على الرغم من علامات التعافي، لا يزال وسط مدينة سنجار مهجورا.

قبل عدة أيام، وبعد ثمانية سنوات كاملة من التغييب، حُررت الفتاة الإيزيدية "بيسان إسماعيل" من قبضة تنظيم "داعش" الإرهابي، وعادت إلى ذويها في "بلدة كوجو" شمال غرب مدينة الموصل. البلدة التي كان تنظيم "داعش" الإرهابي قد مارس فيها إحدى أفظع جرائمه، حيث قتل واختطف الآلاف من الرجال والنساء الإيزيديين من أبناء تلك البلدة، حينما احتلها التنظيم عام 2014.

صحيح، ثمة نهاية "بهيجة" ما، لتجربة، كانت وما تزال، بالغة القسوة. لكنها فعليا لن تكون "نهاية الحقبة والفعلة الداعشية"، قبل طرح ترسانة من الأسئلة، الأكثر عمقا ومباشرة ووضوحا.

أي تلك الأسئلة الساعية لفهم "الهيكل الكلي"، الذي جرت حسبه وضمنه تجربة المُختطفة "بيسان إسماعيل"، وقرابة ثمانية آلاف فتاة إيزيدية أخرى غيرها، حُرر نصفهن، أما الآلاف الباقيات منهن، ما تزلن مجهولات المصير، تشكلن امتدادا مأساويا لتلك التراجيديا. 

أسئلة من مثل: أين عاشت بيسان طوال السنوات الثمانية الماضية!، وهي التي كانت طفلة قاصرة حينما خُطفت. وأية وشائج نفسية واجتماعية وثقافية وروحية وسلطوية كانت تشكل الرابط ونمط العلاقة بين هؤلاء الآلاف من الناس، وبين طفلة كردية/إيزيدية قاصرة، كانت تُستخدم كسبية وأسيرة، يُنظر إليها كعبدة تُباع وتُشترى، ويُمارس بحقها أفعال يندى لها الجبين.

كيف تصرف الآلاف من الرجال والشباب والنساء من الذين شاهدوا وتفاعلوا مع بيسان طوال هذه السنوات!، ولماذا مثلا لم يسعَ أي منهم إلى تحريريها وإعادتها إلى ذويها طوال هذه السنوات!

ماذا كان تعريف الآلاف من الناس هؤلاء لبيسان ونظيراتها!، وتاليا ما هو الموقع الاجتماعي والثقافي والنفسي الذي شغلنه طوال هذه السنوات!، تعريفهن وموقعهن بالنسبة للمجتمع الأعم الذي خضن ضمنه تجربتهن القاسية تلك، وليس بالنسبة للمئات من إرهابي تنظيم داعش فحسب.

من هُم هؤلاء الفاعلون الذين تعاونوا طوال سنوات كثيرة للتجارة والاستعباد والتفظيع ببيسان، وآلاف أخريات من مثلها!. كيف ولماذا فعلوا ذلك، ومن أين ملكوا ذلك الجبروت الوجداني والاجتماعي للانخراط العمومي في فعلتهم تلك. ما هي النصوص الدينية والمرويات الاجتماعية والرؤى الجماعاتية التي سمحت وشرعنت لهم فعلتهم تلك!. وكيف ولماذا لم يرف لهم رمش طوال هذه السنوات، للتراجع أو الندم عن جريمتهم تلك. ما هو المجتمع الذي فرزهم وخلق لهم "رعاية" ما، طوال هذه السنوات!

من هُم هؤلاء الفاعلون، بمعنى ما هي هوياتهم الثقافية ونوعية وعيهم وشكل روابطهم، فيما بينهم، لكن بالذات مع باقي طبقات المجتمع. ومن هُم، بمعنى ما هي الديناميكيات التنظيمية التي خلقت شبكاتهم، روابطهم السياسية والنفسية والإيديولوجيا، التي سمحت لهم بالانخراط في مثل هذه المذبحة الكبرى، وعلى امتداد كل هذه الجغرافيا، ولسنوات!

هذا السؤال العملي الذي يفتح الباب واسعا أمام التساؤل عن مدى تطابقهم وتفاهمهم مع الفضاء الاجتماعي والثقافي الكلي الذي كانوا ضمنه، وما يزالون، ذلك الفضاء الذي دون شك ما ملك ردة فعل مناهضة وواضحة ضد تلك الجريمة العارية. 

تلك الأسئلة، وعشرات أخريات من مثلها وحسب منطقها، لا تُطرح على بنية تنظيم "داعش" الإرهابي فحسب، بل حول وعن الفضاء الاجتماعي والثقافي الأوسع، الممتد من سهوب مدينة الموصل إلى ضفاف نهر الفرات حوالي مدينة الرقة، التي تشكل مثالا ونموذجا عن الكثير من الخصائص الثقافية والهوياتية والاجتماعية والروحية لعموم أبناء منطقتنا.

في جميع هذه الأسئلة، بيسان ليست مجرد فتاة أو تجربة فردية. بل هي الحكاية الكلية للحدث الإيزيدي، الذي عاشته منطقتنا طوال السنوات الماضية، وما تزال.

هذا الحدث الذي عرى شيئا رهيبا من شكل الحياة في عموم منطقتنا، ذلك الشيء الذي حاولت مختلف الإيديولوجيات القومية والدينية، وحتى الفوقية اليسارية، طمره وتغييبه طوال قرن كامل مضى، بخطابات جوفاء حول الوئام والوطنية والأخوة. ذلك الشيء الذي هو بالضبط موقع الأقليات القومية والدينية في الفضاء الكلي لهذه الدول والمجتمعات، وما تتذوقه يوميا من مرارة وندوب وتعنيف وإقصاء، وما تشعر به من دونية ورهبة وقابلية للمحق.

ذلك الشيء الذي يقول إن الفضاء الاجتماعي والبشري الذي عاشت فيه بيسان طوال السنوات الماضية لم يكن مجرد "أقلية شاذة" اسمها "داعش"، كما تحاول المروية الرسمية "المهذبة" أن تنشره وتروج له، بل كان فضاء بشريا واسعا، لسكان ومجتمعات وطبقات وأنواع من الوعي والمرويات والرؤى، التي تتصرف وتعامل وترى الأقليات القومية والدينية حسب مجموعة من المسلمات العقلية والنفسية.

هذا الفضاء البشري، الذي ثمة جسارة كُبرى للقول والحديث والكشف عن الكثير من حقائقه وما يقوم عليه ويفعله من سلوكيات، تاريخا وحاضرا. وحيث أن سرد تلك الأشياء عنه، كما هي، دون مواربة وسعي للتخفيف والتذويق، إنما هو فعل وممارسة محرمة، للكثير من الأسباب، أكثرها سُخفا هو محاولة نيل الكياسة الاجتماعية والهندمة الثقافية.

القول مثلا: إن ذلك الفضاء ما كان متعاطفا مع حكاية بيسان ومثيلاتها، بالرغم من مأساتهن الفظيعة، التي جرت ضمن عالمه الداخلي. إذ لا نكاد أن نعثر على "حكاية بطولية" واحدة، لشخص شهم خلص فتاة إيزيدية من براثن مُختطفيها ومستعبديها، ولم نسمع مثلا من مرويات المُحررات إنهن نلن تعاطفاً ومؤازرة من أبناء ذلك الفضاء البشري. 

الأكثر إثارة للانتباه، هو ذلك التشابه حتى التطابق، بين عمليات سبي الإيزيديات، وما ناظرها من "عمليات التحرير"، حيث كان الوجه المشترك لكلاهما هو المال والتجارة.

فبالضبط كما كان تنظيم "داعش" قد اتخذ السبي أداة وسلعة للمتاجرة والربح، فإن المتعاونين المحليين مع الجيش العراقي وقوات سوريا الديمقراطية والبيشمركة، من الذين ساهموا بتحرير الإيزيديات، فعلوا ذلك فقط مقابل مبالغ مالية، وضخمة للغاية، حيث تحول الأمر بالنسبة إلى "تجارة مُربحة"، وبغير أي شعور بالدونية الأخلاقية والاجتماعية، المتأتية من عدم تجريم المجتمع الكلي لمثل تلك الأفعال الخسيسة.

بل الذهاب أبعد قليلا، للقول إن النسبة الأعم من ذلك الفضاء لم يكن يعتبر ما يجري بحق الإيزيديات جريمة مهولة، ولا حتى فداحة أخلاقية، كان في أحسن الأحوال لا مباليا، وفقط كذلك. 

هل تبدو تلك الأسئلة كعتبات في سياق تأكيد صحة بعض المقولات الفوقية والعنجهية، التي كانت معادية لهذه المجتمعات إيديولوجياً وطائفيا، تلك التي كانت تطلقها سلطات وأنظمة مثل النظام الأسدي، حينما كانت تسمي هذه المجتمعات بـ"البيئة الحاضنة للإرهاب". 

ربما. 

لكن هل يبدو عدم طرحها أقل وطأة مما تؤكده من حقائق قاسية!! 

دون شك لا، فبدون طرح هذه الأسئلة، ستغدو المأساة الإيزيدية، مثل ما سبقها من أحداث تاريخية رهيبة، كالإبادة الأرمنية والسرياني واليونانية، وما لحقها من حروب الكراهية الطائفية التي غمرت منطقتنا، مجرد أحداث وأفعال عادية، دون طاقة أخلاقية وبنية روحية ووجدانية وثقافية، قادرة على وضع مجتمعاتنا أمام حقائقه العارية، وتاليا جعله غير قابل لتغيير نفسه وتجاوز خصائه تلك.

حكاية بيسان وأسئلتها، وما يناظرها من آلاف أخريات، هي ندبة عار واضحة، على وجه الحياة العامة وشكل الحياة في هذه المنطقة، العار الذي لن يمحوه إلا قول الأشياء كما هي، دون مواربة وسعي خسيس للتذويق. 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  
"هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  "

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف.