A U.S flag waves on the car of U.S. Ambassador to Russia John Sullivan next to the main entrance to the Russian Foreign…
قد يكون من الصعب إقناع بعض العرب والمسلمين التخلي عن الاعتقاد الراسخ لديهم بأن العالم ولا سيما الغرب يتآمر عليهم وعلى دولهم

قد يكون من الصعب إقناع بعض العرب والمسلمين التخلي عن الاعتقاد الراسخ لديهم بأن العالم ولا سيما الغرب يتآمر عليهم وعلى دولهم. ومع ذلك فإن الأمر يستحق عناء المحاولة.

سبب ذلك الاعتقاد على أية حال ليس وجود أدلة وبينات على هذا التآمر المزعوم، بل على العكس فإن انتشاره ورسوخه يعود تحديدا إلى غياب مثل هذه الأدلة – لذلك تصعب، من بين أمور أخرى، مناقشته ومجادلته. 

لكن وككل اعتقاد فإنه ينبع من رغبة ذاتية واستعداد نفسي للتصديق به بصرف النظر عن الحيثيات والوقائع، لأنه يخدم غرضا أهم بالنسبة للمؤمن به، وفي حالتنا هذه هو الحاجة لتبرير الوضع الراهن المتردي الذي تعيشه المجتمعات العربية والإسلامية. ولأن ثقافتنا وتراثنا الديني والاجتماعي تسهّل التنصل من المسؤولية الذاتية وتشجع على تحميل الآخرين مسؤولية كل ما يحدث لنا، لذلك فإن لسان حالها يقول إن هذا التردي لا بد أن سببه تكالب الأمم علينا وعملها ليل نهار من أجل أن نظل في موقع المتخلف والضعيف والخاضع للسيطرة!

هذه العقلية أو هذا النمط من التفكير يغفل الزمان والمكان ويغفل الأحداث والأرقام والشواهد، ولا يكترث قليلا أو كثيرا للبداهة أو المنطق السليم للأشياء.  

فإضافة إلى أنه لا يوجد أي سبب منطقي يجعل الغرب يتآمر على العرب والمسلمين (فهم لا يشكلون اليوم خطرا سوى على أنفسهم)، فإن الواقع على الأرض أيضا يسير على طول الخط عكس نظريات التآمر الغربي المزعوم.

فما هي مصلحة الغرب هنا؟
هل مصلحته في بقاء الدول العربية والإسلامية في حالة التأخر والتخلف والحروب والانقسامات المجتمعية؟
هذه الحالة تضر الدول الغربية وتسبب لها العديد من المشكلات الجدية. أول هذه المشكلات هي تصدير هذا الكم الهائل من البشر على هيئة لاجئين ومهاجرين. وكان لافتا كيف أن هذه القضية بمفردها أصبحت (وستظل إلى زمن غير قليل) هاجسا مقلقا للعديد من الدول الأوروبية.

عدم الاستقرار والحروب والنزاعات في المنطقة، أيضا له تداعيات أمنية وسياسية على دول الجوار، ومن هذه التداعيات انتشار الجماعات الإرهابية والعصابات الإجرامية والاتجار بالبشر وما إلى ذلك من مشكلات.

لذلك تتدخل الأمم المتحدة وتتدخل الولايات المتحدة والدول الأوروبية في محاولة لإقناع الفرقاء بالتوصل إلى حلول سياسية للأزمات الناشبة. وتقدم بعض هذه الدول مساعدات اقتصادية وتعقد المؤتمرات لجمع الأموال والتبرعات بهدف مساعدة الحكومات القائمة أو السلطات المعنية على خلق قدر من الاستقرار في هذه الدول أو على الأقل إدارة الأزمة بصورة أقل عنفا، لكن للأسف من دون فائدة تذكر في كثير من الحالات.

المشكلة الواضحة هي أن هذه الدول لا تحتاج لمن يتآمر عليها، فهي تتآمر على نفسها بنفسها. فالأزمات في ليبيا وسورية واليمن ولبنان والجزائر وغيرها هي أزمات محلية أو إقليمية المنشأ.

