البرلمان العراقي
ما يزال العراق بدون حكومة منتخبة جديدة ولا رئيس جمهورية رغم مرور أكثر من نصف عام على الانتخابات.

في المقال السابق ركزتُ على كُره الطبقة السياسية لِلدولة، واستكمال الموضوع يستوجب تتبع خارطةَ الفوضى والخراب التي أسستها منظومةُ الحكم وقوى السلطة والنفوذ. والخراب في العراق لم يعد يقتصر على مجالٍ محدَد مِن مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة، بل أصبح نظاماً بنيوياً يحكم كلَّ مجالات النظام السياسي والدولة والمجتمع! 

ولا يمكن أن نتخيّل أنَّ اِستلاب الدولة مِن قبل مافيات سياسية وقوى اللادولة قد يترك لنا مجالاً محدداً مِن دون أن يصاب بِعَدوى الفوضى والخراب. فمَن لا يؤمن بالدولةِ يسعى جاهداً لِتخريب كلّ ملامحها في تفاصيل الحياة اليومية. والطبقةُ السياسية الحاكمة لم تفشل فقط في "تحقيق مقبولية اجتماعية" و"شرعنة عملها السياسي بالمنجز" الذي تقدّمه لِلمواطن ويتلمّسه في المجال العام، وإنّما فشلت حتّى في استغلال موارد الدولة وقوّة السلاح في أن تُجبر المجتمع على تقبّلها. فيوماً بعد آخر تزداد الفجوةُ بينها وبين الجمهور. والحقيقة، التي لا تريد الاعتراف بها، أنَّ الزبائن المرتبطين بمصالح نفعيّة معها باتوا أقل تمسكاً بها، ولعلَّ خارطة الأوزان الانتخابية في انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول خير دليل على ذلك.  

وربما يكون العمل على إلغاء الدولة وتفاصيلها، مفهوماً على اعتبار أنَّ القطيعة الفكرية والثقافية بين مفهوم الدولة وبين أحزاب السلطة وزعاماتها واضحاً وصريحاً سواء على مستوى الخطاب السياسي أو المواقف السياسية؛ فمَن يبرر لِشرعية السلاح المنفلت تحت عناوين مختلفة، ومَن يطالب بضمان حق المكوّن وهو بيدهِ الحكم ويسيطر على القرار السياسي، قطعاً لا يعرف معنى الدولة باعتبارها المؤسسة العليا التي تُعبّر عن كيان الأمّة المتعالي عن التناقضات الاجتماعية والتي تصهر جماعات وتنوّعها وتقوم بوظيفة حماية المجتمع وتحقيق طموحاته.  

لكنّ الموضوع الذي بات يحتاج إلى إعادة ترتيب في أولياتنا لِقراءة الأزمة السياسية في العراق، هو الحكومة كونها ماسكة لِلثروة والقدرة، فإن كلّ شيء يدور في فلكها ويبدأ من عندها، فإذا اعتلت تدهورت الأمور، وإن صحَّت تعافت بالتبعية. بيد أنّها أصبحت مِن دون لون وطعم ورائحة، وتساوى وجودها وعدم وجودها! وبدلاً من أن تتحدّث بالخطط والاستراتيجيات ورسم وتنفيذ السياسات العامة، بات خطابها تكرار لخطاب التذمّر والتشكي الذي يتحدَّث عنه المواطن!  

ولكي تدرك مأساة العراقيين، تخيّل أنَّ المواطن يعيش تحت ظلّ حكومةٍ رئيس وزرائها يصرّح لِوسائل الإعلام بأنَّ "وظيفته تحوّلت إلى تعقيب المعاملات"! وإنَّ وزير الداخلية، الذي توعّد في أوّل أيام استلامه المنصب بقطع يد كلّ فاسد وعابث بأمنِ المواطن، يصرّح بأنّه "مكتوف الأيدي" وليس مِن صلاحيته تحريك حاجز أمني أو فوج قتالي واحد مِن دون اللجوء إلى قيادات عمليات بغداد وأخذ موافقة قائدها! ووزير التربية الذي يهتم بنقل تحايا وسلام شيوخ العشائر لِرئيس حكومته، فشل في الحفاظ على سرية أسئلة الامتحانات الوزارية!  

