هل ستكون حرب أوكرانيا مجرد كابوس رهيب للخطر القادم؟
هل ستكون حرب أوكرانيا مجرد كابوس رهيب للخطر القادم؟

العالم يحبس أنفاسه، توتر وقلق متزايد من تصريحات لفلاديمير بوتين حول استراتيجية روسيا للردع، من شأنها أن تمثل تهديدا خطيرا بقيام حرب نووية، في حالة تدخل الغرب في حرب روسيا ضد أوكرانيا.

في مثل تاريخ اليوم، 30 أبريل 1945، أقدم الزعيم النازي أدولف هتلر على الانتحار، بعد أن تناول كبسولة سم السيانيد وأطلق النار داخل فمه.

عندما "سمع دوي إطلاق الرصاص، وجد هتلر وزوجته إيفا براون جثتين هامدتين، كانت إيفا حافية تجلس على الأريكة، وقد وضعت قدميها على هتلر، وأسندت رأسها على كتفه. وقد قضمت كبسولة سيانيد البوتاسيوم عالي السمية. أما أدولف فقد كان جالسا على الأريكة مسندا رأسه إلى ظهر الأريكة، وفمه معوج وبه بقايا كبسولة السيانيد، وفي جانب رأسه الأيمن، كان هناك ثقب أسود تسيل منه الدماء. كانت يده اليسرى موضوعة على قلبه وتمسك بصورة أمه، التي احتفظ بها لمدة خمسين عاما. أما يده اليمنى فقد تدلت بلا حراك، بعد أن سقط على الأرض المسدس الذي استخدمه في الوقت نفسه مع السم".

هكذا جاء في الحكاية قبل أكثر من سبعة عقود، عن رجل اقترنت نهايته بنهاية الحرب العالمية الثانية، فبعد يومين من انتحاره استسلمت برلين، لتمضي الأحداث قدما باتجاه أعياد "النصر" وعودة السلام في الثامن والتاسع من مايو 1945.

لكن كيف يا ترى سيحكى عن نهاية الحرب العالمية الثالثة التي تلوح الآن في الأفق؟  

لقد أخبرتنا كثير من الإنتاجات التخييلية أن إبادة العالم ستكون على أيدي كائنات فضائية ستغزو الأرض، لكننا نواجه اليوم كائنات هي من صلب الأرض ومن طينها، تعيش على أديمها وتتنفس تحت سمائها…

كما قيل إن نهاية الحياة على الأرض، قد تكون بسبب اصطدامها بمذنب سماوي، وأن العلماء يعملون على توجيه تلك المذنبات خارج فضاء كوكب الأرض. كما أنه منذ أعوام أخذت مخاوف العالم تشتد من خطر الاحتباس الحراري، ولتفادي ذلك تنجز أبحاث علمية، وتعقد قمم حول المناخ.

هذا، ناهيك عن القصص والنبوءات التي تتكلم عن "آخر الزمان"، وتزخر بها الأساطير، عن "يأجوج ومأجوج"، والمسيح الدجال، وعودة المهدي المنتظر. فالنهاية محتومة، والقيامة "آتية لا ريب فيها".

ربما، لن يكون هناك من سيحكي، ولا من سيوثق ما جرى، ولا من يحزنون. لذلك علينا أن نقرأ من الآن تلك النهاية المتوقعة قبل حدوثها. ولا بد من تفاصيل "اليوم الأخير"، فكما يقال "الشيطان يكمن في التفاصيل"، ويقتضي السياق هنا القول بأن "الحرب تكمن في التفاصيل"، فلكل حرب شياطينها التي تصب الزيت على النار، والنيران قد لا تأتي من العدو فقط، بل تكون آتية أحيانا من جهة مؤتمنة، وبذلك استحقت الوصف الإعلامي: "نيران صديقة".

في العقود الأخيرة، ونتيجة أهوال الحاضر العربي، الغارق في قساوة الاستبداد وتراكم الاضطرابات والإحباطات، جنح بعض الأدباء العرب (خاصة من مصر والعراق)، جهة ما يسمى بـ"أدب الديستوبيا"، بكتابة روايات تتحدث عن الشر المطلق ومآسي الشمولية والقمع والقتل، وتورط البلاد والعباد بين براثن المسخ والدمار.

