U.S. President Joe Biden signs into law the Ocean Shipping Reform Act of 2022
الرئيس الأميركي جو بايدن- من أرشيف رويترز

زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن الأولى إلى الشرق الأوسط، التي ستشمل إسرائيل والسعودية منتصف الشهر المقبل، تؤسس لصفحة جديدة بين الإدارة الأميركية ودول الخليج، سينعكس نطاقها على الصعيدين الدفاعي والاقتصادي.

الإعلان عن الزيارة بعد أشهر من الجدل، جاء بتنسيق متلازم بين الرياض وواشنطن وأهم معطيات التصريحات كانت هذه:

أولا، بايدن يتراجع حتى لو لم يقر بذلك البيت الأبيض، ويزور السعودية حصرا كأول دولة عربية يتوجه إليها بعد أن كان قد قال أنه سيجعل قيادتها "منبوذة" خلال الحملة. التراجع هو أيضا في لقائه المرتقب بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وبالتالي التسليم والاعتراف الضمني بأنه في سلم القيادة وقد يصل العرش لعقود طويلة.

ثانيا، زيارة إسرائيل والتوجه منها إلى السعودية فيه احتضان لما قام به دونالد ترامب في 2017، كأول رئيس يسافر إلى إسرائيل من الأجواء السعودية يومها.

ثالثا، زيارة بايدن الأراضي الفلسطينية تعيد الساعة الأميركية إلى ما قبل ترامب، و تعطي السلطة الفلسطينية مجالا للتنفس سياسيا وماديا بعد أعوام من العزلة الأميركية والعقوبات.

رابعا، القمة الافتراضية التي سيعقدها بايدن مع قيادات إسرائيل، الإمارات العربية المتحدة والهند ترسخ الشراكة "الرباعية" بين هؤلاء، وفي تحالف جديد من نوعه يؤسس لتعاون تكنولوجي وكمحور شرقي-غربي استراتيجي في وجه الصعود الصيني في آسيا والمنطقة. 

خامسا، حضور بايدن القمة الخليجية + 3، أي مصر والعراق والأردن، تعكس التصور الأميركي رغم التحديات على أرض الواقع خصوصا في بغداد لمكون يشبه حلف الشمال الأطلسي مستقبلا بمشاركة هذه الدول، أي ناتو عربي. وفي أي مبادرات تقوم بها واشنطن في القمة، ستبني على تعزيز التعاون مع هذه الدول.

سياسيا، زيارة بايدن ترسم تحولا واقعيا في استراتيجية البيت الأبيض بتصحيح العلاقة مع السعودية والإمارات والرضوخ لعوامل اقتصادية وجيوسياسية أدت إلى هذا التحول. فمن حرب روسيا في أوكرانيا، إلى أسعار النفط، إلى توغل الصين في الخليج، وواقع الاقتصاد العالمي بعد الوباء، اضطر البيت الأبيض للانعطاف ووضع جانبا الشعارات الانتخابية التي رفعها بايدن حول حقوق الإنسان ومصالحة الرياض وأبوظبي. 

فكرة زيارة بايدن وعرابيها هما مستشار الأمن القومي جيك سوليفان ومنسق الشرق الأوسط برت ماكغورك. وكليهما التقى ولي العهد السعودي أكثر من 4 مرات منذ وصول بايدن السلطة. سوليفان الذي يأخذ استشاراته من هنري كيسنجر، يرى الساحة العالمية كرقعة شطرنج، وفيها حاجة أميركية للخليج للتفوق على الصين. 

من هنا زيارة بايدن ستحاول إعادة رص "عقيدة كارتر" مع السعودية، والتي قدمت ضمانات أمنية طوال وبعد الحرب الباردة مقابل استقرار سوق النفط وشراكة مستديمة. هذه العقيدة تلاشت في عهد باراك أوباما، وبعدها مع دونالد ترامب حين تم استهداف منشآت نفطية سعودية في 2019 ولم يتم الرد. 

