المسؤولية على الجميع، ناقدين للدين، بل خارجون عنه جهارا ومعلنون لادينيتهم وإلحادهم
المسؤولية على الجميع، ناقدين للدين، بل خارجون عنه جهارا ومعلنون لادينيتهم وإلحادهم- تعبيرية

القرن التاسع عشر، بالإضافة إلى أنه شهد الانتقال بمفاهيم الحداثة وطروحات "الأنوار" من النظرية المترددة إلى بعض التطبيق، كان أيضاً زمن نشأة السرديات الناطقة باسم الجماعة وأحوالها، سواء كانت هذه الجماعة وطنية أو قومية، أو طبقية وأممية وإنسانية. منطلقات هذه السرديات تختلف، بل هي، في ترسيمها لحدود الجماعة وهويتها، غالبا ما تنافست لاستنساب شعب من شعوب التاريخ بما يتوافق مع الحاجات الآنية.

الغاليون مثلا، والذين أصبحوا أجداد الفرنسيين بامتياز، لم يكونوا كذلك قبل الحاجة الفرنسية إلى بعض المسافة إزاء الفرنك (أو الإفرنج) والذين يتشاطر الفرنسيون الاعتزاز بأمجادهم مع الألمان، أعداء المرحلة.

مع استكمال المسافة الزمنية التي تسمح بقدر من اتساع الرؤية، يتبين أن هذه السرديات كافة، على اختلاف تفاصيلها، وصولا إلى هذا القرن، تكتسب صفة الحداثة من خلال التزامها بتركيبة روائية واحدة. لم تبتكرها بالكامل، غير أنها شذّبتها وأخرجت منها العوامل الغيبية.

بعد استكمال حد الجماعة وهويتها وماهيتها، تقوم هذه التركيبة على خمسة مقومات إضافية. المقوّم الأول هو تحديد "العصر الذهبي"، أي المرحلة التاريخية الماضية التي كانت فيها الأمور على ما يرام. قد تكون هذه المرحلة بعيدة جدا، كما هي في القراءة الشيوعية التي وضعتها في مشاعية مفترضة للإنسان الأول قبل ألفيات طويلة، أو قد تكون قبل عقود قليلة، كما في السردية الجمهورية الفرنسية في زمن عودة الملكية.

المقوّم الثاني، وهو أيضاً مرحلة زمنية، هو "السقوط" من العصر الذهبي إلى الظلام والانحطاط، أو غير ذلك من أوصاف الأزمنة الرديئة، وهو سقوط يبقى في الوعي المشترك لأنه لا يزال محسوسا وحيّاً إما في الواقع القائم أو في الذاكرة القريبة.

المقوّم الثالث هو "الشرير" المسؤول عن هذا السقوط، وهو في السرديات الحداثية حسّي، لا غيبي، أي أن التشخيص الذي يرى أسباب السقوط في عقوبة إلهية لضياع التقوى وتفشي الخطيئة وإهمال الوصايا والفرائض أو في غواية شيطانية، لم يعد ساريا، بل السردية تحدّد جهة دنيوية واضحة وصريحة وتحملّها المسؤولية. هي الطبقة المحتكرة هنا وهي العدو القومي هناك، وهي الأوساط الرجعية أو المأجورة هنالك، بل هي هذه الشعوب الخاملة الغبية بالنسبة لعتاة النخبويين.

المقوّم الرابع، وهو المرحلة الزمنية الثالثة، الآنية والحاضرة، هو "النهوض" الذي يطوي صفحة السقوط. هو النهضة، هو البعث، هو الصحوة، هو الانتفاض بعد الركود، وهو الجهاد والكفاح والنضال بعد القعود.

أما المقوّم الخامس، فهو "البطل" الذي من شأنه أن يحقق النهوض ويهزم الشرير، وينتقل بالجماعة من السقوط إلى ما يحاكي العصر الذهبي الأول. هو القائد أو الرئيس أو الأمير الشاب، أو ربما الطليعة والحزب والمثقفون "التنويريون" أو الطائفة المنصورة.

ربما أن هذه التركيبة الملازمة للفكر التاريخي الحداثي هي شرط للحداثة، إذ هي التي تمنح التاريخ معنى في الإطار الحداثي. دونها قد يظهر التاريخ على أنه مجرد سرد لحوادث تتوالى، لا سردية تجعله قابلاً لأن يفهم.

هذه السرديات البطولية، أي الواعدة بعودة إلى ما يضاهي العصر الذهبي متفائلة ضمنا، إذ تعتمد رؤية للتاريخ تسير به دوما إلى التقدم والأمام. أحد المفكرين في الغرب قبل بضعة عقود تحدّث عن نهاية للتاريخ انطلاقا من قناعة لديه بأن الإنسانية شارفت على إظهار مبتغى التاريخ. هو أعاد النظر، ولكن بعض التواقين إلى صحّة هذه الرؤية لا يزال إلى اليوم يشير إلى حاجة ماسة لمجاراة التقدم المتحقّق اليوم في الغرب، ويدعو إلى الإصلاح الديني لإتمام ذلك.

يمكن الإشارة إلى سرديتين للتاريخ في الموروث الفكري الإسلامي. أولها قائمة لا على ارتقاء وتقدم متواصلين، بل على انحدار من قمّة زمن النبوة، على الأقل لثلاثة أجيال (بناء على حديث "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم")، وصولا إلى الملاحم والفتن وعصر الظهور ثم انقضاء التاريخ مع حدوث الساعة.

على أن معظم المؤرخين الإسلاميين قد تحفظوا عن تطبيق هذه السردية في تأريخهم، وانتهجوا ما يمكن اعتباره "لا سردية"، بل ذكر للوقائع. قليل منهم ربط وإن نادرا بين الفضيلة الإنسانية والنعمة الإلهية، أي التقوى والرحمة، غير أنهم على الغالب تجنبوا المسألة واكتفوا بالإخبار والأخبار.

إلا ابن خلدون. فهذا المفكّر الفريد قدّم قراءة مختلفة لآلية التاريخ، "حداثية" إلى حد ما قبل الحداثة، في استثنائها للغيب وتغليبها لجدلية بين عمران يتقدم وعصبية تتراجع لتقوم الدول وتتداول، على أنه في حين أن السرديات الحداثية تفترض حتمية التقدم، وفي حين أن "سردية" النعمة الإلهية تنفيها، فإن قراءة ابن خلدون تتيح التقدم دون أن تفرضه (ودون أن تقرنه بالغيب).

"سردية النعمة الإلهية"، والتسمية هنا اختزالية استقرائية، لا تزال حاضرة في بعض الأوساط المسلمة، الفصيحة والعامية، على أن الغلبة في الفكر الإسلامي، على تباعد أشكال ظهوره، هي لسردية لم تكن له قبل أن يعتنق الحداثة من حيث يدري ومن حيث لا يدري، أي السردية الحداثية القائمة على المقومات التي تشكلت في القرن التاسع عشر.

بل إن التوجهات في المحيط العربي والإسلامي كافة، السلفيين والوسطيين والمنفتحين والمتزمتين والقوميين واليساريين والتنويريين والعلمانيين والملحدين، متفقون في غالبيتهم العظمى على شكل سردياتهم ومقوّماتها وإن اختلفوا بالتأكيد على تحديد كل منها.

قد لا يطيب للتنويريين الإقرار بأن ظلامييهم، أي الإسلاميين، هم أقرانهم بالحداثة. ولا يطيب للإسلاميين حتما وسمهم بالحداثيين، وجلّهم من السلفيين أي نقيض الحداثة باسمهم. ولكن هؤلاء وأولئك على وحدة حال رغم اختلاف الملابس.

بالنسبة للإسلاميين الرحبين، الجماعة هي الأمة بكاملها، و"العصر الذهبي" هو مجمل التاريخ الإسلامي من النبوة إلى إلغاء الخلافة، فالسقوط هو مسألة قرن وحسب، والشرير هو الغرب، أو ربما الاستعمار والرجعية والصهيونية، فالنهوض هو بالصحوة أو حتى بالجهاد، والأبطال هم شيوخ الأمة وإخوانها ومجاهديها. بالنسبة للإسلاميين الضيقين، السقوط كان مع ظهور البدع بعد قرون الخير أي أنه طال واستطال، والجماعة هم القابضون على الجمر، على أن التمكين قادم. وكذلك بالنسبة للآخرين، قوميين ويساريين وتقدميين.

ولا يخرج التنويريون، بالإجمال، عن هذه القاعدة.

قدّم الزميل الكريم الدكتور عماد بوظو في مقاله المنشور الأسبوع الماضي على هذا الموقع عرضا وافيا لظاهرة استفادة أصحاب الفكر الناقد للقراءة الدينية السائدة من موقع "يوتيوب" تحديدا، على اختلاف توجهاتهم الفكرية والعقائدية. وجاء على ذكر عدد منهم، من الباحث الجامعي حامد عبد الصمد، في نقده ونقضه الصريح للإسلام تاريخا وعقيدة وممارسة، مروراً بمحمد المسيح، الأقل حدة في بيانه والجاهد في تفكيك الأصول النصية للإسلام، وبالأخ رشيد العابر إلى المسيحية والمندفع في انتقاده لكافة أوجه الموروث الديني والاجتماعي والفكري الإسلامي، ثم رشيد أيلال من المغرب، وسعيد شعيب من مصر، وعلي البخيتي من اليمن، كنماذج من المفكرين الذين لا يذعنون للمسلّمات، بل يعمدون إلى استنطاقها ومساءلتها، وصولاً إلى تفنيدها وتجديد الحكم بشأنها، رداً، على الغالب، أو قبولاً، وإن نادراً وبعد تعديل.

مقال الدكتور بوظو، كالمعتاد، جلي في أفكاره، دقيق في بياناته، واضح في أهدافه. وهدفه الأول هنا إلقاء الضوء على هذه المجموعة الشجاعة، فكريا واجتماعيا، وربما إلى ما يتعدى ذلك للأسف من الجوانب الأمنية.

على أن الدكتور بوظو يضع عرضه في سياق شكل صريح من أشكال السردية الحداثية التنويرية. الجماعة هي هذه الشعوب والدول ذات الخلفيات الإسلامية المتنوعة. "العصر الذهبي" هو الفرصة التي أتيحت لها للارتقاء في النصف الأول وأزيد من القرن الماضي من خلال أقدار من التماهي مع التجربة الغربية "السقوط" كان في التعتيم والتجهيل ما اعترض إمكانية التقدّم. "الشرير" هم مدّعو الدين من المتزمتين ربما الضالين إنما بالتأكيد المضلِلين. والنهوض يتحقق مع كسر احتكار الفضاء الإعلامي والحاصل مع الواقع الجديد للتواصل المعلوماتي، ومن "الأبطال" المثقفون التنويريون الذين يجاهرون بالنقد والتنوير ويحكّمون الموروث بالعقل.

ثمة أفكار، قد لا يكون الدكتور بوظو أرادها، ولكنها مستتبعات خطية للسردية التي يعتمدها، وهي أفكار تستحق النظر والاعتبار والمناقشة. الفكرة الأولى هي أن واقع منصات التواصل الاجتماعي الجديد يشكل انتقالة نوعية في توفّر الفكر النقدي. الفكرة الثانية هي أن هذا الفكر، بتوجهاته العقلانية، سائر نحو تحقيق مكاسب واسعة في صفوف الجمهور العريض. والفكرة الثالثة هي أن الحصيلة هي تعددية محمودة ومطلوبة وهي بالتالي أهل للتشجيع.

ما لابد التشديد عليه عند مناقشة هذه الأفكار (وهي مجددا ليست طروحات الدكتور بوظو، إنما مستتبعات من مقاله)، هو المبدأ الثابت لديّ أن الأصل في حرية التعبير هي أنها مطلقة ومصانة وجديرة بالدفاع عنها مهما كان مضمونها، أي أنه إذا كان ثمة اعتراض على مضمون ما، فإن العبء هو على المعترِض بأن يجد السبيل لدرء الضرر المفترض دون الانتقاص حق القائل بقوله. فلا يجوز أن يؤخذ ما يلي على أنه دعوة لاعتراض أي رأي.

بشأن الفكرة الأولى، مع توفر المنصات الجديدة، يشهد الفكر النقدي للدين انتقالة بالفعل، ولكنها بالكم لا بالنوع. فالاعتراض على الفكر الديني السائد، من داخل الدين ومن خارجه، لازم الإسلام، كما كل الأديان، منذ نشأته، والنجاح في رفع الصوت بهذا الاعتراض تفاوت بين مرحلة وأخرى. ما هو متاح اليوم لعامة المشاهدين والقرّاء لم يكن متوفراً في المراحل الماضية على المستوى نفسه من السهولة، ولكنه لم يكن غائباً. إذن هي اليوم وفرة بعد شحّة في المراحل الماضية. ولكن في المقابل، فإن المادة المعارضة للنقد الديني قد شهدت بدورها مضاعفة في التوفر والانتشار، يضاهي ما نالته المادة الناقدة، بل يتجاوزها. والطفرة في هذه المادة المعارضة لا تتوقف عند الدفاع عن السائد الديني، بل تفيض باتجاه مضاعفة استتباب الأفكار المتشددة في الوعي العام.

فإن الساعات العديدة من المواد التي تفنّد سلوكيات الإسلام في أزمنته المختلفة وعقائده في مواضيعها المتعددة، والتي أنجزها الأخ رشيد مثلاً، لها في التأصيلات التحصينية، بل التعميقية، والتي يواصل نشرها الشيخ عبدالله رشدي، على سبيل الذكر لا الحصر، ما يحاكيها من حيث الانتشار والمشاهدات. وعبدالله رشدي أزهري ووسطي في تعريفه الذاتي، ولكن خطاب الدعوة لديه هو باتجاه المزيد من الالتزام بالفرائض والسنن. فالتجاذب في هذه الحالة بين الشك والتديّن لا يبدو أنه لصالح الأول.

وإذا كان حامد عبد الصمد ومحمد المسّيح قد تمكنا من طرح الأسئلة المحرجة للبعض حول المرحلة التأسيسية للإسلام، فإن جمهورا أوسع يتابع كل من إياد قنيبي وهيثم طلعت في تشكيكهما المتواصل بالنظريات العلمية المعتمدة في سعي إلى تأصيل الإيمان الإسلامي. هنا أيضا، تأثير منصات التواصل لا يسير حتماً بالاتجاه الذي يتمناه التنويريون.

وفي حين أن رشيد أيلال وسعيد شعيب وغيرهما يطرحان المواضيع الناقدة بأسلوب يراد له أن يلتزم بالعقلانية، فإن معاذ عليان ومحمود داود يجايرانهم بالأسلوب ويتفوقان عليهم بأعداد المشاهدات.

في هذه الحالات والعديد غيرها، الفكر الناقد قد حقق ارتفاعا بالانتشار فعلاً على أن الفكر المعارض له قد ضاعف حضوره كذلك. ولا يبدو أن أحد الصفيّن قد حقق اختراقاً قطعياً إلا من وجهة نظر من يهمل اعتبار ما جرى في الصف الآخر.

أما فيما يتعلق بالفكرة الثانية، أي أن الفكر الناقد يدعو إلى تغليب العقل، فما يمكن تبيّنه للأسف، فيما يطال كافة المشار إليهم أعلاه، من الناقدين ومن الذين يعارضونهم، وبالإجمال مجددا، أن المتابع ليس أمام عرض علمي عقلي منطقي محكم تتواجه فيه النظريات ليجري تمحيصها والرسو على الأفضل منها، وإن جاء الزعم خلاف ذلك، بل هو، بما يقارب كامل الدوام، أمام مقارعة سجالية ينتقي فيه المتكلم ما يتوافق مع قناعاته على حساب ما يعارضها، وإن كان صادقاً في اعتقاده أنه لا يفعل.

المؤسف هنا هو أن الكثير من المواضيع المطروحة من الصفين، على أهميتها الأكيدة لمن يطرحها، كانت خارج الوعي العام، فيأتي السجال ليثقل عاتق المشاهد ومجتمعه بها.

والفريق الناقد، كما الوسط المعارض له، يتسلح كلاميا بالأدوات المنطقية الحاسمة على أنها على الغالب حاسمة فقط لأن ما يعارضها مهمل.

فالساحة الفكرية العربية لا تشهد اليوم "تنويرا" باتجاه تغليب العقل، ولا "تأصيلا" يكشف عن توافق العقل والنقل، بل فيض من البرامج تستهلكها فئات مختلفة من المتابعين.

الفئة الأولى، وهي الأوسع على الراجح، هي الراسية على قناعة والتي يطيب لها تأييد قناعاتها، من باب الاطمئنان حينا والترفيه أحياناً. الفئة الثانية هي المعادية للطرح، والتي تتابعه لإشباعه طعنا وشتائم في التعليقات، من باب الذبّ عن القناعة حيناً، والترفيه، مجدداً، أحيانا. والفئة الثالثة، وهي موجودة وإن كانت هامشية، هي القابلة لأن تنتقل من قناعة إلى أخرى، من باب التفكر والاعتبار حينا، ومن باب الترفيه كذلك والعبث أحيانا. بعض من هم من هذه الفئة يرسون على القناعة الجديدة، والبعض الآخر ينتقلون منها إلى غيرها. أحد الذين ذكرهم الدكتور بوظو في مقاله من الذين عاشوا هذه التجربة تكراراً.

هل الحصيلة هي بالتالي تعددية فكرية مستحبة؟ الجواب هو للأسف لا، بل يشهد المحيط العربي تقوقعا، أو حتى تقوقعات فكرية، تنشط الدورة السجالية في كل منها إلى تثبيت قناعة أننا "نحن على حق يقيني ومن يخالفنا على باطل يقيني"، ليصبح السؤال عمّا يبقي الآخرين على باطلهم، هل هو الجهل؟ أم هل هو الشرّ؟ فيلحق ذلك إدراجهم في خانة الشرير والعدو.

ليس المحيط العربي وحده من يعاني من الانفصام والتقوقع، بل هي حالة تتكرر بفعل تأثير غير محسوب لوسائل التواصل الجديدة. ولكن مجتمعات هذا المحيط أقل قدرة وأوهن بنى لمواجهة هذه المحاذير.

ربما أن الأوان قد آن للتحلي ببعض التواضع واللياقة في التفاعل مع الآخرين. في صف الناقدين للدين، كما في صف المعارضين لهم، لا بد من السؤال عمّا إذا كانت الأقوال والطروحات الاستفزازية تهدف فعلاً إلى الدعوة والهدي والتوعية والإصلاح والتنوير، أو إذا ما كانت من باب المناكفة والتشفي المتخفي.

بل ربما حان الوقت لمساءلة الصيغة القيامية البطولية للسردية التاريخية الحداثية والتي خدمت معظم القضايا والدول لقرن ونيّف. ففي هذا القرن الواحد والعشرين، مع توالي الإرهاب القاصم للعولمة، والجائحة المستنزفة للاقتصاد العالمي، ثم الحرب المهددة للأمن الغذائي في العديد من المناطق والدول، وربما ما قد يكون أسوأ من هذا كله، لا يبدو العالم سائراً نحو نعيم من التقدم والازدهار تبرر الانتصارات والبطوليات لأي جانب.

في موقع ما بين الترفيه الديني والتعبئة المنذرة بخطر قادم، يشهد المحيط العربي تخمة في التحاجج والتناطح والتزاحم حول إيمان الآخرين ومقدساتهم. مع كامل الاحترام والتقدير لمن يمارس حقه الطبيقي بحرية التعبير، ومن يدافع عن كرامته وإيمانه وهويته، ليتكم تعتبرون مما ينسب (زورا على الأرجح، ولكن العبرة باقية) إلى الروم (البيزنطيين). إذ قيل إنه في حين أن الفتوحات الإسلامية كانت على أبواب المدن السورية، كان الخلاف في هذه المدن حول كم من الملائكة قادر على الوقوف معاً على رأس الإبرة، وما هو جنس الملائكة.

المسؤولية على الجميع، ناقدين للدين، بل خارجون عنه جهارا ومعلنون لادينيتهم وإلحادهم، وملتزمين بالدين، بل متمسكون بأولوية الدعوة إليه، أن يتحقق تبين خطورة المرحلة، وسط واقع عالمي ضاعت فيه المرجعية الواحدة، وكثرت فيه التهديدات بمحو الآخرين وإزالتهم. ربما أن الأقرب إلى الصواب اليوم هو تحصين المجتمع إزاء المزيد من أسباب الانهيار والانحلال. ويمكن الفصل في موضوع حنس الملائكة، وغيره من القضايا المصيرية، في وقت لاحق.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  
"هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  "

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف.