رجب طيب أردوغان ملوحا للجماهير بعد ظهور نتائج الاستفتاء
حدث ما كان متوقعاً، وعادت مياه العلاقات التركية الإسرائيلية إلى مجاريها، ومن بوابة قمة غير مسبوقة منذ قرابة الخمسة عشر عاما.

حدث ما كان متوقعاً، وعادت مياه العلاقات التركية الإسرائيلية إلى مجاريها، ومن بوابة قمة غير مسبوقة منذ قرابة الخمسة عشر عاما بين رئيسي البلدين، ليستكمل رجب طيب أردوغان، مسلسل الاستدارات في سياسته الخارجية، التي كان بدأها مع السعودية والإمارات، وما زال يسعى في ترجمتها في مصر، ضع جانباً مبادراته "الانفراجية" حيال أرمينيا واليونان، ودائماً بالعودة إلى نظرية وزير خارجيته الأسبق، أحمد داود أوغلو حول "تصفير المشاكل"، وبعد سنوات عشر من الانقلاب عليها. 

"إنه الاقتصاد يا غبي"، عبارة قالها جيمس كارفيل – المستشار الاستراتيجي في حملة بيل كلينتون الانتخابية (1992)، تفسر أكثر من غيرها، "سرّ" هذه الاندفاعة التركية لاستحداث كل هذه الاستدارات، فالحال الاقتصادي ومصير "الليرة"، هما "الناخبان الكبيران" في انتخابات حاسمة، رئاسية وبرلمانية، لم يعد يفصل الأتراك عنها سوى سنة أو أزيد قليلاً. 

ولكم كانت لافتة، تلك الحماسة التركية الفائضة، لاستعادة العلاقات مع إسرائيل إلى دفئها السابق، زمن الحرب البادرة وما بعدها، إذ تولى الجانب التركي، والرئيس شخصياً، مهمة الترويج لقرب "التطبيع" بين البلدين، وتحديد الرزنامة الزمنية لمساراته القادمة، في حين أظهرت إسرائيل، على غير عادتها، قدراً كبيراً من التريث و"المشروطّية" عند تناولها لهذه المسألة، فـ"السلطان العثماني" لم يكن موضع ثقة في تل أبيب، وهو المتهم بـ"العداء للسامية"، فضلاً عن "لائحة مطالب" أعدتها القيادة الأمنية الإسرائيلية مسبقاً، كشرط لتطوير هذه العلاقة وتزخيمها، وأهمها تلك المتعلقة بعلاقة أنقرة مع حركة حماس. 

على أية حال، لتركيا "سلّة" من الاهتمامات والمصالح، التي تسعى لملئها وهي تلج عتبة جديدة في علاقتها مع إسرائيل: (1) الملف الاقتصادي، بكل صفحاته، من سياحة وتجارة ونقل وترانزيت واستثمار...(2) ملف الطاقة ورغبة أنقرة في تحويل تركيا إلى منصة لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا، وربما الحصول على قسم منه لتلبية احتياجاتها المحلية...(3) الملف الأمني – الدفاعي، حيث تقف تركيا على عتبة تحول كبير في صناعاتها العسكرية، وهي تحتاج للتكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة، لتطوير هذه الصناعات وتعزيز قدراتها التنافسية...(4) الملف السياسي، حيث ترى أنقرة في إسرائيل، بوابة كبرى، لتجسير خلافاتها مع الغرب والولايات المتحدة، بعد سنوات من المدّ والجزر. 

في المقابل، تعوّل إسرائيل كثيراً على الفرص المتاحة في هذه الميادين الأربعة، لتعظيم مصالحها، فتركيا لاعب إقليمي كبير، ودولة لها وزنها في منظومة العالم الإسلامي، والعلاقات الجيّدة معها، كفيلة بتعزيز "المسار الإبراهيمي" وتطويره وتوسيعه ليشمل دولاً عربية وإسلامية أخرى، ستكون أقل تردداً في خطب ود الدولة العبرية. 

لتأتي الأزمة الأوكرانية، فتضيف إلى "لائحة المشتركات" بين الجانبين، عناوين جديدة، فمواقف البلدين من هذه الأزمة، ومصالحهما، تبدو متقاربة إلى حد كبير...كلاهما لا يريد القطع والقطيعة مع موسكو، حيث المصالح الاقتصادية والتجارية والحسابات الأمنية والسياسية تحول دون ذلك...وكلاهما، حليف للغرب وإن بتفاوت، ولا يريد القطع والقطيعة مع الولايات المتحدة و"الناتو"...وكلاهما، يرتبط بأوكرانيا بشبكة مصالح، متعددة الأوجه، وصداقة حميمة تكاد تصل حافة التحالف...وكلاهما، لهذه الأسباب مجتمعة، يعرض نفسه كوسيط في هذه الأزمة، وليس طرفاً "خشناً" على خطوط التماس والمواجهة. 

من بين ملفات العلاقة الثنائية بين الجانبين، تبدو العلاقة مع حماس والموقف من المسألة الفلسطينية، واحدة من أكثر العناوين إثارة للحساسية...تركيا لا تُخفي احتضانها للحركة في سياق احتضانها للجماعات الإخوانية والإسلامية في المنطقة، مع ميزة إضافية لصالح حماس، كونها فريقاً فلسطينياً فاعلاً... والحكومة التركية لم تخف يوماً، تأييدها المتحمس لحل الدولتين وقيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس. 

هنا، ثمة ما يشير إلى مقاربة تركية، أكثر براغماتية في التعامل مع هذه المسألة، ففي مقابل إلحاح إسرائيل على "شرط" إبعاد حماس عن تركيا، لن تمانع أنقرة، في منع حماس من استخدام الأراضي التركية كمنصة لاستهداف إسرائيل، وتركيا في ذلك، لن تجد صعوبة تذكر، فهي وبرغم علاقاتها المتطورة مع حماس، لم يسجل عليها أنها زودتها برصاصة واحدة، أو دعمت جهازها العسكري بأي شكل من الأشكال، والأرجح أن حماس ستحتفظ لبعض الوقت، يطول أو يقصر، بوجود سياسي رمزي في تركيا، لكن "شهر العسل" ومواسم المهرجانات واللقاءات على أرفع مستوى، قد انتهى إلى غير رجعة. 

وتركيا ستحذو حذو دول عربية، "مطبعة" أو "ممانعة" في استمرار الحديث عن "حل الدولتين، وهو حديث لم يعد مكلفاً بشيء، ولا يُرتب على قائله، أية أعباء أو التزامات، بعد أن بات ضرباً من "لزوم ما لا يلزم"، وهذا ما ظهر عليه خطاب أردوغان في مباحثاته مع نظيره الإسرائيل، فالمسألة الفلسطينية، وفقاً لقوله، لها "حساسية خاصة" عند الأتراك، يجب أخذها بنظر الاعتبار، متخلياً على ما يبدو عن خطابه المثقل بعبارات الاتهام والتهديد والوعيد...خطاب ناعم، حلّ محلّ خطاب التجييش والتحشيد، ضد السياسات والممارسات الإسرائيلية. 

وإذا كان من الصعب الجزم، بأن كل العقبات التي كانت تعترض استعادة العلاقات بين أنقرة وتل أبيب، قد ذُللِت، أو هي في طريقها إلى ذلك، فإن من المؤكد أن ثمة استعجال تركي لتزخيم هذه العلاقات، التي لم تنقطع يوماً، حتى في ذروة الحروب الكلامية بين الجانبين، وبدءاً بملف الغاز والطاقة، الذي توليه تركيا (بل والعالم) اليوم، أولوية فائقة، في ضوء تداعيات الأزمة الأوكرانية، والأرجح أن إسرائيل ستتراجع عن سياسة "الاستمهال" التي ميّزت استجابتها للمبادرات التركية التطبيعية. 

ومن المؤكد أن التطبيع التركي – الإسرائيلي، سيصب في صالح أنقرة وعلاقاتها مع الغرب والولايات المتحدة، بل ومع معظم، إن لم نقل جميع، الدول العربية، المنخرطة بدورها، بهذا القدر أو ذاك، سراً وعلانية، في علاقات تطبيعية مع إسرائيل...والمؤكد أن إسرائيل ستجد في علاقاتها المتجددة مع "السلطان"، ما يعزز أهدافها بتطبيع العلاقات مع العالمين العربي والإسلامي، من دون "شرط" حل القضية الفلسطينية والوصول إلى سلام نهائي مع الفلسطينيين، كما أن نظرية "المصالح والأهداف المشتركة" التي تجمع إسرائيل بدول الاعتدال العربي والإقليمي السنيّة، في مواجهة التهديدات، ستجد دفعة جديدة، سيما أن قدّم أردوغان ما يكفي من "أوراق الاعتماد" لتل أبيب، لإدراجه في قائمة الاعتدال السنيّ. 

لكن في المقابل، ستكون للقفزة التركية الكبرى باتجاه إسرائيل، وقع الصدمة على حركات الإسلام السياسي في المنطقة العربية، وسيفقد أردوغان رصيداً شعبياً جعله من أكثر قادة المنطقة "جماهيرية"، والحقيقة أن من يتابع مواقع التواصل الاجتماعي، بدأ يتلمس هذا الانقلاب في المزاج الشعبي العربي، إذ حلت صورة "الخيّالة العثمانيين" الذين رفعوا العلمين الإسرائيلي والتركي وهم يمتطون صهوات جيادهم، محل صور أردوغان في "دافوس" وأسطول "مافي مرمرة". 

وتحت وقع هذه القفزة الكبرى التي أقدم عليها أردوغان، لم تتردد حركات إسلامية ومجالس علمائية سنيّة، عن إصدار بيانات الشجب والاستنكار والاستهجان، وهم الذين كانوا جنّدوا أنفسهم، للدفاع عن "السلطنة"، وانتعشت في صدورهم أحلام "الخلافة". 

بعد مئة عام على سقوط الخلافة العثمانية القديمة، حان الوقت على ما يبدو لسقوط خلافة "العثمانية الجديدة"، أقله في نظر قطاعات عريضة من الرأي العام العربي، وحتى التركي، تلكم نقلة، من السابق لأوانه، معرفة كيف ستؤثر على حظوظ أردوغان وحزب العدالة والتنمية في انتخابات 2023، وتلكم مسألة أخرى. 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.