هناك حديث عن ضمانات أمنية سيقدمها بايدن للسعودية وتعاون اقتصادي مكثف خصوصا في الحد من تداعيات حرب أوكرانيا، كما وصلت المفاوضات بين واشنطن وأبوظبي إلى مرحلة متقدمة حول اتفاق دفاعي.

هذا كله يجري فيما الجمود يحيط الملف الإيراني والذي يبدو مكلفا جدا للإدارة نظرا لحجم التنازلات التي تريدها إيران. فالمفاوضات لم تنته وإنما هناك شعور أميركي بأن تجميدها في هذه المرحلة والتركيز على ملفات ثمارها ناضجة هو المسار الأفضل.

بايدن في السعودية هو تنازل رئاسي من البيت الأبيض إنما ضروري لإعادة بلورة العلاقة الاستراتيجية، وترتيب قطع الشطرنج حول ضمان المصالح الدفاعية والنفطية بين الجانبين. 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي
في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي

في اللحظة التي تستعر فيها الأزمات الاقتصادية، يميل المرء إلى "استمزاج" آراء "الاختصاصيّين" و"يستسيغ" التقنيات التي يقدّمونها عن "مكافحة الفساد" ووقف الهدر، وعن "الحوكمة السليمة" و"الشفافية" وعن "تكبير كعكة الاقتصاد" و"جذب الاستثمارات".

وفي ظلّ هذه الوصفات الجاهزة التي يمكن العثور عليها في التقارير والخلاصات الصادرة عن المؤسسات الدولية والإقليمية المختصة، يتراءى للمتابعين أنّ المشكلة تقنية وسلوكيّة وبالتالي بمجرّد أن يتجرّع المرضى الأدوية "المسبقة الوصف" يتعافون.

ولكن يغيب عن بال الكثيرين، بفعل الضخ الإعلامي للحلول المعلّبة، أنّ مشاكل الدول ليست واحدة، إذ إنّها قئات متنوّعة، وعليه فما يصح على فئة منها لا يصح بالضرورة على فئة ثانية أو ثالثة أو رابعة، إذ إنّ الفساد في العالم الثالث، عمومًا، ليس مسألة أخلاقيّة بل مسألة بنيويّة، ويتوسّله الطغاة، على سبيل المثال لا الحصر، من أجل ضمان تأييد أصحاب المصالح والقوى المؤثّرة في المجتمع، وتفتيت الفئات الأكثر صلابة، ولذلك كما يكون الولاء تكون الثروة!

وبناء عليه، فإنّ قراءة المأساة التي تعصف بلبنان مستحيلة إذا ما اعتمدت قواميس "الخبراء الاقتصاديّين" و"يساريّي الهوى" و"يمينيّي الشعارات" والإرشادات "العلنيّة" الصادرة عن "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي"، لأنّ سقوط لبنان في الجحيم لم تتسبّب به الأخطاء والخطايا الماليّة والإقتصاديّة، على أهميّتها، بل النهج السياسي، إذ إنّ أخطر إنذارات "الارتطام الكبير" بدأت تظهر في العام 2017، بعد إشارات أثارت قلقًا فرضت نفسها، بدءًا من العام 2011، في حين أنّ الفساد والهدر والزبائنيّة والمحاصصة وغيرها من العبارات المماثلة، قديمة جدًّا وراسخة.

في العام 2011، بدأ "حزب الله" استعداداته التمهيديّة للدخول العسكري  إلى  سوريا دعمًا لنظامها، في الوقت الذي كانت فيه المساعي المبذولة قد بدأت تنجح في الكبح التدريجي لدعم الثوّار السوريّين، بشريًّا ولوجستيًّا، وفي العام 2017، سجّل لبنان نفسه رسميًّا في خانة دول "محور الممانعة"، وتدخّل في حرب اليمن، وامتنع عن إدانة ما تتعرّض له الدول الخليجية من عدوان بقيادة إيران، وحوّل نفسه الى مقر إعلامي لوسائل إعلام منسوبة الى "المعارضة الخليجية"، وفتح معابر التهريب على مصراعيها أمام تجارة المخدرات والكبتاغون.

