مصرف لبنان- من أرشيف فرانس برس
مصرف لبنان- من أرشيف فرانس برس

لا شيء يمكن أن يلخص علاقة فساد السلطة وأحزابها في لبنان بالمصارف، على قدر ما تفعل لائحة تحالف حزب الله وحركة أمل في دائرة الجنوب الثالثة، ففي هذه اللائحة يلتقي كل من النائب والوزير السابق، علي حسن خليل، الذي أصدر قاضي التحقيق بانفجار المرفأ، طارق البيطار، مذكرة توقيف للاشتباه به في قضية التفجير، والمصرفي الذي يتمتع بعلاقة قوية مع حاكم مصرف لبنان، مروان خير الدين، والذي وقف وراء الاعتداء الذي تعرض له الصحافي، محمد زبيب، كذلك الاعتداء الذي تعرض له الناشط واصف الحركي!

 إذاً اللائحة تضم السلاح (حزب الله) والمصارف (مروان خير الدين) وانفجار المرفأ (علي حسن خليل)، ولا داعي بعد ذلك للدخول في التفاصيل الأخرى، ذاك أن أصحاب اللائحة لا يواربون، فهم قالوا كل شيء في تشكيلتها. لا داعي للسؤال عن برنامجها الانتخابي، فالإناء ينضح بما فيه، وأي ادعاء لبرنامج لن يقوى على تبديد هذا الوضوح.

والسلطة عبر هذه اللائحة تُبلغ اللبنانيين بمنتهى الشفافية أنها ليست بصدد إجراء أي تعديل أو مراجعة على رغم كل المصائب التي تسببت بها. وهذه الشفافية ليست بعيدة أصلاً عن إعلان أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، أنه لن يعدل بأسماء مرشحي الحزب، طالما أنهم أدوا المهمة بنجاح! والنجاح في عرف السيد غير متصل بكل ما يصيب اللبنانيين اليوم.

لكن للأمانة لا يقتصر تفشي الظاهرة المصرفية في الانتخابات النيابية على لائحة السلطة في دائرة الجنوب الثالثة، فها هي لائحة "السيادة" في دائرة بيروت الأولى التي يتصدرها حزب الكتائب الذي يقدم نفسه كرأس حربة المعارضة، تعلن وعلى رؤوس الأشهاد أنها مرعية من صاحب مصرف الـ"سوسيتيه جنرال" أنطون صحناوي، وهذا الرجل ليس أقل شأناً من زميله خير الدين في التورط بالهندسات المالية التي أفضت إلى إفلاس لبنان والسطو على ودائع اللبنانيين، وهو وإن لم يكن قد أرسل مرافقيه للاعتداء على النشطاء، إلا أن اسم مرافق له ارتبط بجريمة قتل حصلت في وضح النهار وراح ضحيتها مواطن لبناني.

وإذا كان الرجلان، أي خير الدين والصحناوي، قد توزعا على لائحتين تدعي الأولى أنها "تبني وتحمي" وتدعي الثانية السعي لاستعادة السيادة، فإنهما يعودان ليلتقيا على حماية الماكينة العميقة للنظام، والمتمثلة بالتسوية التي ستنجم عن نتائج العملية الانتخابية.

فالرجلان سيستعينا بما حصلا عليه في الانتخابات، على تفاوته، لعقد الصفقة التي تتيح لهما استئناف الوظيفة التي انتدبهما إليها سيد ما زال إلى اليوم يقيم في مصرف لبنان، وهو لطالما احترف لعبة بناء مواقع نفوذ له في الماكينات الحزبية والسياسية والطائفية المختلفة. فرياض سلامة بنى عبر كرمه المفرط مع أهل النظام نفوذاً لطالما استعان به في ضائقاته الكثيرة، وهو ما يفسر تولى متخاصمون مثل نبيه بري وبشارة الراعي دفاعاً مستميتاً عنه.

لكن نفوذ المصارف في موسم الانتخابات اللبنانية لا يقتصر على اللوائح الانتخابية، فوسائل الإعلام تلعب دوراً مركزياً في الانتخابات، وللمصارف النفوذ الأول فيها، في ظل إفلاس المؤسسات الإعلانية ونضوب المال السياسي.

أبرز البرامج السياسية ترعاها مصارف، وهذا مثبت بإعلان يذيل الشاشات، كما أن نجوماً بارزين هم ضيوف دائمين على موائد حاكم مصرف لبنان، وهم يتولون على نحو علني معارك الدفاع عنه. ومن أغرب ما نعيشه على هذا الصعيد الصداقة التي تربط من يفترض أنهما خصمين، ونعني مروان خير الدين وأنطون صحناوي، بشاشة لطالما حل الأول ضيفاً دائماً على برامجها، وارتبط الثاني بعلاقة إعلانية معها!

ونفوذ المصارف في وسائل الإعلام موظف لمصلحة اللوائح التي ستتولى لاحقاً في مجلس النواب توزيع الخسائر، وللمصارف على هذا الصعيد طموحات واضحة تتمثل في أن تكون حصة الدولة هي الأكبر في هذه الخسائر، ويليها حصة المودعين، ثم المصارف التي يخطط أصحابها للنجاة بحصتهم من المنهبة.

وهذا النفوذ يملي إعلاء صوت الدفاع عن القطاع المصرفي في السجالات الانتخابية، والتلميح إلى أن استهدافها يصيب النظام الاقتصادي الحر، واتهام خصوم المصارف بـ"يسارية" لطالما سعت للحط من دور القطاع الخاص.

وبينما يجد هذا الخطاب أصداء في أوساط مسيحية، ها هو يحجز مكاناً في برامج حزب الله عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري. وعلى هذا النحو يعيد النظام التقاط أنفاسه استعداداً لاستئناف وظيفته التي أفضت إلى الكارثة التي نعيشها اليوم.  

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي
في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي

في اللحظة التي تستعر فيها الأزمات الاقتصادية، يميل المرء إلى "استمزاج" آراء "الاختصاصيّين" و"يستسيغ" التقنيات التي يقدّمونها عن "مكافحة الفساد" ووقف الهدر، وعن "الحوكمة السليمة" و"الشفافية" وعن "تكبير كعكة الاقتصاد" و"جذب الاستثمارات".

وفي ظلّ هذه الوصفات الجاهزة التي يمكن العثور عليها في التقارير والخلاصات الصادرة عن المؤسسات الدولية والإقليمية المختصة، يتراءى للمتابعين أنّ المشكلة تقنية وسلوكيّة وبالتالي بمجرّد أن يتجرّع المرضى الأدوية "المسبقة الوصف" يتعافون.

ولكن يغيب عن بال الكثيرين، بفعل الضخ الإعلامي للحلول المعلّبة، أنّ مشاكل الدول ليست واحدة، إذ إنّها قئات متنوّعة، وعليه فما يصح على فئة منها لا يصح بالضرورة على فئة ثانية أو ثالثة أو رابعة، إذ إنّ الفساد في العالم الثالث، عمومًا، ليس مسألة أخلاقيّة بل مسألة بنيويّة، ويتوسّله الطغاة، على سبيل المثال لا الحصر، من أجل ضمان تأييد أصحاب المصالح والقوى المؤثّرة في المجتمع، وتفتيت الفئات الأكثر صلابة، ولذلك كما يكون الولاء تكون الثروة!

وبناء عليه، فإنّ قراءة المأساة التي تعصف بلبنان مستحيلة إذا ما اعتمدت قواميس "الخبراء الاقتصاديّين" و"يساريّي الهوى" و"يمينيّي الشعارات" والإرشادات "العلنيّة" الصادرة عن "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي"، لأنّ سقوط لبنان في الجحيم لم تتسبّب به الأخطاء والخطايا الماليّة والإقتصاديّة، على أهميّتها، بل النهج السياسي، إذ إنّ أخطر إنذارات "الارتطام الكبير" بدأت تظهر في العام 2017، بعد إشارات أثارت قلقًا فرضت نفسها، بدءًا من العام 2011، في حين أنّ الفساد والهدر والزبائنيّة والمحاصصة وغيرها من العبارات المماثلة، قديمة جدًّا وراسخة.

في العام 2011، بدأ "حزب الله" استعداداته التمهيديّة للدخول العسكري  إلى  سوريا دعمًا لنظامها، في الوقت الذي كانت فيه المساعي المبذولة قد بدأت تنجح في الكبح التدريجي لدعم الثوّار السوريّين، بشريًّا ولوجستيًّا، وفي العام 2017، سجّل لبنان نفسه رسميًّا في خانة دول "محور الممانعة"، وتدخّل في حرب اليمن، وامتنع عن إدانة ما تتعرّض له الدول الخليجية من عدوان بقيادة إيران، وحوّل نفسه الى مقر إعلامي لوسائل إعلام منسوبة الى "المعارضة الخليجية"، وفتح معابر التهريب على مصراعيها أمام تجارة المخدرات والكبتاغون.

ولقد بدا واضحًا أنّ "حزب الله" كان قد أخذ قرارًا نهائيًّا بتغيير طبيعة لبنان الاقتصادية والماليّة، حتى يصبح دولة "تتلاءم مع وجود المقاومة"، وفق تعبير خاص برئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمّد رعد.

وقد أنتج هذا النهج الذي قاده "حزب الله" بالتحالف مع "التيّار الوطني الحر" بعدما كان الحزب قد أوصله الى رئاسة الجمهوريّة، تدهورًا تاريخيًّا في علاقات لبنان العربيّة والخليجية وأضعف ثقة المستثمرين به فبدأوا يهجرون لبنان ومعهم هربت تباعًا، أموال كبار المودعين.

وبما أن "الشيء بالشيء يذكر"، فإنّ الدول التي تدور في فلك "محور الممانعة" تعاني كلّها، بدرجات متفاوتة، من الأمراض المالية والاقتصادية والحياتية نفسها، على الرغم من تفاوت قدراتها وثرواتها.

وفي هذا السياق، لا توجد دولة أكثر قدرة على التعبير عمّا وصلت إليه أحوال لبنان سوى إيران نفسها التي يرى مرشدها علي خامنئي في لبنان "عمقًا استراتيجيًّا" لجمهوريته الإسلامية.

في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي، في وقت يتناقل فيه "خبراء النظام" وخبراء "حزب الله" الكلام نفسه عن الحلول التقنية المرجوّة.

الطرفان يحمّلان المسؤوليّة إلى الحكام السابقين وإلى "الجشعين" و"المضاربين" و"التجار" و"المعارضين" وإلى "الحصار الأميركي" الذي طالما أعلنا انتصاراتهما عليه وعلى إجراءاته وتدابيره وقراراته.

والطرفان أقدما في السنوات الأخيرة على الأفعال نفسها، فأوصلا "الموثوقين منهما" إلى أعلى المناصب، واتخذا قرارات أدّت الى عزل دولتيهما، في وقت كانا لا يتوقفان عن وعد الناس بـ"جنّة عدن".

وقد قفز الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، على الرغم من أنّه ليس "شيخ طريقة" في صناعة الدول المزدهرة، فوق شعارات المتشدّدين ووصفاتهم "الفارغة" وذهب مباشرة الى صلب الموضوع، إذ قال وفق ما نقلت عنه صحيفة "آرمان ملي" في عددها الصادر أمس، أنّه "لو كانت هناك نيّة على إحداث تحوّل في الأزمة الاقتصادية في إيران فيجب ، بادئ ذي بدء، إحياء الاتفاق النووي، لأنه من دون إحياء الاتفاق النووي ورفع العقوبات وتحسين العلاقة مع العالم،  لا يمكننا أن نتوقع حلّ المشاكل الاقتصادية (...) يتصوّر البعض، أنه ومن خلال التعامل مع العالم، قد نشهد وجود مندسين من الخارج، لكن في الحقيقة، فإن العزلة هي التي توجد المندسين".

وهذا يعني أنّ الخروج من الجحيم يستدعي تغييرًا في نهج التعاطي مع الداخل والخارج في آن!

وعليه، فإنّ لبنان إذا لم يتمكّن من تحرير نفسه من التبعيّة لإيران ورفع قبضة "حزب الله" عن الدولة، فهو لن يتمكن من رؤية أيّ ضوء في نهاية النفق في العام 2023، لأنّ المشكلة ليست محصورة في الأشخاص، مهما كانوا فاسدين أو سيّئين، بل هي، بادئ ذي بدء، في بنية الدولة ودورها وموقعها.

 ومن يزرع الريح يحصد العواصف!ّ