"استطاعت الحكومة أن تتحرك بسرعة لتطويق الأضرار"- صورة تعبيرية
"استطاعت الحكومة أن تتحرك بسرعة لتطويق الأضرار"- صورة تعبيرية

قبل أن يجف دم الطالبة إيمان إرشيد التي قُتلت داخل حرم جامعة العلوم التطبيقية بعمّان، وقبل أن يتوقف الجدل، وحملات التشكيك بعد أن قرر الجاني قتل نفسه حين حاصره رجال الأمن لإلقاء القبض عليه، كان الأردن مع موعد جديد لفاجعة انفجار صهريج الغاز في ميناء العقبة.

في الحادثتين مع الاختلاف بينهما ظهر أن المجتمع لا يثق كفاية في روايات الحكومة للأحداث، وحضرت قصص نسمعها تُقدم روايات بوليسية، وتضع المؤامرة في القلب مما جرى، وتؤكد أن الحكومة تُخفي أشياء كثيرة.

العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني فور وقوع الانفجار في ميناء العقبة بسبب سقوط خزان يحتوي على غاز الكلورين ترأس اجتماع المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات، وأوعز بتقديم توضيحات شفافة للرأي العام، واطلاعه على نتائج التحقيق، مؤكداً على أهمية محاسبة المقصرين وفق القانون، واتخاذ الإجراءات الاحترازية حتى لا يتكرر الحادث مستقبلا.

عادت الحياة إلى طبيعتها في العقبة، واستطاعت الحكومة أن تتحرك بسرعة لتطويق الأضرار، وزار رئيس الوزراء، بشر الخصاونة موقع الحادث مطمئنا الناس بأنه لا مخاطر من انبعاثات الغاز في المنطقة على السكان، والنتيجة المباشرة لهذا الحادث سقوط 13 ضحية، وإصابة أكثر من 260 شخصاً بجروح معظمهم غادروا أسّرة الشفاء.

للوهلة الأولى حاول العديد من المتصيدين استذكار الانفجار في مرفأ بيروت في أغسطس عام 2020، وخلق ربط بين انفجاري العقبة وبيروت، غير أن هذا الاستدعاء لم يصمد، ولم يجد رواجاً وتسويقاً، ففي لبنان التي ذهب ضحية انفجار مرفأ بيروت 300 شخص، وأصيب 6500، وشُرّد 300 ألف من منازلهم جراء الخراب الذي حدث، ذهبت التحليلات في بيروت إلى الأسباب الأمنية الكامنة في تخزين نترات الأمونيوم شديدة الخطورة، وبُنيت قصص عن علاقة حزب الله بهذه الشحنات التي تُستخدم بالمتفجرات، وكل هذه الهواجس والصراعات الأمنية خارج الحسابات في الأردن، والأمر في أسوأ أحواله لا يتعدى إهمالا، وتقصيرا في اتباع معايير السلامة العامة.

بعيدا عن المبالغات التي تُثار على منصات التواصل الاجتماعي، فإن الملاحظة اللافتة التي أثارها رئيس اللجنة النقابية لعمال الموانئ، أحمد السعود العمايرة، أن أيّا من المسؤولين في الدولة لم يُقدم استقالته، والجميع ينتصل من المسؤولية، ولا يعترف بخطئه.

في الأعوام القليلة الماضية فُجع الأردنيون والأردنيات بحوادث لا تزال ذكراها المؤلمة حاضرة، وكلها بشكل أو بآخر كانت تؤشر دون أدنى شك على الإهمال، والتسيب، وتراخي العمل في مؤسسات الدولة، وكان آخرهما حادثة مستشفى السلط خلال جائحة كورونا حين توقف الأكسجين عن المرضى، وأدى إلى 10 وفيات، وقبلها كارثة البحر الميت حين أخذت مياه الفيضانات في طريقها أطفال رحلة مدرسية، فسقط 22 ضحية لا ذنب لهم.

في متابعاتها لحادثة انفجار العقبة نبهت جريدة الغد اليومية إلى قضية في غاية الأهمية، وتتلخص في غياب أرصفة مستقلة في ميناء العقبة مخصصة للمواد الخطرة، ويكون لها مواصفات، ومقاييس مختلفة عن باقي الأرصفة، وتخضع لإشراف أمني مينائي.

في كل ما كُتب وما قيل عن انفجار العقبة، وقبل أن تعلن لجنة التحقيق التي يرأسها وزير الداخلية نتائج تحقيقاتها، فإن ملخص المشكلة أن حبل الرافعة انقطع وهو يرفع صهريجا لغاز الكلورين، فأدى انقطاع الحبل إلى سقوط الصهريج، ومن ثم انفجاره وتسرب الغاز.

في حديثي مع القبطان البحري، فيصل الرفاعي، حدثني عن أن التلف في "واير" حبل الرافعة كان ظاهراً، وأن هناك مطالبات نُقلت على لسان الفنيين بضرورة تغيير معدات المناولة.

حسب كلام الرفاعي وهو ما يؤكده كذلك خبراء في السلامة العامة، فإن المعدات يتم فحصها بصريا قبل استخدامها مباشرة، وتخضع لفحص فني كل شهر، وفحص متخصص كل سنة، وتكون هناك شهادات موثقة في الفحوص، وسلامتها، مشيراً إلى أن النوع المستخدم في ميناء العقبة في المناولة للمواد الخطرة غير مناسب، وأن الفيديوهات الأولية التي عُرضت تُظهر أن الأشخاص في موقع الحادث تصرفوا بشكل عشوائي دون اتباع لقواعد السلامة العامة.

تكاد تُجمع الآراء المتداولة أن الانفجار في رصيف رقم (4) قد ولّد قناعات راسخة أن الأرصفة في ميناء العقبة غير مهيأة للتعامل مع المواد الخطرة، وأن الالتزام بمعايير، وشروط السلامة العامة غائب، ومفقود.

يحمد الكثير من المسؤولين في الدولة ربّهم أن الانفجار، والحريق لم يمتد مداه ليصل إلى الأرصفة التي تمتلئ في المواد النفطية، وإلا لحدثت كارثة، وهنا يشيرون إلى سلامة صوامع القمح التي تُبعد عن موقع الانفجار 600 متر فقط، ويقول مدير الشركة العامة للصوامع، عماد الطراونة في تصريحات صحفية أن مخزون الحبوب لم يتعرض لأي ضرر، وبقي سالماَ، ويؤكد أن الصوامع مخصصة لمقاومة كل الظروف الخارجية من أشعة، وشمس، وتسرب غاز، وهي مُحكمة الإغلاق.

مخاوف الدولة الأردنية أن يتضرر مخزونها من الحبوب مبرر، فالعالم كله يشكو من أزمة غذاء، وخاصة وصول الحبوب إلى البلدان منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، وهناك إنذارات تُطلق دوليا من مخاطر جوع قد تشهده الدول إذا ما استمرت الحرب، واستمرت القيود على تدفق، وانسياب الحبوب عبر الموانئ.

انتهت حتى الآن تداعيات انفجار العقبة، ووزير البيئة الأردني، معاوية الردايدة طمأن الناس إلى خلو الهواء في العقبة من غاز الكلورين، ونوه بأن الفرق الميدانية أجرت فحوصا للهواء، والماء، وتأكدوا أنهما خاليين من أي تلوث، وأكثر من ذلك ذهبت الحكومة إلى التأكيد إلى أن الحادث لم يؤثر على حركة السياحة، ولم تسجل حالات إلغاء للحجوزات من السياح القادمين.

لا يحتمل الأردن انتكاسات جديدة بعد أكثر من عامين على جائحة كورونا كانت أول ضحاياها السياحة، ومع بدء التعافي وتدفق السياح مرة أخرى فإن أي ضربة موجعة تشكل خطا أحمرَ.

قرر موظفو، وعمال ميناء العقبة تنظيم وقفة يحتجون فيها على عدم توفر إجراءات السلامة، ونائب رئيس المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات، العميد حاتم الزعبي يُشدد على ضرورة وجود من يُراقب إجراءات السلامة ويُشرف عليها، ويُحاسب المقصرين إن وجدوا، والأصوات ترتفع بالمطالبة بإحالة الملف برمته للنائب العالم لاتخاذ الإجراءات القانونية.

المشكلة التي تتنامى في الأردن ضعف الثقة بمؤسسات الدولة، والاعتقاد الجازم بأن المسؤولين لا يخضعون للمساءلة، والمحاسبة، وأن الضجة التي تُثار بعد كل فاجعة ينتهي تأثيرها بعد أيام، وأسابيع.

ربما لا تكون صورة الأردن بالسوداوية التي تُرسم، وتتشكل في السوشال ميديا، وهي مُرعبة، ومُخيفة، ومُقلقة، لكن الثابت أننا لسنا بخير، وليس أدل من ذلك سوى تراخي مسؤول عام عن استبدال حبال المناولة في الميناء، وكان إهماله سببا في مأساة كان يمكن تداركها لو كان الضمير يقظا، ولو كانت آليات المراقبة، المساءلة فاعلة دون تهاون.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.