هذه الأعمال السردية تندرج ضمن "أدب نهاية العالم" المنتشر في الغرب، وقد أضحت له كلاسيكياته، حيث يتنافس كتاب الخيال العلمي ومخرجو أفلام الرعب على إبداع عوالم متخيلة مليئة بالسوداوية والعنف، إلى حدود قصوى من الفوضى المرعبة والمشؤومة، حيث يبنون عوالم تلتقي عند "اليوم الأخير" الذي سيجلب نهاية العالم. وبتعبير آخر "يوم القيامة". وبعد انتشار وباء كورونا زادت شعبية الكتب والأفلام التي تتحدث عن موضوع الأوبئة، ومثل هذه الروايات والكتب والأفلام تحظى عادة بإقبال ملحوظ من الجمهور يصل حد الافتنان، إلا أنه افتنان وهوى لا يتمنى أصحابه العاديون حدوثه.

لكن هل ما يتفتق عنه خيال هؤلاء "الدياسبوتيين" مطابق لحقيقة المشهد المتوقع، أي نهاية العالم؟

بما أن الرئيس الروسي هو من يهدد اليوم باستخدام السلاح النووي، فهل سيكون هو من سيضغط أولا على الزر المعلوم؟ أم أن آخرا من دولة نووية عدوة لبوتين ولبلاده؟

ولنتصور أن جنون بوتين كان الأسبق ودفع به إلى فعلها.

لا شك أن القيصر الحالي لروسيا سيظل محافظا على هدوئه ومظهره الواثق، كعادته. ربما في الليلة الموعودة تزوج بإحدى خليلاته، لإنهاء لقبه كـ "أشهر عازب في عالم السياسة"، منذ انفصاله عام 2012 عن "مضيفة الطيران" السابقة، والدة ابنتيه.

فهل سيفاجئ الزعيم الروسي محيطه القريب بدعوته لهم لحفل عقد قرانه على عشيقته السرية، وهو الرجل السري الأول، خريج أحد أكبر الأجهزة السرية في العالم (الكا.جي.بي)؟

هل سيكون حفلا استثنائيا، تحت أزيز الحرب الطاحنة في الجبهة الأوكرانية؟

هل ستعزف إحدى سمفونيات موزار التي يحب سماعها في أوقات فراغه، كما حكى مرة؟

بل متى كانت لهذا الرجل أوقات فراغ؟

هل سيوزع القيصر الأحمر الهدايا والورود مع الشوكولاته على ضيوفه، كما فعل الفوهرر الألماني ليلة انتحاره، قبل خمسة وسبعين سنة، عندما اقترن، قبل ساعات معدودة، بعشيقته إيفا براون وهو في أبهى حلة؟

هل سيكون أقنع العشيقة - الزوجة بالذهاب معا لقضاء "شهر العسل" في العالم الآخر، قبل انهيار العالم؟! وهل سيمنحها حظ إشراكها معه في الضغط على الزر المعلوم؟

هل سيعمد إلى ترك "صورة إيجابية ومثالية"، أو وصية، ساعة النهاية؟

لكن لمن سيتركها؟ وما الفائدة؟

لا يمكن لبوتين أن ينتحر بسم السيانيد، أو بإطلاق رصاصة في فمه أو على صدغه، ما دام سيفتح فوهة الجحيم على العالم بأكمله، وهو يتمتم مع شاعرنا العربي: "فإما حياة تسر الصديق .. وإما ممات يغيظ العدى"... لكن لا صديق ولا عدو سيبقى بعدها.
- لكن يا سيدي الرئيس فلاديمير بوتين ليس العالم كله من أعدائك…

لا داعي للاستعطاف، إن الرجل يعرف أكثر من ذلك.

سيجيب أنه يدافع عن كرامة الوجود لشعبه ولأبناء قوميته، ولكن ما دامت أحلامه وأهدافه لم تتحقق، فالعالم يمسي كله عدوا لا بد من مسحه.

لكن هل بوتين وحده من يتحمل مسؤولية خراب العالم ونهايته؟

أم أن هناك من تسبب وساهم في ذلك، عن قصد أو غير قصد، لا يهم،  فبصمات أصابع عديدة واضحة على ملمس الزر الذي سيفجر العالم.

وفي الاستعطاف، شاهدنا الأمين العام للأمم المتحدة البرتغالي أنطونيو غوتيريس، وهو يتجول بضواحي كييف، حيث استمع لاتهامات بالجملة للروس، بارتكابهم فظاعات خلال احتلالهم المنطقة في مارس الأخير. رفع المسؤول الأممي رأسه صوب مبنى حطمه صاروخ، وقال: "أتخيل عائلتي في أحد هذه المنازل، أرى أحفادي يركضون مذعورين. الحرب عبثية في القرن الحادي والعشرين، أي حرب غير مقبولة في القرن الحادي والعشرين".

هي الحرب يا صاح، كانت دائمة متأججة، لا تخضع للترقيم المعروف، ولا كلام صحيح عن هدنة ثبتت. حرب عالمية ثالثة بالباب؟! بلى، فمنذ كان هذا العالم سرت في أوصاله وشرايينه دماء الحرب. لقد دشن قابيل الحرب بقتل أخيه هابيل، ولم يتوقف الدم مطلقا بعدها. لذلك فالسلم والسلام مطلب عزيز المنال، مهما ركض الناس الخيرون لتحقيقه. وعندما تتوقف الحرب، تحافظ دائما على حضورها من خلال وصفها الميداني، تتمترس خلف لافتات "الحرب الباردة"، أو الحرب الإعلامية، أو ما يطلق عليه "الحرب الناعمة". كأن حياة البشر لا تستقيم من دون حرب وعنف وقتل ودماء. حروب طويلة بلا حصر، حرب تلد أخرى، ولم ينجح البشر في الانتصار على حروبهم بصورة سلمية مستمرة. رغم أن ذلك في متناول اليد، لو تحولت معامل الأسلحة ومختبرات الإبادة البيولوجية والدمار النووي، إلى معامل ومختبرات للقضاء على الأوبئة والأمراض والإرهاب والجوع والفقر والأمية، التي تنهش العالم وتهدد ساكنته بالفوضى الدائمة المفضية إلى سبل الخراب العظيم.

هل فات الوقت الذي يجب أن تنقلب فيه الحروب العالمية، إلى حرب ذات طبيعة ثقافية وحضارية، كما كتب المفكر المغربي المهدي المنجرة في أطروحته التي بعنوان: "الحرب الحضارية"؟.

في عز جائحة كورونا، في 2020، حذر المفكر الأميركي، نعوم تشومسكي، مما تنتظره البشرية ما بعد "الكورونا"، مشيرا إلى أن العالم في سباق نحو حافة كارثة مرعبة. ولم ينس الحديث عما يتهدد البشر من خطر تزايد تهديدات الحرب النووية ومخاطر الاحتباس الحراري.

وفي حوار تلفزيوني أجري معه في نفس العام، تحدث تشومسكي عن "فكرة أن مصير البلاد والعالم في أيدي مهرج ومعتل اجتماعي مثل دونالد ترامب، هو شيء مروع"، بثلاثية تهديد، تتمثل في الحرب النووية، والاحتباس الحراري، وتدهور الديمقراطية.

واليوم، وقد راح دونالد ترامب وخلفه جو بايدن، هل لا زال ترامب هو المروع والمهرج والمريض الوحيد الذي يهدد العالم بالكارثة العظمى؟

إن "الحرب العالمية الثالثة" اسم خاطئ، بل هي "الحرب العالمية الأخيرة" التي لن تجد من يدونها ولا من يوثق أضرارها، إذا ما تم تنفيذ السيناريو المرعب بتدمير الحياة البشرية على الأرض، بواسطة حرب نووية بيولوجية إلكترونية مبرمجة وعالية الدقة.

ويظل السؤال العريض حول مستقبل بقاء البشرية: هل اقتربنا من نهاية العالم؟ وهل أخطأ عالم الكونيات والفلك البريطاني، مارتن ريس، لما صرح سنة 2003: "أعتقد أن احتمالات بقاء حضارتنا الحالية على الأرض على قيد الحياة حتى نهاية القرن الحالي لا تتجاوز الخمسين في المئة".

أليس هذا ما أكده، جاك أتالى، (مستشار الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران)، لما قال: "إن ما يشهده العالم معد مسبقا وبدقة، لتغيير ملامح وحدود العالم التي رسمت منذ قرن من الزمان، ويذهب لأبعد من ذلك بترجيح فرضية اندلاع حرب عالمية ثالثة".

وهل ستكون حرب أوكرانيا مجرد كابوس رهيب للخطر القادم، سيجتمع عقلاء العالم للاتفاق على تفاديه وتجنب أهواله.

أم سيصيب العمى فجأة جميع ساكنة العالم، وفي المقدمة قادته الكبار، وتحين الساعة، كما  كتب البرتغالي، جوزيه ساراماغو، صاحب جائزة نوبل 1995، في روايته "العمى". لنصل إلى الموعد الذي تحدث عنه الطغاة، بكون استبدادهم أزلي "إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها".

إنه العمى الفكري، الذي تحدث عنه ساراماغو، في نهاية روايته المذكورة، لما تقول البطلة: "لا أعتقد أننا عمينا بل أعتقد أننا عميان يرون، بشر عميان يستطيعون أن يروا لكنهم لا يرون".

لا نتمنى أن يكون الوضع الحالي ينضوي تحت حكم: "الثالثة ثابثة". فلا شيء سيبقى ثابتا بعد الفناء.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  
"هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  "

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف.