الكاتب: "كلما زاد حضور الدين وسيطرته على مختلف مناحي الحياة، تراجعت الحريات"- صورة تعبيرية
الكاتب: "كلما زاد حضور الدين وسيطرته على مختلف مناحي الحياة، تراجعت الحريات"- صورة تعبيرية

قلة قليلة من الذين تصدوا لسؤال "لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم" توقفوا عند الصلة الوثيقة ما بين هيمنة الدين في مجتمع ما وبين غياب مظاهر الحضارة في هذا المجتمع.  

الواقع أن لدينا هنا علاقة طردية بامتياز، إذ كلما زاد حضور الدين في المجال العام وسيطرته على مختلف مناحي الحياة، تراجعت الحريات والثقافة والاهتمام بالعلوم والتمدن والحضارة.

وهذا الأمر له في الماضي وكذلك الحاضر شواهد، والكثير مما يمكن أن يشار به وإليه. وحال المجتمعات العربية اليوم هو أحد هذه الشواهد. بل أنه حتى في التاريخ العربي الإسلامي، كانت مظاهر الحضارة والعلوم تنتعش بمقدار ضعف سيطرة الدين على هذه المجتمعات، وتقل تلك المظاهر حتى تنعدم مع تزايد سطوة الدين ورجال الدين.

ولا غرابة في أن العصور التي أصبحت فيها للمذاهب الدينية السيطرة الفولاذية على المجتمعات هي ذات العصور التي يؤرخ لها بوصفها بداية عصور الظلام الإسلامية.     

بالطبع، الدين هو جزء من الحياة، ومن غير المتوقع أن يختفي الدين أو أشكال التدين المختلفة في أي وقت قريب، لكن المشكلة هي حين يصبح الدين ناظما وحاكما للحياة في هذه المجتمعات وليس مجرد طريق سريع فيها.

لماذا؟

لأن الدين بوصفه منظومة من الاعتقادات الإيمانية، ميدانه المُطلقات، فالله مطلق والغيب مطلق والرسالة مطلقة والإيمان مطلق.. إلخ. وهذه المطلقات تتناقض بالضرورة مع إدارة الحياة البشرية التي تنحو بكل ما فيها نحو النسبية. 

والنسبية هنا ليست وجهة نظر، ولكنها المبدأ الأساسي في العلوم والثقافة والفكر والسياسة وفي جميع مجالات الحياة.

الواقع أن ما يجعل الحياة ممكنة بالنسبة للملايين، بل والمليارات من البشر هي أنها نسبية. أي أن ما يصلح لشخص ما قد لا يصلح لشخص آخر.

لكن المشكلة مع الدين تبدأ حين يسيطر على المجال العام، فهو مطلق وأتباع الدين يفكرون بنفس الطريقة، فهم يتخيلون أنفسهم يقفون على جبل من المطلقات ويطلبون من جميع البشر أن يصعدوا إليهم، فإن لم يفعلوا فليتبوؤا مقاعدهم من النار ولهم عذاب عظيم.

وهذا العذاب لا يقتصر على الآخرة، التي لا أحد يعرف على وجه الدقة متى دخلت إلى المعجم البشري كمصطلح لأول مرة، ولكنه يطال الحاضر حيث يتم بالفعل حرق المخالفين أو الذين يوصمون بالهرطقة، كما حدث للطالبة النيجيرية، ديبورا صموئيل، (12 مايو 2022) التي قتلت بطريقة بشعة ثم أحرقت جثتها لأنها قالت كلاما فُهم منه أن به إساءة لنبي الإسلام. أو ما يحدث للمسيحيين في باكستان مثلا مما تشيب له الرؤوس.

هناك من يحاول أن يلطف الأمور بالقول إن أتباع الدين، وفي حالتنا المسلمين، قد تغيروا بفعل الظروف وأصبحوا أكثر تقبلا للآخر. ولكن في هذا الكلام مبالغات كثيرة.

الواقع هو أنك ما دمت تؤمن بدين مطلق وشامل وواجب السيادة، من المستبعد أن تكون متسامحا والأبعد أن تكون على توافق أو تصالح مع الحضارة الحديثة. 

كذلك من الأوهام الشائعة أن الحديث في التراث الإسلامي ونقده أو على الأقل نقد الجوانب اللاعقلانية فيه وهي كثيرة، هو بمثابة عمل زائد لا تقتضيه ظروف المرحلة التي نعيشها، أو أن فيه تهديد للسلم الأهلي، كما قد يبدو للبعض.

الحقيقة هي أن المجتمعات المسلمة لن يتسنى لها أن تخرج من تحت الركام إلى مستوى سطح الحضارة الحديثة ناهيك عن الوقوف على أرضها من دون التعامل النقدي مع ذلك التراث.

فالانشغال بالسياسة والمعارضات والتحركات والاضطرابات لن ينقلنا إلى أي مكان، ما دام ذلك التراث يحكم سيطرته على العقول والقلوب.

فهؤلاء الذي يتراكضون في الشوارع، هم ذاتهم الذين يتكومون على أنفسهم وينصتون إلى بعض خطباء الجمعة وهم يتفوهون ببعض (أو كثير) مما تمجّه العقول الطبيعية وتأنف منه الفطرة السليمة من أحاديث تنضح بالكراهية والدعوات السيئة ضد المخالفين في العقيدة أو المختلفين في الرأي. 

ترى ما الذي يجعل هؤلاء لا ينصرفون من المسجد أو يحتجون على ذلك أو يشعِرون الخطيب بأن ما يقوله لا ينسجم مع الإسلام الصحيح أو مع القيم الحديثة؟ لماذا يرددون خلفه كل ما يقوله؟ وهؤلاء أنفسهم هم أيضا الذين تقودهم الدعاية الصفراء للإسلام السياسي فيهيجون ويميجون لدى أدنى إشارة بوجود إساءة لهذا الرمز الديني أو ذاك. 

في الأحوال العادية ولو جلسنا مع كل فرد من هؤلاء لربما أظهر شيئا من العقلانية ولربما أظهر رغبة في الحديث والنقاش والتفهم، لكنه وتحت تأثير الشعارات والخطب والدعوات المنبثة من التلفزيونات والمنابر التحريضية، يشعر بوجود إلحاح بأن عليه أن يتحرك لفعل شيء ما، وهذا الشيء في الغالب يكون فعلا عنيفا، إما لسحق شخص مخالف أو تقريعه أو التضييق عليه، وأضعف الإيمان هو كتابة الشتائم والبذاءات في وسائل التواصل الاجتماعي!

ترى ما الذي يحوّل هؤلاء الناس من أشخاص طبيعيين وعاديين إلى ماكينات تنتج الكراهية والعنف والتحرش بكافة أشكاله؟ إنه التراث الديني.

والأمر الواضح أنه حيثما يسود رجل الدين والتراث الديني تدخل المجتمعات في مرحلة الانحطاط والتدهور وتميل أخلاق الناس نحو الغلظة والعنف والاعتداء الجنسي أو ما يعرف بالتحرش.

هل نحتاج إلى أدلة على ذلك؟ لا أعتقد.

وللحديث بقية.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي
في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي

في اللحظة التي تستعر فيها الأزمات الاقتصادية، يميل المرء إلى "استمزاج" آراء "الاختصاصيّين" و"يستسيغ" التقنيات التي يقدّمونها عن "مكافحة الفساد" ووقف الهدر، وعن "الحوكمة السليمة" و"الشفافية" وعن "تكبير كعكة الاقتصاد" و"جذب الاستثمارات".

وفي ظلّ هذه الوصفات الجاهزة التي يمكن العثور عليها في التقارير والخلاصات الصادرة عن المؤسسات الدولية والإقليمية المختصة، يتراءى للمتابعين أنّ المشكلة تقنية وسلوكيّة وبالتالي بمجرّد أن يتجرّع المرضى الأدوية "المسبقة الوصف" يتعافون.

ولكن يغيب عن بال الكثيرين، بفعل الضخ الإعلامي للحلول المعلّبة، أنّ مشاكل الدول ليست واحدة، إذ إنّها قئات متنوّعة، وعليه فما يصح على فئة منها لا يصح بالضرورة على فئة ثانية أو ثالثة أو رابعة، إذ إنّ الفساد في العالم الثالث، عمومًا، ليس مسألة أخلاقيّة بل مسألة بنيويّة، ويتوسّله الطغاة، على سبيل المثال لا الحصر، من أجل ضمان تأييد أصحاب المصالح والقوى المؤثّرة في المجتمع، وتفتيت الفئات الأكثر صلابة، ولذلك كما يكون الولاء تكون الثروة!

وبناء عليه، فإنّ قراءة المأساة التي تعصف بلبنان مستحيلة إذا ما اعتمدت قواميس "الخبراء الاقتصاديّين" و"يساريّي الهوى" و"يمينيّي الشعارات" والإرشادات "العلنيّة" الصادرة عن "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي"، لأنّ سقوط لبنان في الجحيم لم تتسبّب به الأخطاء والخطايا الماليّة والإقتصاديّة، على أهميّتها، بل النهج السياسي، إذ إنّ أخطر إنذارات "الارتطام الكبير" بدأت تظهر في العام 2017، بعد إشارات أثارت قلقًا فرضت نفسها، بدءًا من العام 2011، في حين أنّ الفساد والهدر والزبائنيّة والمحاصصة وغيرها من العبارات المماثلة، قديمة جدًّا وراسخة.

في العام 2011، بدأ "حزب الله" استعداداته التمهيديّة للدخول العسكري  إلى  سوريا دعمًا لنظامها، في الوقت الذي كانت فيه المساعي المبذولة قد بدأت تنجح في الكبح التدريجي لدعم الثوّار السوريّين، بشريًّا ولوجستيًّا، وفي العام 2017، سجّل لبنان نفسه رسميًّا في خانة دول "محور الممانعة"، وتدخّل في حرب اليمن، وامتنع عن إدانة ما تتعرّض له الدول الخليجية من عدوان بقيادة إيران، وحوّل نفسه الى مقر إعلامي لوسائل إعلام منسوبة الى "المعارضة الخليجية"، وفتح معابر التهريب على مصراعيها أمام تجارة المخدرات والكبتاغون.

ولقد بدا واضحًا أنّ "حزب الله" كان قد أخذ قرارًا نهائيًّا بتغيير طبيعة لبنان الاقتصادية والماليّة، حتى يصبح دولة "تتلاءم مع وجود المقاومة"، وفق تعبير خاص برئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمّد رعد.

وقد أنتج هذا النهج الذي قاده "حزب الله" بالتحالف مع "التيّار الوطني الحر" بعدما كان الحزب قد أوصله الى رئاسة الجمهوريّة، تدهورًا تاريخيًّا في علاقات لبنان العربيّة والخليجية وأضعف ثقة المستثمرين به فبدأوا يهجرون لبنان ومعهم هربت تباعًا، أموال كبار المودعين.

وبما أن "الشيء بالشيء يذكر"، فإنّ الدول التي تدور في فلك "محور الممانعة" تعاني كلّها، بدرجات متفاوتة، من الأمراض المالية والاقتصادية والحياتية نفسها، على الرغم من تفاوت قدراتها وثرواتها.

وفي هذا السياق، لا توجد دولة أكثر قدرة على التعبير عمّا وصلت إليه أحوال لبنان سوى إيران نفسها التي يرى مرشدها علي خامنئي في لبنان "عمقًا استراتيجيًّا" لجمهوريته الإسلامية.

في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي، في وقت يتناقل فيه "خبراء النظام" وخبراء "حزب الله" الكلام نفسه عن الحلول التقنية المرجوّة.

الطرفان يحمّلان المسؤوليّة إلى الحكام السابقين وإلى "الجشعين" و"المضاربين" و"التجار" و"المعارضين" وإلى "الحصار الأميركي" الذي طالما أعلنا انتصاراتهما عليه وعلى إجراءاته وتدابيره وقراراته.

والطرفان أقدما في السنوات الأخيرة على الأفعال نفسها، فأوصلا "الموثوقين منهما" إلى أعلى المناصب، واتخذا قرارات أدّت الى عزل دولتيهما، في وقت كانا لا يتوقفان عن وعد الناس بـ"جنّة عدن".

وقد قفز الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، على الرغم من أنّه ليس "شيخ طريقة" في صناعة الدول المزدهرة، فوق شعارات المتشدّدين ووصفاتهم "الفارغة" وذهب مباشرة الى صلب الموضوع، إذ قال وفق ما نقلت عنه صحيفة "آرمان ملي" في عددها الصادر أمس، أنّه "لو كانت هناك نيّة على إحداث تحوّل في الأزمة الاقتصادية في إيران فيجب ، بادئ ذي بدء، إحياء الاتفاق النووي، لأنه من دون إحياء الاتفاق النووي ورفع العقوبات وتحسين العلاقة مع العالم،  لا يمكننا أن نتوقع حلّ المشاكل الاقتصادية (...) يتصوّر البعض، أنه ومن خلال التعامل مع العالم، قد نشهد وجود مندسين من الخارج، لكن في الحقيقة، فإن العزلة هي التي توجد المندسين".

وهذا يعني أنّ الخروج من الجحيم يستدعي تغييرًا في نهج التعاطي مع الداخل والخارج في آن!

وعليه، فإنّ لبنان إذا لم يتمكّن من تحرير نفسه من التبعيّة لإيران ورفع قبضة "حزب الله" عن الدولة، فهو لن يتمكن من رؤية أيّ ضوء في نهاية النفق في العام 2023، لأنّ المشكلة ليست محصورة في الأشخاص، مهما كانوا فاسدين أو سيّئين، بل هي، بادئ ذي بدء، في بنية الدولة ودورها وموقعها.

 ومن يزرع الريح يحصد العواصف!ّ