وهي أزمات يعرف المتابعون والدارسون لهذه المجتمعات أسبابها وظروفها وسياقاتها.
بالطبع هناك من يجادل في مسؤولية الحكومات والسلطات الحاكمة هنا وهناك عن هذا الفشل. وهذا قد يبدو صحيحا من الناحية الظاهرية، ولكن الحقيقة هي أننا إزاء فشل مجتمعي عام، فالقيم والعادات والمفاهيم والثقافة العامة هي مشتركة بين الحكومات والشعوب، وبالتالي فالمسؤولية عامة.

أما محاولات إزاحة المسؤولية عن الشعوب والأفراد والقيم والثقافة ورميها فقط على عاتق الحكومات، فهو يعيدنا من جديد إلى نفس المشكلة أعلاه، أي نظرية المؤامرة التي تقول إن الغرب يتآمر على الدول العربية والإسلامية عبر وكلائه من الحكام المحليين المفروضين على شعوبهم وغيرها من التهم والخزعبلات التي تطرب لها آذان بعض العرب والمسلمين.

ويفترض مثل هذا المنطق أن إزالة هؤلاء الحكام سوف يحل المشكلة. لكن الحكام يتغيرون بالفعل، لسبب أو لآخر، والوزراء والمسؤولون يتغيرون، وحتى الدول الغربية تغير من استراتيجياتها وخططها، ولكن مشاكل الدول العربية والإسلامية تبقى وتتفاقم. ومعها تبقى أيضا نظريات المؤامرة وعقلية التآمر المزعومة! 

والواقع أن هذا الحال لن يتغير حتى نعترف بمسؤولياتنا كمجتمعات وأفراد ونتصرف على هذا الأساس. وحين نفعل ذلك لن نكون بحاجة إلى نظريات المؤامرة. المؤسف أننا لا نزال نبدو بعيدين جدا عن هذا الهدف والمحاولات التي تبذل في هذا الصدد تتراوح ما بين خجولة ومتواضعة جدا. مع ذلك فإن الأمر يستحق عناء المحاولة.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي
في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي

في اللحظة التي تستعر فيها الأزمات الاقتصادية، يميل المرء إلى "استمزاج" آراء "الاختصاصيّين" و"يستسيغ" التقنيات التي يقدّمونها عن "مكافحة الفساد" ووقف الهدر، وعن "الحوكمة السليمة" و"الشفافية" وعن "تكبير كعكة الاقتصاد" و"جذب الاستثمارات".

وفي ظلّ هذه الوصفات الجاهزة التي يمكن العثور عليها في التقارير والخلاصات الصادرة عن المؤسسات الدولية والإقليمية المختصة، يتراءى للمتابعين أنّ المشكلة تقنية وسلوكيّة وبالتالي بمجرّد أن يتجرّع المرضى الأدوية "المسبقة الوصف" يتعافون.

ولكن يغيب عن بال الكثيرين، بفعل الضخ الإعلامي للحلول المعلّبة، أنّ مشاكل الدول ليست واحدة، إذ إنّها قئات متنوّعة، وعليه فما يصح على فئة منها لا يصح بالضرورة على فئة ثانية أو ثالثة أو رابعة، إذ إنّ الفساد في العالم الثالث، عمومًا، ليس مسألة أخلاقيّة بل مسألة بنيويّة، ويتوسّله الطغاة، على سبيل المثال لا الحصر، من أجل ضمان تأييد أصحاب المصالح والقوى المؤثّرة في المجتمع، وتفتيت الفئات الأكثر صلابة، ولذلك كما يكون الولاء تكون الثروة!

وبناء عليه، فإنّ قراءة المأساة التي تعصف بلبنان مستحيلة إذا ما اعتمدت قواميس "الخبراء الاقتصاديّين" و"يساريّي الهوى" و"يمينيّي الشعارات" والإرشادات "العلنيّة" الصادرة عن "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي"، لأنّ سقوط لبنان في الجحيم لم تتسبّب به الأخطاء والخطايا الماليّة والإقتصاديّة، على أهميّتها، بل النهج السياسي، إذ إنّ أخطر إنذارات "الارتطام الكبير" بدأت تظهر في العام 2017، بعد إشارات أثارت قلقًا فرضت نفسها، بدءًا من العام 2011، في حين أنّ الفساد والهدر والزبائنيّة والمحاصصة وغيرها من العبارات المماثلة، قديمة جدًّا وراسخة.

