البرلمان العراقي الحلبوسي
صورة أرشيفية لإحدى جلسات مجلس النواب العراقي

بعدما تم الدوس على كل عناصر الديمقراطية في العراق، يستمر الجهل الدستوري المعزز بجهل المحكمة العليا، والذي كان آخره السماح لمجلس النوّاب بالتشريع حتى بدون انتخاب رئيس جمهورية أو اختيار رئيس للحكومة. ومثل في العراق، كذلك في لبنان، بدا الجهل بأصول الديمقراطية والدبلوماسية فاقعا حتى بين النخبة التغييرية التي دخلت مجلس النواب منتصف الشهر الماضي.

في برلمانات العالم دورتي انعقاد، واحدة انتخابية وثانية تشريعية. الدورة الانتخابية هي التي تتضمن قسم اليمين وانتخاب الرئيس ونوابه ورؤساء اللجان وأعضائها، فضلا عن انتخاب رئيس الجمهورية، أو اختيار الحكومة بحسب طبيعة النظام. 

لكن في العراق، نجح النظام الإيراني، عن طريق موالين له، بتحويل الغالبية المطلوبة للحكم، أي نصف زائد واحد، إلى غالبية الثلثين المطلوبة عادة لشؤون أساسية مثل تعديل الدستور أو النظام الداخلي، وهو ما جعل من المتعذر على البرلمان العراقي الانعقاد بغالبية بسيطة لانتخاب رئيس جمهورية واختيار رئيس حكومة، وهو ما صار يعني فعليا أن الحكم في العراق يتطلب غالبية ثلثين بدلا من غالبية النصف، وهو ما يجافي مبدأ الديموقراطية بأكمله.

ثم بعدما خرّبت طهران والمحكمة العراقية أبسط متطلبات الديمقراطية المبنية على حكم الغالبية البسيطة، أمعنت الأحزاب العراقية على أنواعها في عملية تدمير الديمقراطية بالسماح بانعقاد البرلمان للتشريع حتى بدون انتخاب رئيس جمهورية. ولا يجوز التشريع في فترة انعقاد الانتخاب، ولكن الأحزاب العراقية لا تهتم، فمضت بالتشريع في غياب سلطة تنفيذية، أي في ظل رئيس جمهورية منتهية ولايته وحكومة تصريف أعمال محظور عليها عقد اجتماعات. 

ولأن التشريعات تتطلب توقيع السلطة التنفيذية، أي رئيس الجمهورية، صارت القوانين الصادرة عن البرلمان العراقي في الأسابيع الأخيرة قوانين تنتظر توقيع رئيس منتهية ولايته، ولكن لا يبدو أن ذلك أثنى العراقيين عن التشريع في فترة الانعقاد الانتخابية أو في غياب رئيس أصيل.

أما مضمون التشريعات التي أصدرها مجلس النواب العراقي، فكارثة أكبر من تجاوز أصول الانعقاد وتشكيل الدولة. أول التشريعات كان "قانون تجريم التطبيع مع إسرائيل"، وهو قانون يهدد بالسجن المؤبد أو الإعدام كل عراقي يروج "للصهيونية أو الماسونية"، أو يتواصل مع إسرائيليين، عبر وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي. هذا يعني أن أي عراقي يكتب مقالة في جريدة يدعو فيها لسلام بين العراق وإسرائيل يعرّض نفسه لخطر الاعدام. أما الماسونية، فإضافتها الى الصهيونية تظهر مدى الضحالة المعرفية والفكرية لدى المشرعين العراقيين. 

كما أن القانون العراقي ضد إسرائيل يعرّض حياة ملايين العراقيين، ومنهم مواطنون أميركيون، من مغبة التواصل مع أوروبيين أو أميركيين من أصحاب الجنسية الإسرائيلية، ويهدد الشركات الدولية العاملة في العراق من احتمال مصادرة أصولها وطردها في حال كانت لها أعمال في إسرائيل، وهو ما يعني مثلا أن كل شركات السيارات العالمية التي تبيع سياراتها في إسرائيل لن تعود قادرة على بيع سياراتها في العراق.

ولم يكتف المشرعون العراقيون بتدمير أصول الديمقراطية وتقديم تشريعات فاشلة، بل تناقل الإعلام العراقي تقارير مفادها أنه في ظل استحالة انتخاب رئيس جمهورية وتشكيل حكومة جديدة، تسعى القوى العراقية في البرلمان إلى التمديد لحكومة تصريف الأعمال لمدة عام أو عامين تشرف فيها على إقامة انتخابات مبكرة. 
بغض النظر عن هرطقة "التمديد للحكومة"، تبدو السذاجة جلية في اعتقاد أن الانتخابات المبكرة ستؤدي إلى قيام غالبية الثلثين حتى تحكم. المشكلة في العراق هي أن المحكمة العليا عطّلت الديمقراطية بشكل دائم، بعد قولها أن الغالبية للحكم تتطلب نصاب الثلثين بدلا من النصف زائد واحد.

لبنان، الأعرق في العمل البرلماني، بدا كالعراق في انعدام الثقافة المطلوبة للديمقراطية إذ قامت نائبة في البرلمان بمطالبة رئيسه بتشريع قانون يفرض على الحكومة أن حدود لبنان البحرية مع إسرائيل هي الخط 29. لحسن الحظ، بدا رئيس البرلمان نبيه بري محنكا في العمل البرلماني ورد بالقول إن البرلمان لا يمكنه التشريع قبل اتمام إعادة تشكيل نفسه.

أما النقاش حول حدود لبنان البحرية مع إسرائيل فعكس ضحالة لبنانية تضاهي العراقية، إذ برزت طائفة بقيادة "كتلة النواب التغييريين"، تنادي بتعديل مرسوم لبناني ينص على أن حدود لبنان البحرية مع إسرائيل هي الخط 29، وكأن المشكلة هي داخلية لبنان، وحلّها يتطلب مراسيم أو قوانين. 

لبنان في حالة نزاع حدودي مع جارتيه إسرائيل وسوريا، وهو ما دفع بمجلس الأمن في الأمم المتحدة الى إصدار القرار 1680 لفرض ترسيم الحدود بين لبنان سوريا، وبعده القرار 1701 الذي يفرض ترسيم الحدود مع إسرائيل كذلك. ولأن الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل متنازع عليها، ولأن الحدود البحرية مبنية إلى حد بعيد على تحديد النقطة التي تلتقي فيها اليابسة بالمياه، ولأن هذه النقطة غير متفق عليها، أصبح ترسيم حدود لبنان البرية مع إسرائيل كمقدمة لتحديد الخط البحري بينهما، متعذرا.

مسألة ترسيم حدود لبنان مع إسرائيل يتطلب موافقة إسرائيل والاعتراف الدولي بالاتفاق، أو الذهاب إلى تحكيم دولي إن تعذر الاتفاق ثنائيا، ويعمد كل من الطرفين إلى تقديم كل الحجج المتوفرة لديه أمام التحكيم لإثبات ملكيته للأجزاء المتنازع عليها. كيف يؤثر مرسوم لبناني في موضوع دولي؟

هؤلاء اللبنانيون والعراقيون، لا يأبهون كثيرا للأصول الدستورية والدبلوماسية بقدر هوسهم بالشعبوية والصراخ والمزايدة وإثارة العواطف، وهذا أسلوب للأسف يشمل الحكام ومعارضيهم، وهو الأسلوب الذي يبقي لبنان والعراق، ودول عربية كثيرة، في دوامة الانهيار المتواصل بلا نهاية.

هذه المقالة لا تروّج للطغيان كبديل للديمقراطية، ولكنها تسعى إلى تذكير العراقيين واللبنانيين أن قيام الديموقراطية يتطلب: انتشار ثقافة الديمقراطية بين الناس أولا. كيف السبيل إلى ذلك؟ 

"لو كان الجهل رجلا لقتلته"، بالاستعارة من الإمام علي بن أبي طالب وتعديل مقولته عن الفقر.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  
"هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  "

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف.