قرآن
"هناك أمور كثيرة في القرآن لا يقف عندها الكثيرون ليتفكروا أو يتدبروا فيها وربما لا يعرفونها من الأصل"- تعبيرية

تكرّرت في الأوساط الفكرية والبحثية والسياسية في الغرب مقولة: "الإسلام المتشدد هو المشكلة، والإسلام المعتدل هو الحل". ولهذه المقولة أصداء متوالية في العالم الإسلامي ذاته.

وهي في أحيانٍ قليلةٍ أصداءٌ ذاتية نابعة من قراءات محلية تسعى إلى التوفيق بين الدين المُعاش وبين العقيدة النصية، ولكنها على الغالب استجابة للدعوة الغربية أو من باب الإقرار بأنه لهذه الدعوة ما يبرّرها، انطلاقاً من الواقع الملموس بأن الممارسات القبيحة والعقائد المستهجنة التي أظهرتها الجماعات الجهادية هي في واقع الأمر متوافقة مع النصوص العقدية والفقهية.

والدفع باتجاه إصلاح الدين أو تجديده ليتماشى مع متطلبات العصر، قد اكتسب زخماً متعاظماً مع تبني أكثر من حكومة عربية لموقف رسمي مبني على السعي إلى تحقيق هذا الإصلاح. الدعوة كانت صريحة يوم أطلقها الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، وربما جاءت أقل جهاراً، وإن أكثر حزماً، في توجهات الشيخ محمد بن زايد في أبوظبي، وهي اليوم علنية في تصريحات ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان.

المعادلة تبدو سهلة. ثمة نصوص، قد تكون أحاديث الآحاد سعودياً أو بعض المقررات الأزهرية مصرياً، هي موطن العلة، وعليها يبني المتطرفون ضلالهم وتضليلهم.

فالمطلوب هو إعادة النظر بها واقتطاع المسيء منها، ليعود الدين إلى جوهره الخالص. والسبيل إلى تحقيق هذا الإنجاز واضح بدوره.

النخبة التنويرية في هذه الدول وفي المنطقة كافة على استعداد لتنفيذ مشروع الاحتفاظ بالصالح ونبذ الطالح في هذه النصوص. أو، كما في الحالة المصرية، الرئاسة قد فوّضت الأزهر الشريف للتوّ، بشخص شيخه ووزير الأوقاف وغيرهما من رجال الدين المعتبرين في مصر، للشروع بمجهود الإصلاح.

وفي الإمارات، الدعم وافرٌ لمؤسسات تسعى إلى تأصيل ثقافة التسامح والتعدد، وما بيت العائلة الإبراهيمية إلا نموذجاً وحسب من توجه عالمي بطموحاته.

أما في السعودية، فيبدو أنه ثمة مشروع برعاية ولي العهد لمراجعة الأحاديث وللخروج بموسوعة جامعة جديدة تشكل مرجعية حديثية تحصّن الدين من التطرّف.

وبالإضافة إلى أن المرحّبين بهذه الخطوات هم من التنويريين والإصلاحيين والمنفتحين، فإن التعويل في الحقيقة هو على الجمهور الذي أظهر في عمومه رفضاً واضحاً للتوجهات المتشددة والمتطرفة. فخطوط التماس في هذه المواجهة، أو على الأقل هكذا يراها دعاة الإصلاح، هي بين الجمهور الواسع من المواطنين، ومعه نخبته المستنيرة، في مواجهة الفئة الضالة عند الهامش، وإن عاضدها، غالباً لاعتبارات آنية ومصالح دنيوية، عدد من رجال الدين.

ليس الأمر كذلك. ثمة ملاحظات هامة تلقي الشكوك على الطبيعة المحكمة المفترضة لهذه القراءة، وتشير لا إلى فشل مرتقب وحسب، بل إلى مضاعفة الأزمة الدينية التي تعيشها هذه المجتمعات المعنية.