في العام 2011، بدأ "حزب الله" استعداداته التمهيديّة للدخول العسكري  إلى  سوريا دعمًا لنظامها، في الوقت الذي كانت فيه المساعي المبذولة قد بدأت تنجح في الكبح التدريجي لدعم الثوّار السوريّين، بشريًّا ولوجستيًّا، وفي العام 2017، سجّل لبنان نفسه رسميًّا في خانة دول "محور الممانعة"، وتدخّل في حرب اليمن، وامتنع عن إدانة ما تتعرّض له الدول الخليجية من عدوان بقيادة إيران، وحوّل نفسه الى مقر إعلامي لوسائل إعلام منسوبة الى "المعارضة الخليجية"، وفتح معابر التهريب على مصراعيها أمام تجارة المخدرات والكبتاغون.

ولقد بدا واضحًا أنّ "حزب الله" كان قد أخذ قرارًا نهائيًّا بتغيير طبيعة لبنان الاقتصادية والماليّة، حتى يصبح دولة "تتلاءم مع وجود المقاومة"، وفق تعبير خاص برئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمّد رعد.

وقد أنتج هذا النهج الذي قاده "حزب الله" بالتحالف مع "التيّار الوطني الحر" بعدما كان الحزب قد أوصله الى رئاسة الجمهوريّة، تدهورًا تاريخيًّا في علاقات لبنان العربيّة والخليجية وأضعف ثقة المستثمرين به فبدأوا يهجرون لبنان ومعهم هربت تباعًا، أموال كبار المودعين.

وبما أن "الشيء بالشيء يذكر"، فإنّ الدول التي تدور في فلك "محور الممانعة" تعاني كلّها، بدرجات متفاوتة، من الأمراض المالية والاقتصادية والحياتية نفسها، على الرغم من تفاوت قدراتها وثرواتها.

وفي هذا السياق، لا توجد دولة أكثر قدرة على التعبير عمّا وصلت إليه أحوال لبنان سوى إيران نفسها التي يرى مرشدها علي خامنئي في لبنان "عمقًا استراتيجيًّا" لجمهوريته الإسلامية.

في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي، في وقت يتناقل فيه "خبراء النظام" وخبراء "حزب الله" الكلام نفسه عن الحلول التقنية المرجوّة.

الطرفان يحمّلان المسؤوليّة إلى الحكام السابقين وإلى "الجشعين" و"المضاربين" و"التجار" و"المعارضين" وإلى "الحصار الأميركي" الذي طالما أعلنا انتصاراتهما عليه وعلى إجراءاته وتدابيره وقراراته.

والطرفان أقدما في السنوات الأخيرة على الأفعال نفسها، فأوصلا "الموثوقين منهما" إلى أعلى المناصب، واتخذا قرارات أدّت الى عزل دولتيهما، في وقت كانا لا يتوقفان عن وعد الناس بـ"جنّة عدن".

وقد قفز الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، على الرغم من أنّه ليس "شيخ طريقة" في صناعة الدول المزدهرة، فوق شعارات المتشدّدين ووصفاتهم "الفارغة" وذهب مباشرة الى صلب الموضوع، إذ قال وفق ما نقلت عنه صحيفة "آرمان ملي" في عددها الصادر أمس، أنّه "لو كانت هناك نيّة على إحداث تحوّل في الأزمة الاقتصادية في إيران فيجب ، بادئ ذي بدء، إحياء الاتفاق النووي، لأنه من دون إحياء الاتفاق النووي ورفع العقوبات وتحسين العلاقة مع العالم،  لا يمكننا أن نتوقع حلّ المشاكل الاقتصادية (...) يتصوّر البعض، أنه ومن خلال التعامل مع العالم، قد نشهد وجود مندسين من الخارج، لكن في الحقيقة، فإن العزلة هي التي توجد المندسين".

وهذا يعني أنّ الخروج من الجحيم يستدعي تغييرًا في نهج التعاطي مع الداخل والخارج في آن!

وعليه، فإنّ لبنان إذا لم يتمكّن من تحرير نفسه من التبعيّة لإيران ورفع قبضة "حزب الله" عن الدولة، فهو لن يتمكن من رؤية أيّ ضوء في نهاية النفق في العام 2023، لأنّ المشكلة ليست محصورة في الأشخاص، مهما كانوا فاسدين أو سيّئين، بل هي، بادئ ذي بدء، في بنية الدولة ودورها وموقعها.

 ومن يزرع الريح يحصد العواصف!ّ