ولقد بدا واضحًا أنّ "حزب الله" كان قد أخذ قرارًا نهائيًّا بتغيير طبيعة لبنان الاقتصادية والماليّة، حتى يصبح دولة "تتلاءم مع وجود المقاومة"، وفق تعبير خاص برئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمّد رعد.

وقد أنتج هذا النهج الذي قاده "حزب الله" بالتحالف مع "التيّار الوطني الحر" بعدما كان الحزب قد أوصله الى رئاسة الجمهوريّة، تدهورًا تاريخيًّا في علاقات لبنان العربيّة والخليجية وأضعف ثقة المستثمرين به فبدأوا يهجرون لبنان ومعهم هربت تباعًا، أموال كبار المودعين.

وبما أن "الشيء بالشيء يذكر"، فإنّ الدول التي تدور في فلك "محور الممانعة" تعاني كلّها، بدرجات متفاوتة، من الأمراض المالية والاقتصادية والحياتية نفسها، على الرغم من تفاوت قدراتها وثرواتها.

وفي هذا السياق، لا توجد دولة أكثر قدرة على التعبير عمّا وصلت إليه أحوال لبنان سوى إيران نفسها التي يرى مرشدها علي خامنئي في لبنان "عمقًا استراتيجيًّا" لجمهوريته الإسلامية.

في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي، في وقت يتناقل فيه "خبراء النظام" وخبراء "حزب الله" الكلام نفسه عن الحلول التقنية المرجوّة.

الطرفان يحمّلان المسؤوليّة إلى الحكام السابقين وإلى "الجشعين" و"المضاربين" و"التجار" و"المعارضين" وإلى "الحصار الأميركي" الذي طالما أعلنا انتصاراتهما عليه وعلى إجراءاته وتدابيره وقراراته.

والطرفان أقدما في السنوات الأخيرة على الأفعال نفسها، فأوصلا "الموثوقين منهما" إلى أعلى المناصب، واتخذا قرارات أدّت الى عزل دولتيهما، في وقت كانا لا يتوقفان عن وعد الناس بـ"جنّة عدن".

وقد قفز الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، على الرغم من أنّه ليس "شيخ طريقة" في صناعة الدول المزدهرة، فوق شعارات المتشدّدين ووصفاتهم "الفارغة" وذهب مباشرة الى صلب الموضوع، إذ قال وفق ما نقلت عنه صحيفة "آرمان ملي" في عددها الصادر أمس، أنّه "لو كانت هناك نيّة على إحداث تحوّل في الأزمة الاقتصادية في إيران فيجب ، بادئ ذي بدء، إحياء الاتفاق النووي، لأنه من دون إحياء الاتفاق النووي ورفع العقوبات وتحسين العلاقة مع العالم،  لا يمكننا أن نتوقع حلّ المشاكل الاقتصادية (...) يتصوّر البعض، أنه ومن خلال التعامل مع العالم، قد نشهد وجود مندسين من الخارج، لكن في الحقيقة، فإن العزلة هي التي توجد المندسين".

وهذا يعني أنّ الخروج من الجحيم يستدعي تغييرًا في نهج التعاطي مع الداخل والخارج في آن!

وعليه، فإنّ لبنان إذا لم يتمكّن من تحرير نفسه من التبعيّة لإيران ورفع قبضة "حزب الله" عن الدولة، فهو لن يتمكن من رؤية أيّ ضوء في نهاية النفق في العام 2023، لأنّ المشكلة ليست محصورة في الأشخاص، مهما كانوا فاسدين أو سيّئين، بل هي، بادئ ذي بدء، في بنية الدولة ودورها وموقعها.

 ومن يزرع الريح يحصد العواصف!ّ