غزلان الريم في العراق تهلك بسبب الجوع- فرانس برس
غزلان الريم في العراق تهلك بسبب الجوع- فرانس برس

يحق للعراقيين، ولجميع الحريصين والمهتمين والقلقين من التدهور البيئي المتسارع، أن يحزنوا للخبر المؤسف الذي تناقلته وسائل الاعلام المحلية والعالمية الشهر الفائت حول نفوق غزلان الريم جوعاً في محمية ساوة الطبيعية في الجنوب العراقي، وانخفاض أعدادها من 148 إلى 87 رأساً في شهر واحد.

يحق للعراقيين، بانتمائهم لأقدم الحضارات البشرية وأغنى دول المنطقة تاريخياً، والذين يعانون اليوم من عدد لا متناه من الأزمات المعيشية والصحية والخدماتية وفي مقدمها تدهور قطاع الكهرباء، أن يفاقموا غضبهم لما تعنيه هذه الغزلان في الذاكرة الشعبية، ارتبط وجودها في محمياتهم لعقود طويلة بالتفاخر، وأثرى مكتبتهم العريقة والمكتبة العالمية بعشرات دواوين الغزل عن الريم والتماهي بين حسن النساء وحسنها.

وزارة الزراعة العراقية أعلنت مؤخراً عن تلقي المحمية 100 مليون دينار عراقي (ما يقارب 15 مليون دولار) من رئيس الجمهورية بهدف إنعاشها. وهو مسعى حميد لإنقاذ ما تبقى من هذه الغزلان النادرة. ولكن لا بد من التساؤل هنا ما إن كان من الممكن تفادي موت هذه الكائنات اللطيفة فيما لو توفرت مسبقاً الجدية المطلوبة وبعض الاكتراث والإحساس بالمسؤولية؟؟  

إذ أن الجفاف وانقطاع الدعم الحكومي وانقطاع موارد الغذاء كأسباب معلنة أدت إلى نفوقها، كان يمكن تداركها بأبسط الحلول فيما لو حظي التهديد الوجودي الذي يحيق بالمحمية بزخم إعلامي أكبر ومسبق. وربما لو سُرب مقطع فيديو واحد عنها، كان سيحظى بحشد ومناصرة من آلاف المشاركات خلال وقت قصير. حيث لا يخفى أن مقاطع الفيديو الخاصة بإنقاذ الكائنات الحية المهدَّدة، تلقى تجاوباً وتفاعلاً عالمياً كبيراً على وسائل التواصل الاجتماعي، بل إنها في كثير من الأوقات، تتفوق على التفاعل الذي يحظى به نجوم ومشاهير الفن والرياضة.

كما أن غزلان الريم، شأنها شأن الخيول والإبل، لها مكانة وجدانية خاصة ورفيعة، وتلقى في معظم الأوقات، الاهتمام والمسارعة إلى الدعم من العديد من الأثرياء العرب بشكل خاص. مع أهمية التنويه إلى أن الشعب العراقي بذاته لا يخلو من "النشامى" الذين لا يترددون في تقاسم أرزاقهم ومساعدة البشر والحجر، فكيف حين يتعلق الأمر بمثل هذه الكائنات الرقيقة والعزيزة على قلوبهم؟؟ 

وقد نفقت الغزلان للأسف وانتهى الأمر، لكن هذا الملف قد يبقى مفتوحاً، ومفتاحاً قد يؤشر إلى العديد من القضايا الحيوية ذات الصلة التي قد تثار في المستقبل القريب. حيث إن التهديد البيئي الذي يلوح في أفق أرض الرافدين حقيقي وجدي ومقلق للغاية. أخطر ما فيه التجاوز غير الطبيعي لمعدلات الحرارة وما يتسبب به من جفاف يلقي بظلاله الثقيلة على الوجود الإنساني وكافة الثروات الزراعية الوطنية التي يتقدمها النخيل وكل ما يتعلق به من منتجات صناعية، والتي عرف عن الآشوريين تقديسهم لأشجارها، ويحق لأبناء عراق اليوم أن يقلقوا عليها مثل أبنائهم.

بعض ما تقدم كان من فعل الطبيعة التي لم ينج منها العراق شأنه شأن معظم دول العالم التي باتت تصنف قضايا البيئة أولوية قصوى تسعى للحد ما أمكن من تداعياتها العنيفة. وبعضه من فعل الحروب المتعاقبة التي مر بها العراق على مدى أربعة عقود. فيما تؤكد التقارير أن معظم ما يعانيه العراق اليوم ناجم عن الفساد البشري السياسي والحزبي والمحاصصة الطائفية وسوء إدارة الموارد والإثراء غير المشروع وغيرها من الآفات المستعصية.

في مسألة الجفاف المائي المثير للقلق الشديد في أرض الرافدين، يتقاسم الاستهتار البشري الداخلي الناجم عن الهدر المائي وتجريف البساتين والتوسع العمراني وغيرها من الممارسات المجحفة بحق الطبيعة المسؤولية مع السياسة الاقليمية التي يقع العراق بين فكيها التركي والإيراني، حيث دأب الجانبان على تخفيض أو قطع الحصص المائية العراقية الأمر الذي دفع بالنائب الأول لرئيس مجلس الوزراء العراقي مؤخراً إلى تهديد الجارتين بقطع العلاقات التجارية، بعدما أدى سياستيهما المائية إلى انخفاض ملموس وخطير في منسوبي نهري دجلة والفرات، وهو ما يعاني منه بالمثل وبشكل حاد الشمال الشرقي السوري.

قبل فترة وجيزة، أورد أستاذ جامعي عراقي قدير في حسابه في فيسبوك عدد وأسماء الأنهار التي قطعتها إيران عن العراق أو غيرت مسارها لتجعلها داخل إيران فقط، والتي بلغت أحد عشر نهراً، وهي نهر "الوند والزاب الصغير وكارون ودويريج وكرخة والطيب وكنجان جم ونهر وادي كنكير وهركينه ونهر زرين جوي الكبير"، إضافة إلى 42 رافد كانت تصب في شط العرب. الأمر الذي يؤكد القراءة العميقة التي كتبها الزميل الإعلامي مصطفى فحص الأسبوع الفائت بتوصيفه السياسي لأرض العراق برقعة الشطرنج التي تعج بنزاعات اللاعبين المحليين والخارجيين، الخاسر الأول والأخير فيها العراق.

"يقولون ليلى في العراق مريضة". وفي واقع الحال، ليلى وفراتها ودجلاها ونخيلها وريمها مريضة. وفي كل مرة تمرض إحداها، يصاب محبو العراق بالوهن.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.