A Ukrainian woman cries as Ukrainian refugees who obtained asylum in Portugal, arrive at Leiria Municipal Stadium, in Leiria on…
لاجئة أوكرانية وصلت إلى البرتغال بسبب الحرب في بلادها.

لامست تداعيات حرب روسيا الجارية على أوكرانيا صدى الاحتفالية الأممية بيوم المرأة العالمي، وبدت النشاطات المرافقة لها هذا العام روتينية وكئيبة بعض الشيء، وكأن هذا الشحوب الذي أصاب بعضاً من حيويتها، عكس عمق التوتر والقلق العام المتعلق بالآثار المدمرة لهذه الحرب، وانعكاس ظلالها الحادة على مستقبل العالم بنسائه ورجاله، وعلى مستقبل نساء أوكرانيا بشكل خاص.  

الاحتفالية العالمية بيوم المرأة في كل ثامن من شهر مارس، ليست عيداً، بل هي يوم خاص للتذكير بقضايا النساء والتمييز ضدهن، ولأجل التوعية والتضامن معهن من أجل الحرية والمساواة وحقوق المواطنة الكاملة. فإن كانت النساء الأوكرانيات مع الغالبية من نظيراتهن الأوربيات والغربيات قد قطعن شوطاً كبيراً نحو الحرية والمساواة، ونجحن في تحقيق العديد من المكتسبات الحقوقية، إلا أنهن ينضممن اليوم إلى قائمة معاناة الملايين من نساء العالم، ويواجهن استحقاقاً قاسياً مشابهاً يتعلق بالانتهاك الصارخ لأبرز وأول حق من حقوقهن وهو الأمن، الذي يبنى السلام على ركيزته ويؤسس الاستقرار بموجبه، وأي تقويض له يعني تقويض الحياة العامة، وحياة النساء بشكل خاص ومضاعف. 

المشهد الأوكراني العام كما تنقله صور وتقارير وسائل الإعلام العالمية، أظهر انخراط الرجال خلف خطوط النار، ومشاركة نسبة عالية من المقاتلات المجندات في الجيش الأوكراني أو ممن تطوعن مؤخراً للمشاركة في القوات الدفاعية، فيما الغالبية من النساء في الخطوط الخلفية يطلعن بمهامهن القيادية والإدارية لتيسير الشؤون الحيوية الخاصة بالمشافي الميدانية ومهام الإطعام وتنظيم عمليات اللجوء والنزوح، إضافة إلى وضوح الدور البارز الذي تؤديه ناشطات المجتمع المدني داخل المدن أو عند المراكز الحدودية. 

في عمق المشهد، تتوالى صور الهاربات بأجيالهن المختلفة وهن يلهثن على طرقات محفوفة بجميع الأخطار، وتتكدس صور آلاف في الملاجىء ومراكز الإيواء، يلتحفن أغطيتهن بصمت، وقد تركت الصدمة أثرها البليغ على ملامحهن مثل صفعة أزلية، يدارين قهراً يموج في الروح، ويخفين دموعاً تلوح في الأعين، وهن يحاولن تأجيل الإجابات القاسية لأسئلة صعبة يخشين طرحها، مثل: كيف حل بنا هذا؟ ولماذا؟.

تتكامل الصورة بين ظاهر المشهد وعمقه، وتتراكم معاناة النساء بمختلف مواقعهن وهنّ يجربن إظهار الشجاعة وبعض رباطة الجأش، لكنهن يدركن الأثمان الباهظة التي يدفعنها وسيدفعنها مع مرور الوقت، ليس في مخاوف واحتمال فقدان الوطن أو فقدان أحبتهن وأرزاقهن فقط، بل في معنى فقدان الأمن والأمان المستدام والاستقرار النفسي الذي يرسم أمامهن شبح صورة المستقبل القريب بكل بؤسه وسوداويته المتوقعين.   

أثمان جارحة تدفعها النساء بشكل مضاعف، لايدرك عمق وصعوبة تفاصيلها إلا من عاش تجارب الحروب واللجوء والنزوح. ذاقت مراراتها جدات الأوكرانيات وعموم الأوربيين وشعوب روسيا بطبيعة الحال. وخبرت تشظياتها –ومازلن- ملايين العراقيات والسوريات والكرديات واللبنانيات والفلسطينيات واليمنيات. 

وخبرتها الأفغانيات والكويتيات والليبيات وغيرهن من نساء العالم المنكوبات في حروب العقود الفائتة، وفطنت إلى بعض تفاصيلها الصعبة بعض نساء بولندا، فدفعتهن إلى تضامن رمزي مؤثر، عبر ترك عربات أطفالهن عند الحدود، لتستعملها المحتاجات من الأمهات الهاربات من الجحيم الأوكراني. 

كيف ستتمكن أمُ من إقناع طفلها أن قطعة خبز يابسة –إن توفرت-هي بسكويتة، وأن (بابا) سيعود قريباً وسيعود هو إلى مدرسته ورفاقه وسريره وألعابه؟ كيف ستتدبر النساء تيسير شروطهن النسائية الشهرية ببدائل الخرق البالية، وكيف ستلد امرأة مولودها في ملجأ في غياب الشروط الصحية اللازمة وتهدئ من روع رضيعها وسط هذا الازدحام والضجيج؟ وكيف ستتدبر النساء شؤون العجزة بينهن وإطعامهم وتخفيف آلامهم في ظل الحصار وفقدان الدواء والماء الكهرباء والتدفئة؟ 

أسئلة مصيرية تتعلق بسيل من كسر الخواطر وصعوبة جبرها، تكمن في عمق التفاصيل الصغيرة، تتكرر مع كل حرب جديدة تدمر هذه الأرض الجميلة التي لايستحقها أبناؤها لكثرة ماارتكبوه من آثام بحقها. حروب شر بلا حدود، تسحق كل مايقف أمامها، تطحن حيوات الجميع وفي مقدمهم نساء العالم، اللاتي عليهن أن يقاسين ويضمدن جراحاً عميقة بات التئامها عسيراً مع تجدد نزفها كل حين. 

في أحد التقارير الإعلامية المصورة التي نقلها مراسل أحد محطات التلفزة العربية، وكان يشرح كيف اضطر سكان العاصمة كييف إلى استعمال عربات ميترو الأنفاق المتوقف كبديل للإيواء، بحيث تحولت المقاعد إلى أسرّة مؤقتة للنوم، رصدت الكاميرا بلقطة سريعة وعابرة شابة أوكرانية عند أحد المقاعد التي تشغلها وقد ركنت عند نافذة مقعدها (فاز) زجاجي وضعت فيه وردتين بديعتين. 

لقطة لم تكن عابرة في وجدان من رآها، تعبر عن معنى عظمة الأنوثة، وعن كل نساء الأرض، اللواتي رغم أنهن يدفعن كل هذه الأثمان المضاعفة في فقدان الأمن والسلام، إلا أنهن يحتفظن دوماً بهامش سحري ليبقين خلاّقات ومدهشات في مقدرتهن اللامحدودة على صناعة  الجمال، وإعادة بعض التوازن وبناء السلام كلما سنحت لهن فرصة صغيرة.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.