تخيّل أنّك تعيش في "دولة" حكومتها لا تعير اهتماماً لحوادث وأحداث لو حصلت في بلدٍ يحترم مواطنيه لقدّمت استقالتها فوراً، أو على أقل التقادير يقدّم الوزير المسؤول عن الحادثة استقالته. لذلك لم تتوقف الحكومةُ كثيراً أمام تقرير البنك الدولي الذي كشف فيه أنَّ ما يقارب 90% مِن تلاميذ العراق لا يفهمون ما يقرأون، وأنَّ اضطراب الأوضاع قاد إلى نظام تعليميّ عاجز.  

ووزير المالية الذي صدع رؤوسنا بورقةِ الحكومة البيضاء للإصلاح الاقتصادي، لحدّ الآن لا يريد الاعتراف بأنَّ لا ورقته البيضاء ولا الصفراء ولا الحمراء كان لها أن تنجح في تأمين رواتب الموظفين لولا ارتفاع أسعار النفط! وإنَّ ورقته عجزت عن إيقاف الهدر والفساد في مزاد بيع العملة، وعن معالجة مشكلة البطالة.  

وفي كلّ حكومة تُعاد مهزلة الوزارات التي تُدار مِن دون وزير، بعد استقالة وزرائها! وكأنّما موضوع الوزير هو موضوع هامشي أو حلقة زائدة في إدارة المؤسسة. وقد تكون هذه هي الحقيقة التي أثبتتها السنوات الماضية، فالتضخم في عدد الوزارات ليس لحاجةٍ فرضتها سياسة إدارة الدولة، وإنّما هو سياسة لترضية الأحزاب والشخصيات بعد تشكيل الحكومة. وربما يتم استحداث وزارة لمجاملة شخصيات سياسية قريبة مِن رئيس الوزراء! ففي العراق نبحث عن منصب لِلسياسي وليس مهماً أن يكون حاجة الدولة لهذا المنصب، ولا حتّى كفاءته وخبرته في الإدارة. 

ورغم كلّ التقارير والمؤشرات التي تثبت تورط الحكومات السابقة في ملفات فساد وهدر بالمال العام وسوء إدارة، ناهيك عن عجزها عن حماية أرواح العراقيين، إلا أن المحاسبة لا تزال غائبة تماماً. لا بل باتت عُرفاً سياسياً تتفق عليه الحكومات بالالتزام بعدم ملاحقة الفاسدين ومَن تورط بدماء الأبرياء.  

وبسبب فشل الحكومات هانت مطالب المواطن العراقي، ولم يعد يطالب بمعجزةٍ اقتصادية أو مشاريع تنمية، بل باتت تنحصر في الحفاظ على أرواحهم مِن عصابات الخطف والاغتيال، ويحلم بطرق معبَّدة بصورةٍ صحيحة، ومؤسسات صحيّة تعطيه أملاً بالحياة بدلاً عن الرغبة بالموت، وبدلاً عن الرقود في المستشفيات، ومدراس لِلتعليم وليس بنايات خربه تحوّلت وظيفتها من إعداد أجيال متعلّمة إلى تجهيل المجتمع وتنمية تخلّفه. 

وستبقى معضلتنا مع الحكومات الفاشلة مستمرة، وسبب رئيس في البقاء ضمن دوامة فشل الدولة، ما دامت الطبقةُ السياسية تصرّ على اختيار حكومات تقودها شخصيات ديكورية لا تملك رؤيةً ولا شجاعة في اتخاذ القرار في الأوقات الحاسمة والأزمات. وما دامت الحكومة تنال شرعيتها مِن قبول ورضا الزعامات السياسية فستبقى أسيرة لمزاجها السياسي، وتسعى إلى تلبية مطالبها كونها ضامنة لبقائها في الحكومة. لذلك ليس من المتوقع أن تنتج هذه المنظومةُ حكومةً قويةً غايتها الاستجابة لمطالب الجمهور والنهوض بوظائفها الرئيسة، حتّى وإن تغيرت معادلة تقاسم السلطة بين الفرقاء السياسيين.  

لكنّ الأمل يبقى مرهوناً في الانقلاب على المنظومة الحاكمة مِن قبل حكومةٍ تعمل على تحقيق الاندماج مع جمهورها وليس تجاهله؛ ومِن ثمَّ، ربما تنقلب على الشرعية الموهومة التي تمنحها زعامات الأحزاب السياسية، وتعمل على التأسيس لِشرعيةٍ تربطها مع الجمهور مِن خلال تقديم المنجَز الاقتصادي والخدَمي. 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.