان باتجاه ترسّخه. حتى الأحزاب القومية، النافية عند نشأتها لكينونة لبنان، لم تتمكن من استجماع العزم والتأييد لتجاهر بالتخلي عنه أيام سقوطه، أي في خضم الحروب التي اجتاحته بين العامين 1975 و1990.

كان من المفترض أن تكون «الجمهورية الثانية»، رغم أنها قامت منقوصة بفعل الاحتلال السوري، فرصة إقرار الهوية اللبنانية الواحدة، على أن استنثاء حزب الله، كقوة مسلحة طائفية المادة عقائدية الهوية، من أصول الاجتماع السياسي الوطني، أتاح المجال لتضخمّ الظاهرة، خلافاً لتوقعات من كانوا على اطمئنان واهم أن عقائدية الحزب وطائفيته عرضية، ودوره الوطني المقاوم هو الجوهري.

على مدى أكثر من عقدين من الزمن، في مرحلة ما بعد مقاومة الاحتلال، ضاعف حزب الله من حضوره ضمن الطائفة الشيعية التي انطلق منها باتجاهات شمولية، مادية ومعنوية، وضمن لبنان ككل، بشكل مشروع لا يبدو أنه تخلّى عن الرؤية التي كانت لها عند تأسيسه، ولكن مع إعادة تقديمها بشكل أقل قسوة.

الصيغة الملطّفة هي التي جاءت في كلام النائب محمد رعد في مرحلة سابقة عمّا طرأ من تبديل في صورة لبنان، من الملاهي إلى المقاومة، ومن الضعف إلى القوة.

لا يحوي الكلام المنقول أخيراً عن نائب أمين عام حزب الله، نعيم قاسم الجديد. هو أكّد أن لبنان قد اكتسب اعتباراً عالمياً بفعل المقاومة، وأن لبنان هذا، الذي تحسب له القوى الكبرى الحساب، هو الواقع المتحقق والدائم للوطن، فمن رضي به فليلتحق بخط المقاومة والكرامة، ومن لم يرضَ، فليبحث عن «حل آخر».

طبعاً، إذ كان لدى القوى الكبرى أجهزة تحسب لحزب الله حساب، فهي عينها المولجة بمكافحة الجريمة المنظمة وشبكات التهريب والاتجار بالمخدرات. أي لا مدعاة للعزة والتفاخر هنا.

ولكن المسألة ليست في محاججة نعيم قاسم أو محمد رعد أو حسن نصر الله. ولا هي في إقناع المتآلفين مع حزب الله، على غرار «التيار الوطني الحر»، الرئيس ميشال عون وصهره جبران باسيل، حيث الغالب هو المنطق الطائفي الطفولي الذي يصرّ على بقاء لبنان دون حرّاس أحراج في موسم الحرائق صوناً للمناصفة الضامنة وهماً لـ «حقوق المسيحيين».

جمهور المؤيدين لحزب الله من منطلق طائفي لا يهادن في موضوع «حقوق المسيحيين» هذه على منصات التواصل الاجتماعي، ساعة يتجرّأ بعض المعارضين، والكثير منهم من المسيحيين، على رفض مواقف نعيم قاسم.

حديث هذا الجمهور بالتالي يتأرجح بين تذكير المسيحيين وغيرهم أن نساءهم كن ليكنّ سبايا للدولة الإسلامية لولا حزب الله، وبين تنبيههم أنه يمكنهم مجدداً استدعاء بواخر الترحيل التي فاتتهم في مراحل سابقة. لسان حال هذا الجمهور أنه في نهاية المطاف الأكثرية هي التي تحكم وعلى الأقلية الرضوخ.

مجدداً، المسألة ليست في تفنيد هذه المزاعم والأقوال، لا من حيث فساد معطياتها ولا من حيث اعتلال ما تبنيه عليها.

والحدة في ردود الفعل لدى هذا الجمهور نابعة من أنها ليست وحسب إجابة على من ساءته أقوال نعيم قاسم، ولكنها اعتراض على ما هو خلف هذه الأقوال من تحقير خفي وإحالة للشيعة، بالصيغة الجماعية التأحيدية، إلى مصاف الهوية اللبنانية المنقوصة. كلام نعيم قاسم حول أن جمهور المقاومة هو من يشبه لبنان كان بدوره استعادة لتعبير إقصائي لدى معارضي حزب الله.

المسألة هي بالتالي، لحسم التنافس حول من يشبه لبنان هو بالاتفاق على ما هو لبنان. المسألة هنا لا تحتمل الخلاف المثري، ذلك أن التباري ليس على التوجه السياسي للحكومات اللبنانية المتعاقبة، أو على البرامج التنموية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. بل هو حول ما إذا كان على لبنان أن يكون «هانوي» أو «هونغ كونغ» (طبعاً هذا المثال والذي طرحه الزعيم الدرزي ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في زمن غابر قد فقد اليوم دلالاته، إذ تكاد «هانوي» أن تصبح ما كانت عليه «هونغ كونغ» يومئذ، فيما «هونغ كونغ» تلتهمها الصين).

هل على لبنان التضحية والكفاح والانخراط بمواجهة ملحمية لإنقاذ نفسه والمنطقة من هجمة شريرة استعمارية جديدة، يراها البعض دون البعض الآخر، أم هل عليه المتابعة، المثابرة، العودة إلى السعي إلى تحقيق الوعد بأن يكون وطناً لمواطنيه، أسياداً أحراراً أقوياء بأنفسهم، لا منّة ولا ذمّة لأحد عليهم كي لا يقعوا أسرى وسبايا؟

إما هذا أو ذاك. وزعم الانتظار إلى ما بعد انفراج الأزمة لا يستقيم، لأن الأزمة، بكافة أوجهها، وإن لم تكن نشأت مع حزب الله، فإنها تفاقمت واستشرّت وتأصلّت معه.

الآفات التي يعاني منها لبنان كثيرة وتحتاج إلى حوار وطني صادق. حزب الله هو نقيض لبنان، من حيث النظرية ومن حيث الفعل. القرار بالاستمرار قدماً بالمقاومة بعد انتفاء الضرورة الموضوعية لها إثر انسحاب إسرائيل هو لحظة التأسيس لانهيار حتمي قادم للبنان. اغتيال الرئيس رفيق الحريري، الأرجح لأغراض تتجاوز لبنان، والمسؤولية مقرّرة قضائياً بحق حزب الله رغم التذاكي، بالإضافة إلى كونه جريمة كبرى، شكّل تسريعاً نوعياً للسير نحو الانهيار. استيعاب الطائفية الطفولية المتجسدة بعون وباسيل ومن هم على هواهما، وتدجين المراهقة السياسية لسعد الحريري ومن هم على شاكلته، حصّن المنظومة دون أن يكترث لطبيعتها الإهدارية القاضية بزوال لبنان. ثورة تشرين الأول قبل عامين كانت نفساً وطنياً لمنع هذا الزوال، تعرّض جلّه للإ والتشتيت لأسباب بعضها موضوعي وبعضها ذاتي.

إنقاذ لبنان لا يكون بمعالجة آفاته المزمنة وحسب، بل بإزالة النقيض الذي ارتاده، مضاعِفاً من أذى آفاته وحاكِماً عليه بالزوال لا محالة. لا بقاء للبنان مع سلاح حزب الله. ليس لأنه ثمة مؤامرة وحصار، ولا لأن قوى الشر تكالبت لاعتراض الحق، بل لأن ما يفرضه حزب الله على عموم اللبنانيين هو عقد ذمة يشترط الرضا بحياة الشظف والتضحية والشهادة. هو عقد لا ترتضيه الغالبية العظمى من اللبنانيين، والطامحة بأن يكون لبنان وفق الوعد وطناً يرتضون به للأجيال القادمة. ولا ينفع أن يتوهم أنصار الحزب بفعل فائض القوة الآني، أن الوضع آيل إلى استقرار، نتيجة الهجرة أو الرضوخ للأمر الواقع.

التناقض المتحقق بين لبنان وحزب الله يودي إلى أن أحدهما زائل لا محالة. ليت أنصار الحزب يتمثلون بمقولة كريم بقرادوني. ليت لبنانيتهم تغلب فئويتهم. وليت من يختلف منهم مع هذه القراءة يتقدم بنقد أو نقض لها، خارج الطعن والشتم والتجريح.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  
"هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  "

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف.