والدا وإحدى أفراد عائلة نيرة أشرف خلال جلسة محاكمة المتهم بقتلها- 26 يونيو 2022
والدا وإحدى أفراد عائلة نيرة أشرف خلال جلسة محاكمة المتهم بقتلها- 26 يونيو 2022

لا يوجد أسوأ من حوادث القتل التي تعرضت لها فتيات في كل من مصر والأردن والإمارات مؤخرا، سوى بعض ردود الفعل عليها أو بالأحرى التبريرات التي صاحبتها.

في حالة مصر بالذات فقد كان الحجاب أو غطاء الرأس محور التعليقات وحديث رجل الدين المصري مبروك عطية الذي نصح النساء بالتخفي كي لا يعرفن من الرجال فيقع قتلهن، كان إشارة بالغة الدلالة في هذا الجانب. فهل أصبح المجتمع المصري مثلا مجتمعا من الوحوش الضارية الجاهزة للانقضاض على أي امرأة؟ وهناك تعليقات نصحت القاتل بأن يمارس الاغتصاب كوسيلة للحصول على الفتاة التي أرادها بدلا من قتلها (في إشارة إلى أن المغتصب يتزوج ضحيته)! وهناك أيضا من سعى إلى تحميل الاختلاط والزي وما شابه مسؤولية ما حدث.

أما أغرب هذه التعليقات فتلك التي سعت إلى التهوين من عمليات القتل على اعتبار أن هذه الحوادث تقع في جميع دول العالم ومصر أو أي دولة عربية ليست استثناء في ذلك.

وليس صعبا تفنيد جميع هذه الحجج بالطبع (وهي ليست حججا في الواقع وإنما مجرد تنطع)، ولكن المشكلة الحقيقية هي لماذا يثور هذا الجدل بعد كل عملية قتل تكون ضحيتها امرأة؟  لماذا في مثل هذه الحوادث يحضر الحجاب والنقاب وكل قطعة قماش تغطي شعر المرأة (إذا كان شعر المرأة سببا لكل هذه المشاكل فلماذا خلقه الله من الأصل)؟

بل لماذا أصبح خروج المرأة في الشارع أو وجودها في الحياة العامة مشكلة في حد ذاتها؟

ألا يعكس ذلك تصدعا في الوعي الجمعي، واستقالة خطيرة للعقل المصري والعربي؟

الواقع أن كل حجة تبرر هذا العنف الموجه ضد النساء والذي أصبح بالمناسبة جزءا من الثقافة والعقلية السائدة، إنما تدين المجتمع وقيمه وأخلاقه، إذ تحيله إلى التوحش والسادية وانعدام الضمير.

فما معنى أن يتم لوم المرأة على لباسها مثلا في حالات التحرش التي تتعرض لها النساء في بلد مثل مصر، في الوقت الذي لا نصادف فيه مثل هذه الظواهر في أي مكان آخر في العالم (ربما باستثناء باكستان أو أفغانستان ومن لف لفهما)؟  

ولماذا يجري الحديث عن المرأة بوصفها "شيئا" أو كائنا ناقص الأهلية وخاضع للوصاية الكاملة من جانب الرجل، وليست مواطنة خاضعة لنفس القوانين والتشريعات في الدولة؟

ألا يعني ذلك أن الدولة نفسها أصبحت مقصرة ولا تقوم بوظيفتها وواجبها تجاه نصف مواطنيها؟

والملفت أن خطاب الصحوة الإسلامية (وهي في الحقيقة غفوة وردة حضارية ولم تكن في يوم من الأيام صحوة) قد استرد كامل عافيته في هذا الموضوع. فقد أصبحنا نسمع من جديد أحاديث عن المرأة بوصفها "جوهرة مكنونة" و"شيئا ثمينا" ينبغي أن يصان ويحفظ في مكان أمين!

هذا الخطاب الذي برمج عقول معظم السكان على مدى عقود من الزمن، قد دمر للأسف السوية الطبيعية للكثير من العرب والمسلمين وسلب منهم القدرة على التمييز والفعل الإيجابي. وعاد اليوم كي يحصد ما زرع.

والحال أننا بتنا نزايد على الماضي ونسابق الزمن من أجل العودة إليه والتمسك بقيمه واستحضاره كل ما أمكن. ويتضح ذلك بصورة واضحة فيما يتعلق بالمرأة، إذ يبدو أن المطلوب هو إجبار النساء، طوعا أو كرها، على العودة من جديد إلى المنزل والخضوع الكامل لسيطرة الذكور، ومن تتجرأ منهن للخروج إلى المجال العام أن تلتزم بتغطية نفسها بحيث لا يتم التعرف عليها. وخلاف ذلك فهي ستكون عرضة للتحرش والاعتداء وربما القتل!

فأي رسالة يبعث بها أمثال مبروك عطية للنساء في مصر وغيرها من المجتمعات العربية؟

على أن حبل الكوارث هنا لا ينقطع، ففي خطوة تدل على انعدام كل واعز أخلاقي والتأكيد على الهيمنة والوصاية الدينية قامت جهات (في الغالب وكلاء رجل الدين) بنشر صور جرى تصميمها بالجرافيك لنيّرة أشرف وهي ترتدى الحجاب، خلاف الواقع والحقيقة، عبر مواقع التواصل الاجتماعي وعلى أسوار جامعة المنصورة نفسها. وهذا عمل لا ينسجم فقط مع رسالة مبروك عطية، ولكنه أيضا يتماهى مع تلك الرسالة وينقلها إلى مستوى اللاوعي.. فلا حرية أو كرامة للمرأة سواء كانت حية أو ميتة!

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.