مسجد ابن طولون التاريخي في العاصمة المصرية القاهرة- صورة تعبيرية
مسجد ابن طولون التاريخي في العاصمة المصرية القاهرة- صورة تعبيرية

كنت قد ذكرت في إحدى مقالاتي السابقة كيف انضممت في فترة من حياتي، وكانت في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، إلى الجماعة الإسلامية المصرية وكيف تم "غسل مخي" في فترة بضعة أشهر فقط وتحويلي من شاب يريد أن يرضي الله إلى شاب صاحب فكر جهادي متطرف مستعد أن يفعل أي شيء لنصر أيدولوجيته الدينية المتطرفة. 

والآن أتطرق لعدة عوامل دفعتني بعد عامين من الانضمام إليهم لقرار أن أتركهم وأصبح مسلما حقيقيا يسلم الناس من يدي ولساني وليس "إسلامياً" متطرفاً يريد فرض فكره بالعنف على غيره.

وأول هذه العوامل التي دفعتني لترك هذه الجماعة وغيرها من الجماعات المتطرفة هو تناقض مفاهيمهم الدينية مع صريح القرآن. فهم على سبيل المثال يؤمنون بضرورة قتل المرتد بالرغم من وضوح القرآن بصورة لا لبس فيها في حق أي إنسان في إختيار دينه أو عقيدته كما جاء في الآيات الكريمة "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" وآية "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".

أما العامل الثاني الذي ساهم في اتخاذ قراري بتركهم فهو اكتشافي لكذبهم على الناس في أمور الدين. فعلى سبيل المثال لا الحصر كنا قد بدأنا حملة لتحجيب الفتيات وكنا نستخدم فيها كل أساليب الترهيب الفكري من عذاب قبر  وحرق إلى لانهاية في النار حتى ترتعد أوصالهن ويطلبن الحجاب بالرغم من عدم ذكر الكلمة (أي الحجاب)  في القرآن بمعنى "زي" أو "لباس" بعينه ولو لمرة واحدة.

ومما زاد الطين بلة أننا بعد استخدامنا لحديث "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض، لا يصح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه"، اكتشفنا أنه حديث كاذب فمن رواه عن عائشة مباشرة  هو "خالد إبن دريك" وهو لم يرى عائشة ولو لمرة واحدة في حياته لأنه وُلِد بعد وفاتها أي أن ماذكره من أنها قالت له هذا الحديث له هو أمر مستحيل فعلياً.

وكان رد فعلنا على هذا الأمر هو أن نخفي على الفتيات والنساء هذه الحقيقة وبدأنا نحور فهم بعض الآيات القرآنية لكي نستخدمها في غير موضعها كي نحجب النساء وكانت عملية تحجيب المرأة هو أهم جزء في مخططنا للسيطرة على عقول الناس.

وكانت مشكلتي في هذا الأمر أنني رأيت كيف تكذب هذه الجماعات بل تفتري على الله كذبا ليقنعوا الناس بفكرهم الديني. فمبدؤهم الذي يؤمنون به هو أن "الغاية تبرر الوسيلة" حتى لو كانت الوسيلة هي استخدام أحاديث موضوعة وكاذبة مثل حديث "الحجاب" لتحقيق أهدافهم في إخضاع عقول الناس لهم ولفكرهم.

أما الأمر الثالث فهو "التنطُّع" وهو يعني التشدد في أمور لا تحتاج إلى التشدد وكما جاء في حديث "ألا هلك المتنطعون" (وكررها ثلاثاً).

و"تنطُّع" الجماعات الإسلامي تجلى عندي في إصرارهم الشديد على محو هويتي تماماً فبعد أن كنت مثل باقي الناس في مصر نقول "ألو" في التليفون "وسعيدا" للسلام على الناس ونقول "برجالاتك" في سبوع المولود أو المولودة، أصروا وبشدة على إلغاء هذه الأشياء واستبدالها بأمور لم يذكرها القرآن ولو لمرة واحدة.

فإستبدلوا كلمة "ألو" في التليفون و"سعيدا" بـ"السلام عليكم" بنبرة غالباً ما تكون مملؤة بالشدة والغلظة واستبدلوا "سبوع" المولود بعادة جاهلية كانت موجودة قبل الإسلام تسمى "العقيقة" بما فيها من تحقير للأنثى حيث أنها تكون شاتان (خروفان) عن الغلام، وشاة واحدة عن الأنثى!

وهو أمر يتفق تماما مع الفكر الجاهلي بتحقير الأنثى والذي ذكره القرآن في الآية الكريمة "وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ" * "يَتَوَارَىٰ مِنَ اٱلْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱالتُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ" (سورة النحل آية 58-59). 

ويأتي العامل الرابع بعد ذلك وهو "إماتة الضمير البشري" فعند هذه الجماعات فإن فعل شيء يتناقض مع ضمير الإنسان هو شيء مقبول طالما أنه كما يقولون "حلال". فالزواج من ثانية وضرب الزوجة والرجم حتى الموت هو أمر لابد أن أقبله حتى لو خالف ضميري ونفسي لأنه ببساطة "حلال".

ويذكرني هذا بقول الله تعالى "وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ" وذلك حتى يستخدم الإنسان ضميره في الحكم على الأشياء كما قال القرآن: "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا".

فضمير الإنسان الطبيعي يعلم أن الزواج من امرأة ثانية هو ظلم للزوجة الأولى وأن ضرب المرأة شيء بشع لا ينبغي قبوله وأن الرجم أمر همجي لم يذكره القرآن إلا كفعل يفعله المجرمون مثل ما تم ذكره في قصة إبراهيم: "قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا"، ومثل قصة نوح: "قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ اٱلْمَرْجُومِينَ"، ومثل ما قاله أهل الكهف عن قومهم: "إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا"، ومثل ما قاله سيدنا موسى عليه السلام عمن يريدون قتله: "وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ". 

أما العامل الخامس وراء تركي للجماعة الإسلامية المصرية هو تقديسهم وحبهم للرسول أكثر من حبهم لله ذاته. فهم لا يسبحون اسم الله الأعلى إذا ذُكِر أمامهم ولكنهم ينتفضون لإلقاء السلام على الرسول إن تم ذكره بالرغم من أن الذي قال "صلوا عليه وسلموا تسليما" هو أيضاً الذي قال "سبح  اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى"! فلماذا يطبقون آية ويهملون أخرى؟  

وكان هذا الأمر هاماً بالنسبة لي، خاصة بعد أن قال القرآن الكريم مايلي: "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّه" (سورة البقرة).

وكانت العوامل المذكورة أعلاه هي العوامل الرئيسية في اتخاذي قراري بترك المتطرفين مثل الجماعة الإسلامية ورفض من على شاكلتها من الجماعات الإسلامية المتطرفة!

وللحديث بقية!

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.