أولاً، نعم، ثمة أزمة دينية في العالم العربي خاصة وفي العالم الإسلامي عامة، وخلاصتها أن الدين لا يشكّل إطاراً ممكناً للفرد والمجتمع، بل حمل ثقيل عليهما، يستنزف طاقتهما ويمنع حسن تقدمهما.

بصرف النظر عن الأسباب الذاتية والموضوعية لهذه الحالة، وما إذا كانت طارئة حديثة أو من صميم الدين ذاته، ما هو جلي هو أن الموضوع الديني يشغل حيّزاً ضخماً من الاهتمام، وأن الانهماك بدقائقه وتفاصيله يستهلك جزءاً كبيراً من موارد الأفراد وأوقاتهم وأفكارهم، ما يجعل الفرد المسلم أصلاً والمجتمع الذي يغلب فيه الإسلام فرعاً أقل قدرة على الإنتاج والتقدم، ولا سيما مع تفضيل تغييب النساء، أي نصف المجتمع، من دائرة المشاركة الكاملة، وفرض أثمان "ضريبية" على كل خطوة ومبادرة.

من شأن هذا الكلام بطبيعة الحال إثارة المعترضين، مع الإشارة إلى أن درجة إثارته لهم هي بحد ذاتها دليل على صحته.

وليس القول هنا بطبيعة الحال إن الدين يعترض التقدم بالكامل، ولا جدوى بالتالي من استدعاء بعض النماذج الناقضة، بل المقصود أن الفرد المسلم باختياره الشخصي، والمجتمع حيث الغلبة للإسلام كنتيجة، مكلّفان ببذل طاقات أكبر للحصول على مردود متوفر لغيرهما بثمن أقل من الجهد والوقت والطاقة.

للمؤمن طبعاً أن يهنئ نفسه بتجارة الدنيا بالآخرة. والتقييم هنا ليس إسقاطاً للموازنة التي يرتضيها المؤمن لنفسه، بل تنبيه إلى أنه لهذا الخيار الإيماني عواقب تتعدى من يرتئيه لتطال المجتمع بأكمله إذ يلبّس الصفة الإسلامية.

ثانياً، ثمة خلل منهجي هنا كذلك. التوجه العام للنشاط الإصلاحي، القادم والقديم على حد سواء، لا يختلف في منهجيته عن التوجه المتشدّد. كلاهما وليد الحداثة في رغبتها بتحقيق الرؤية المتكاملة والتزام الوضوح والتجانس، وإن اختلفت تفاصيل الرؤية لدى الجانبين.

وكلاهما يسعى إلى فرز التراث وتفصيله وتمييز ما يشهره منه وما يسقطه، بل السبّاق في تأطير هذه المنهجية هو التوجه الإصلاحي، فهو الذي افترض جوهراً ثابتاً في الإسلام، ساواه في القرن التاسع عشر بالقيم العالمية حتى قبل أن تتشكل بنصوصها، ثم سعى إلى انتقاء ما يبرز هذا الجوهر من المخزون النصي رفعاً، وإلى إهمال ما يوهنه خفضاً.

وكلا الجانبين الإصلاحي والمتشدد، وهنا تتحقق مضاعفة المواجهة، قد عمد إلى الأسلوب الانتقائي ذاته لاستشفاف جمهوره.

الغالب على الجمهور في كافة المجتمعات التي للإسلام فيها حضور هو قدر من التدين الاسمي أو النظري أكثر ميلاًً للارتفاع، وقدر من الالتزام بالشعائر والواجبات أكثر جنوحاً إلى الانخفاض.

الإسلاميون يتوهمون في ارتفاع التدين المعلَن رغبةً لدى الجمهور بتطبيق الشريعة بحدودها وقيودها، فيما الإصلاحيون يخطئون في اعتبار تملّص العموم من الفرائض والمحرمات التي تحظى بإجماع العلماء، في الاختلاط والمعاملات المصرفية والتآخي مع غير المسلمين مثلاً، دليلاً على رغبة جامحة للشروع بتجديد الدين.

