FILE PHOTO: A poster of Iraqi Shi'ite cleric Moqtada al-Sadr in the Sadr City district of Baghdad
""منذ فترة والصدر يرفع منسوب المواجهة مع طهران. استثمر في هذه المواجهة إلى أقصى الحدود

في وجه من رمى مقتدى الصدر استقالة كتلته النيابية؟ الهوية المعلنة لمن استهدفته الاستقالة هو الإطار التنسيقي الذي يضم تحالف الفصائل المسلحة مع نوري المالكي والاتحاد الوطني الكردستاني. هذا التحالف بجميع مكوناته قريب من إيران. أقربهم إليها هم الفصائل المسلحة، أو بالتعبير العراقي الفصائل الولائية، يليهم قرباً تكتل نوري المالكي، أو كما تسمي نفسها "تكتل دولة القانون"، ثم يأتي بعدها الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي ورثه أبناء جلال طالباني عنه، وتنازعوا عليه مع ابن عمهم لاهور، إلى أن آلت الزعامة أو ما تبقى منها إليهم.

السيد رمى الاستقالة إذاً في وجه طهران. فهي كانت تريد حكومة "وحدة وطنية" في أعقاب الانتخابات النيابية (على غرار رغبة جماعتها في لبنان، في أعقاب الانتخابات أيضاً، بحكومة محاصصة وطنية)، في وقت يريد هو حكومة غالبية نيابية.

الدلالات العراقية لخطوة الصدر تأخذنا إلى أن الرجل ابتعد خطوة إضافية عن طهران، بعد أن باشر خطوات مشابهة منذ سنوات. وهو اختار شعاراً لمسعاه شديد الدلالة على هذا الصعيد، يفيد بأنه لا يريد شركاء في الحكومة مرتبطين بأطراف غير عراقية. وعبارة "أطراف غير عراقية" لا تصيب إلا إيران طبعاً، لا سيما بعد أن انكفأ الأميركيون، وأشاحت الأنظمة العربية بوجهها عن العراق وعن أهله في أعقاب تصدر الشيعة فيه.

مقتدى الصدر أكثر من يجيد إدارة التوتر مع الإيرانيين، يرفعه بمنسوب نحسب أنه ذروة القطيعة، ثم يعود ويخفض هذا المنسوب تبعاً لحسابات أخرى. فهو يدرك أنهم لا يقطعون معه "شعرة معاوية"، ويدرك من ناحية أخرى أن التشيع العراقي لا تربطه علاقة ود مع نظيره الإيراني. والسيد يتحرك في هذه المساحة، فيذهب أحياناً في المواجهة إلى أقصى ضفتها، وأحياناً يستريح في وسطها فيمضي إجازات طويلة في قم وبين حوزاتها، أو في بيروت حيث للعائلة الصدرية موئلاً، وهو فيها لن يكون بعيداً عن أنظار "حزب الله".

منذ فترة والصدر يرفع منسوب المواجهة مع طهران. استثمر في هذه المواجهة في الانتخابات النيابية إلى أقصى الحدود، وهو ما أثمر أكبر كتلة نيابية في البرلمان العراقي. وبعد الانتخابات تحالف مع خصم طهران الأول في العراق، أي الحزب الديموقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، وكان أول من أدان قصف الحرس الثوري الإيراني لمدينة أربيل. وعندما باشرت جيوش طهران الإلكترونية وحشودها العسكرية حفلة تخوين وتشكيك ذهب بتأييد مشروع قانون تجريم التطبيع مع إسرائيل إلى أقصاه. كان ذلك جزءاً من رقصة تعلمها الصدر في صروح الحوزات التي تنقل فيها بين قم والنجف.

في التشيع العراقي ما يتيح ابتعاداً عن طهران غير متوفر في التشيع اللبناني. مقتدى استثمر في هذه الإمكانية، وطهران بدورها أكثر استيعاباً للاختلافات في مضامين التشيعين، وأكثر تقبلاً له من احتمال ابتعاد شيعة لبنانيين عنها. حين ابتعد العلامة اللبناني الراحل محمد حسين فضل الله عن ولاية الفقيه، شُنت عليه حملات في بيئة حزب الله. ليس لهذا الفعل نظير عراقي، لا بل أن المرجعية النجفية غير الملتحقة بولاية الفقيه لها نفوذ بين المؤمنين داخل إيران.

مقتدى الصدر هو أكثر من يمثل هذه الحساسية، وبالإضافة إليها يمثل أيضاً إرث والده الذي مد نفوذاً في أوساط العشائر الجنوبية وأفخاذها المتوطنة في محيط بغداد وعلى رأسه مدينة الصدر، وهو ورث أيضاً شيعة البعث. هذا النفوذ الواسع هو ما مكن الصدريين من الفوز في كل الانتخابات التشريعية على نحو تصاعدي، وهو إذا ما أضفنا إليه صدور مقتدى عن عائلة دينية تضرب بنفوذها في بؤر التشيع العراقي والإيراني واللبناني، فسنكون حيال زعامة لن يكون سهلاً على طهران الاصطدام معها.

اليوم قرر الصدر نقل مواجهته مع حلفاء طهران في بغداد إلى مستوى مختلف. يريد حكومة غالبية نيابية، أي أنه لا يريدهم في الحكومة. طهران غالباً ما تلتف على هزائمها الانتخابية عبر "موديل" حكومة الوحدة الوطنية، وهي وحدة تمكنها من النفاذ إلى القرارات الحكومية الرئيسة عبر ألعاب الثلث المعطل وما شابهها.

الصدر بعد فوزه بالانتخابات يريد الجمل بما حمل، وهذا ما لن تقبل به طهران، وفي نفس الوقت هي لا تستطيع افتعال صدام مباشر مع مقتدى ومع ما يمثله. اذاً العراق أمام استعصاء جديد. الانتخابات المبكرة قد لا تنتج مشهداً مغايراً. علينا إذاً أن ننتظر تنازلاً، لكن قد يطول انتظارنا.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي
في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي

في اللحظة التي تستعر فيها الأزمات الاقتصادية، يميل المرء إلى "استمزاج" آراء "الاختصاصيّين" و"يستسيغ" التقنيات التي يقدّمونها عن "مكافحة الفساد" ووقف الهدر، وعن "الحوكمة السليمة" و"الشفافية" وعن "تكبير كعكة الاقتصاد" و"جذب الاستثمارات".

وفي ظلّ هذه الوصفات الجاهزة التي يمكن العثور عليها في التقارير والخلاصات الصادرة عن المؤسسات الدولية والإقليمية المختصة، يتراءى للمتابعين أنّ المشكلة تقنية وسلوكيّة وبالتالي بمجرّد أن يتجرّع المرضى الأدوية "المسبقة الوصف" يتعافون.

ولكن يغيب عن بال الكثيرين، بفعل الضخ الإعلامي للحلول المعلّبة، أنّ مشاكل الدول ليست واحدة، إذ إنّها قئات متنوّعة، وعليه فما يصح على فئة منها لا يصح بالضرورة على فئة ثانية أو ثالثة أو رابعة، إذ إنّ الفساد في العالم الثالث، عمومًا، ليس مسألة أخلاقيّة بل مسألة بنيويّة، ويتوسّله الطغاة، على سبيل المثال لا الحصر، من أجل ضمان تأييد أصحاب المصالح والقوى المؤثّرة في المجتمع، وتفتيت الفئات الأكثر صلابة، ولذلك كما يكون الولاء تكون الثروة!

وبناء عليه، فإنّ قراءة المأساة التي تعصف بلبنان مستحيلة إذا ما اعتمدت قواميس "الخبراء الاقتصاديّين" و"يساريّي الهوى" و"يمينيّي الشعارات" والإرشادات "العلنيّة" الصادرة عن "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي"، لأنّ سقوط لبنان في الجحيم لم تتسبّب به الأخطاء والخطايا الماليّة والإقتصاديّة، على أهميّتها، بل النهج السياسي، إذ إنّ أخطر إنذارات "الارتطام الكبير" بدأت تظهر في العام 2017، بعد إشارات أثارت قلقًا فرضت نفسها، بدءًا من العام 2011، في حين أنّ الفساد والهدر والزبائنيّة والمحاصصة وغيرها من العبارات المماثلة، قديمة جدًّا وراسخة.

في العام 2011، بدأ "حزب الله" استعداداته التمهيديّة للدخول العسكري  إلى  سوريا دعمًا لنظامها، في الوقت الذي كانت فيه المساعي المبذولة قد بدأت تنجح في الكبح التدريجي لدعم الثوّار السوريّين، بشريًّا ولوجستيًّا، وفي العام 2017، سجّل لبنان نفسه رسميًّا في خانة دول "محور الممانعة"، وتدخّل في حرب اليمن، وامتنع عن إدانة ما تتعرّض له الدول الخليجية من عدوان بقيادة إيران، وحوّل نفسه الى مقر إعلامي لوسائل إعلام منسوبة الى "المعارضة الخليجية"، وفتح معابر التهريب على مصراعيها أمام تجارة المخدرات والكبتاغون.

ولقد بدا واضحًا أنّ "حزب الله" كان قد أخذ قرارًا نهائيًّا بتغيير طبيعة لبنان الاقتصادية والماليّة، حتى يصبح دولة "تتلاءم مع وجود المقاومة"، وفق تعبير خاص برئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمّد رعد.

وقد أنتج هذا النهج الذي قاده "حزب الله" بالتحالف مع "التيّار الوطني الحر" بعدما كان الحزب قد أوصله الى رئاسة الجمهوريّة، تدهورًا تاريخيًّا في علاقات لبنان العربيّة والخليجية وأضعف ثقة المستثمرين به فبدأوا يهجرون لبنان ومعهم هربت تباعًا، أموال كبار المودعين.

وبما أن "الشيء بالشيء يذكر"، فإنّ الدول التي تدور في فلك "محور الممانعة" تعاني كلّها، بدرجات متفاوتة، من الأمراض المالية والاقتصادية والحياتية نفسها، على الرغم من تفاوت قدراتها وثرواتها.

وفي هذا السياق، لا توجد دولة أكثر قدرة على التعبير عمّا وصلت إليه أحوال لبنان سوى إيران نفسها التي يرى مرشدها علي خامنئي في لبنان "عمقًا استراتيجيًّا" لجمهوريته الإسلامية.

في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي، في وقت يتناقل فيه "خبراء النظام" وخبراء "حزب الله" الكلام نفسه عن الحلول التقنية المرجوّة.

الطرفان يحمّلان المسؤوليّة إلى الحكام السابقين وإلى "الجشعين" و"المضاربين" و"التجار" و"المعارضين" وإلى "الحصار الأميركي" الذي طالما أعلنا انتصاراتهما عليه وعلى إجراءاته وتدابيره وقراراته.

والطرفان أقدما في السنوات الأخيرة على الأفعال نفسها، فأوصلا "الموثوقين منهما" إلى أعلى المناصب، واتخذا قرارات أدّت الى عزل دولتيهما، في وقت كانا لا يتوقفان عن وعد الناس بـ"جنّة عدن".

وقد قفز الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، على الرغم من أنّه ليس "شيخ طريقة" في صناعة الدول المزدهرة، فوق شعارات المتشدّدين ووصفاتهم "الفارغة" وذهب مباشرة الى صلب الموضوع، إذ قال وفق ما نقلت عنه صحيفة "آرمان ملي" في عددها الصادر أمس، أنّه "لو كانت هناك نيّة على إحداث تحوّل في الأزمة الاقتصادية في إيران فيجب ، بادئ ذي بدء، إحياء الاتفاق النووي، لأنه من دون إحياء الاتفاق النووي ورفع العقوبات وتحسين العلاقة مع العالم،  لا يمكننا أن نتوقع حلّ المشاكل الاقتصادية (...) يتصوّر البعض، أنه ومن خلال التعامل مع العالم، قد نشهد وجود مندسين من الخارج، لكن في الحقيقة، فإن العزلة هي التي توجد المندسين".

وهذا يعني أنّ الخروج من الجحيم يستدعي تغييرًا في نهج التعاطي مع الداخل والخارج في آن!

وعليه، فإنّ لبنان إذا لم يتمكّن من تحرير نفسه من التبعيّة لإيران ورفع قبضة "حزب الله" عن الدولة، فهو لن يتمكن من رؤية أيّ ضوء في نهاية النفق في العام 2023، لأنّ المشكلة ليست محصورة في الأشخاص، مهما كانوا فاسدين أو سيّئين، بل هي، بادئ ذي بدء، في بنية الدولة ودورها وموقعها.

 ومن يزرع الريح يحصد العواصف!ّ