لاجئون في كاليه بفرنسا

تجاوز مجلس النواب العراقي المهلة الدستورية المحددة لانتخاب رئيس للجمهورية في التاسع من الجاري من دون أي عواقب. اختلف ائتلاف الغالبية على المرشح بعد رفض الكتلة الأكبر فيه، التابعة لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، الاقتراع لوزير الخارجية السابق الكردي هوشيار زيباري بتهم الفساد. لم تحضر الكتل النيابية فتعذر النصاب وتوقف عمل البرلمان حتى إشعار آخر.

في الأراضي الفلسطينية، انعقد "المجلس المركزي" لـ "منظمة التحرير الفلسطينية" لملء المناصب القيادية الشاغرة بالتعيين. قاطعت كبرى الفصائل اللقاء، فيما كررت حركة حماس حاكمة قطاع غزّة عدم اعترافها بمنظمة التحرير كممثل للشعب الفلسطيني، وتمسكت بالمجلس التشريعي الذي تم انتخابه في 2006، والذي قامت المحكمة الفلسطينية العليا بإعلان انتهاء صلاحياته قبل ثلاثة أعوام.

كان القيادي الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، أمضى عقودا لانتزاع اعتراف العالم بمنظمة التحرير، فأحرق لبنان، وخطف طائرات، واغتال صحافيين، وكان له ذلك في اتفاقية أوسلو مطلع التسعينيات، إذ اعترفت اسرائيل والولايات المتحدة وباقي الدول بالمنظمة كممثلة للشعب الفلسطيني. ثم تأتي اليوم حماس وترفض الاعتراف بشرعية المنظمة.

في لبنان، غالبا ما تنقضي ولاية رئيس الجمهورية ويشغر المنصب، لسنوات أحيانا، فيما يقوم "حزب الله" وحليفه، نبيه بري، بإقفال البرلمان إلى أن تتم الموافقة على مرشحيهم للرئاسة.

في الأشهر الماضية، ولتعطيل القضاء اللبناني الذي قارب الكشف عن الممارسات غير الشرعية للحزب الموالي لإيران في مرفأ بيروت، وهو النشاط الذي قد يكون ساهم في الانفجار الكبير قبل قرابة عامين، منع "حزب الله" انعقاد مجلس الوزراء اللبناني، وعاشت البلاد، المنهارة أصلا، بلا سلطة تنفيذية إلى أن اطمأن الحزب أن القضاء اللبناني لن يصل إلى الحقيقة التي قد تدينه، فاستأنفت الحكومة اجتماعاتها.

الأمثلة الثلاثة أعلاه تشي أن هذه الشعوب العربية غير قادرة على حكم نفسها، وأنها أقامت دولا فاشلة بالكامل.

في مدارس غالبية العرب يتعلم الطلاب أن عصبة الأمم، المنظمة السابقة للأمم المتحدة، اعتقدت أن بعض الشعوب قاصرة عن إدارة نفسها، فقامت بوضع سيادتها في أيدي قوى أوروبية في نظام متعارف عليه باسم الانتداب. اعتبر العرب أن الانتداب هو تسمية جديدة للاستعمار القديم نفسه، وأمضوا سنوات الانتداب وهم يطالبون باستقلال حكوماتهم على أساس حقهم في تقرير مصيرهم. 

وفي مدارس غالبية العرب يحفظ الطلاب قصيدة التونسي، أبي القاسم الشابي، وخصوصا البيتين "إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر… ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر".

الموقف العربي صحيح تماما. المساواة بين البشر تعني أن لهم حقوقا متساوية فرادا، ولهم حقوق تقرير المصير جماعات، وأي كلام غير ذلك هو استخفاف بهم وظلم وانتقاص من حقوقهم. تقرير المصير حق، ولكن الحق وحده لا يكفي لبناء دول ناجحة أو إدارتها. هذه هي مشكلة بعض العرب.

في التجارب العراقية والفلسطينية واللبنانية والسورية والمصرية، تؤكد كل الأرقام أن حياة هؤلاء العرب كانت أفضل بما لا يقاس تحت حكم الأوروبيين منها في ظل السيادة الوطنية. 

في الحالة الفلسطينية، مثلا، يتحسن وضع الناس كلّما تخلصوا من عبء الكرامة المرتبطة بتقرير المصير، فنرى أن أحسن وضع للفلسطينيين هم عرب إسرائيل. حتى بين هؤلاء، يتضح أن من قرر منهم الانخراط في الدولة الصهيونية يتمتع بحياة أفضل بكثير ممن يتمسكون بالاعتراض على وجودها. 

بعد عرب إسرائيل، يأتي فلسطينيو الضفة الذين يعيشون تحت حكم السلطة الفلسطينية، وهي التي اعترفت بإسرائيل (وسحبت اعترافها في المؤتمر المركزي الأخير بشكل كاريكاتوري مضحك). وضع فلسطينيي الضفة أفضل بكثير من وضع نظرائهم في قطاع غزة، الذي يحكمه أكثر الحكومات الفلسطينية تطرفا في موضوع الاستقلال والسيادة ومعاداة الاستعمار والمطالبة بتدمير إسرائيل بالكامل، أي حماس.

كان الناس في الماضي يتداولون أقوالا يحثون فيها بعضهم البعض على التحلي بالواقعية بما فيه المصلحة الخاصة وبعدها مصلحة الجماعة، من قبيل "اليد التي لا تقدر عليها قبّلها وادعي عليها بالكسر"، وهي عملانية لا تزال سائدة، مثل في التقلب في التحالفات السياسية والانقلاب على المواقف، كمعاداة إيران وعائلة الأسد وصدام حسين ثم مصادقتهما له، أو انقلاب ميشال عون من عدو "حزب الله" إلى حليفه.

الجسم السياسي في هذه الدول العربية يغرق في الكذب والخداع، ولا يعارض الارتزاق لهذه الدولة أو تلك، وأنصار السياسيين الكذّابين يعرفون ذلك، ويتبدلون في مواقفهم القومية والوطنية حسبما يتبدل أسيادهم السياسيون.

والحال هذه، لماذا يتمسك عرب الدول الفاشلة بمبدأ الاستقلال وتقرير المصير فيما يتخلون عن كل المبادئ البشرية السامية الأخرى؟ وما الفارق في أن يقف زعيم "حزب الله" حسن نصرالله، ويعلن ولاءه لحاكم إيران على خامنئي بدلا من أن يعلن ولاءه لفرنسا، الأم الحنون للبنان وسلطة الانتداب السابقة على لبنان؟ 

الواقع هو أن عرب الدول الفاشلة لم يستقلوا في قراراتهم الوطنية أو مصيرهم يوما. تطالع أي نشرة أخبار في لبنان فترى أن كل المعنيين يربطون مصيرهم، بشكل غير مبرر، بمفاوضات إيران مع الولايات المتحدة. السوريون يفعلون ذلك أيضا، فيما يعتقد الفلسطينيون أن كل تاريخهم تم تقريره في الخارج، منذ وعد بلفور، وكل مستقبلهم من الخارج كذلك، في إيران وأميركا أو أي دولة أخرى.

أما الأسوأ من النفاق في الإصرار على السيادة الوطنية وفي نفس الوقت الارتزاق عند حكومات العالم فيكمن في الرغبة الجامحة للهجرة والانتقال الى دول الاستعمار، التي طردتها نفس الشعوب التي تستميت اليوم للهجرة إليها.

هذا يطرح السؤال: لماذا يستميت أي عراقي أو لبناني أو فلسطيني على الهجرة الى أميركا وتحصيل جواز أميركي وقسم الولاء لعلم أميركا، ولكن إن ضمت أميركا العراق مثلا وحوّلته ولاية أميركية تحت علمها تثور ثائرة هؤلاء العراقيين؟ لماذا لا يطلب العرب من حكومات الاستعمار أن تعود لتحكمهم في بلادهم بدلا من أن تحكمهم في بلادها البعيدة؟ هذا على افتراض أن أميركا والدول الأوروبية ترغب في حكم دول العالم اليوم، وهذا غير صحيح.

أسئلة كثيرة بلا إجابات، وإن توفرت الإجابات تكون عادة على شكل شعارات غبية عن الكرامة الوطنية وتقرير المصير والمزيد من التخلف والبؤس والفقر والاستماتة على الهجرة بعيدا عن الكرامة والسيادة الوطنية.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.