وخلافاً لهاتين القراءتين واللتين يحكمهما الهوى، فإن الاستقراء الوقائعي على مدى العالم، يبيّن أن التشكيلات القائمة في الأوساط الإسلامية، والجامعة لما يبدو أنه قدر من التفاوت، إن لم يكن من التناقض بين الوجهين النظري والتطبيقي، هي تشكيلات أقرب إلى الثبات منها إلى التحوّل. هي متحوّلة طبعاً، على مدى المكان والزمان، غير أن عوامل تحوّلها أثقل بكثير من الأفكار والنظم التي يراد فرضها عليها، تشدداً أو إصلاحاً.

أي أن الفرد المسلم المؤمن، بأقدار من التباين حكماً، ومن خلفه المجتمع الذي يجمعه بصنوانه، ارتضى فعلياً، وإن غاب الإقرار كلامياً، الاختلاف بين صيغة الدين التي يجاهر بالالتزام بها، وصيغة الدين التي يعتمدها ضمناً. ومن شأنه، سواء أعلن الأمر أو موّهه، أن يعارض كلا من الدفعين، باتجاه المزيد من الالتزام، أو باتجاه المزيد من التجرّد.

وعليه، وكما كان حال ممانعة العموم للتشدد، فإن محاولات الاستفاضة بالإصلاح، وصولاً إلى تبديل الدين النظري، لن تلقى التأييد الواسع، على الأقل الصادق منه. قد يصدر ما يدعو إلى افتراض التأييد، ذلك أن انسجام المواطن في هذه الدول، حيث هو لا يزال أقرب إلى واقع الرعية منه إلى مبدأ المواطن السيّد، مع رغبة ولي أمره ليس بالضرورة تعبيراً عن قناعة، ولا هو على ديمومة أكيدة.

أي أن الإصلاح الديني الموعود بأشكاله المختلفة، المصرية والإماراتية والسعودية، إذ هي جميعاً تغوص في المسلّمات والثوابت والعقائد، ليس مؤهلاً أن يحقّق الخرق المرغوب على مستوى الجمهور، ولكنه دون أدنى شك سوف يستثير الملتزمين والمتشددين والمتطرفين.

فحصيلته في أحسن الأحوال قد تكون تنشيط بعض المتداول الفكري ذي الصبغة الإصلاحية لدى العموم، بناتج إيجابي متواضع، في مقابل تعبئة مضادة للتوجهات المتشددة، أي بناتج سلبي موزون.

ثالثاً، بالإضافة إلى الأزمة الدينية والخلل المنهجي، ثمة اضطراب موضوعي. حيث أن كافة هذه التوجهات الإصلاحية تنطلق من فرضية خاطئة هي أن المستهجن والمستنكر، من وجهة نظر القيم العالمية، يقتصر على نصوص عرضية أو روايات ضعيفة وما أشبه.

الواقع الذي يسكت عنه معظم الإصلاحيين هو أن العلة المبدئية ليست في الحديث وحسب، بل هي في صميم القرآن. يستطيع الجهد الإصلاحي أن يستأصل ما شاء من الكتب الفقهية وأن يجتثّ ما طاب له من أحاديث الآحاد. ولكن ما عساه أن يفعل بآيات القتال والولاء والبراء.

الاستعمال الانتقائي المتحيّز لأدوات التفسير، أي الحقيقة والمجاز، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمفصّل، والناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، وغيرها، من شأنه تلطيف بعض القسوة بنظر معظم الناس، ومعظم القسوة بنظر البعض الآخر، ولكنه عاجز تماماً عن تبديد كل القسوة لدى كل الناس.

بل إن إسقاط الآحاد والفتاوى وغيرها من الرصيد المتراكم على مر العصور، بالإضافة إلى تثبيت الحكم بالرأي وإهمال الخلاف، من شأنه إبطال الأصل الفقهي القائم على درء الحدود بالشبهات. أي بوسع الإصلاحيين انتخاب ما يناسبهم من النص المتبقي بعد كل الاقتطاعات والتأويلات، وبالمقابل من شأن المتشددين، على رحبٍ وسعةٍ غير متوفرين للإصلاحيين، اعتماد الأسلوب عينه للإمعان بالتشدد والقسوة.

هذا بالإضافة إلى سؤال لا بد منه: رغبة الإصلاح فوقية من السلطة الحاكمة ذات الهيبة السياسية والأبوية، لا الدينية. فمن الذي سوف يمنح الجهد الإصلاحي مشروعيته الدينية؟ بل من الذي سوف يقوم باختيار ما يبقى وما يذهب من النصوص؟ علماء مغمورون جرى توظيفهم للمهمة، أو خطباء وعلماء بلاط كانت لهم مواقف بالأمس ولهم غيرها اليوم؟ بعض هؤلاء يسوّقون للإصلاح والانفتاح والتعدد، فيما المقاطع التي يجاهرون فيها بأضدادها لا تزال رائجة. أم هل يولّى الأمر لمراكز أبحاث محلية وعالمية؟

مهما كان الجهد، يمكن توقع تهليلات تأييد وتقريظات بأن الحاكم الميمون هو هدية التاريخ للعروبة والإسلام وأمم الأرض كافة. غير أنه لا بد من الافتراض بأن الشعوب غبية مستعدة لابتلاع كل ما يقدم لها للاطمئنان إلى نجاح طويل الأمد لهذا المشروع. وإذا كان الأمر كذلك فإن المشروع المعاكس بدوره سوف ينجح بعد حين. 

الحقيقة الصعبة هي أنه لا جدوى من الإصلاح الديني ولا فائدة صرفة ناتجة عنه. ليس المطلوب المزيد من الدين والطروحات الدينية والمقولات الدينية في مجتمعات تعاني للتوّ من تخمة منها، بل التفات إلى تمكين المواطن أن يرتقي من موقع الممالئ كلامياً إلى مقام الفاعل عملياً في مجتمعه.

في التجارب الثلاث المعتبرة اليوم في المحيط العربي، المصرية والإماراتية والسعودية، قد تكون التجربة الإماراتية الأقرب إلى اعتماد الخطوات التنفيذية ذات الطابع العملي، ولكنها تعاني رغم ذلك من معالجات وفق منطق الإصلاح الديني ما قد يأتي بنتائج عكسية.

الحالتان المصرية والسعودية تعانيان، كل على طريقتها، من وطأة تاريخ ديني معاصر برزت فيه مؤسسة (الأزهر وهيئة كبار العلماء) وحركة (الإخوان المسلمون والصحوة) بموقع منافسة ضمنية مع السلطة على النفوذ والمشروعية. أي أن الرصيد الذي يحتاج إلى تفكيك ومعالجة أكثر تعقيداً بالتأكيد.

في العلاقة المركبة بين الدين والدولة في الإطار الإسلامي، لا بد من التأني في طرح السؤال وتشخيص الداء. ولكن لا يصح افتراض أن الإصلاح الديني هو الحل تلقائياً. بل يتوجب التمحيص فيما إذا كانت غلبة القناعة بالحاجة إلى الإصلاح الديني هي نتيجة تحليل اجتماعي فكري تاريخي ذاتي أم أنها متولدة من تقييم غربي متآنس من حيث لا يدري مع القراءة الإسلامية المتشددة، فيرى في الدين جوهراً للفرد والمجتمع في الإطار الإسلامي، على خلاف من سائر المجتمعات.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن اكتشاف وسيلة الهبوط الهادئ للعلاقة بين الدين والدولة لن يكون سهلاً، ولكن انطلاقاً من الاعتبارات السلبية المتحققة، أي التأزم الديني والاختلال المنهجي والاضطراب الموضوعي وما يمكن ترقبه من تداعيات سلبية لها، فإن الأقرب إلى الصواب هو أن الإصلاح الديني ليس الحل في السعي إلى تحقيق المواطنة والدولة القائمة على العدالة والمساواة.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  
"هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  "

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف.