العداء بين المالكي والصدر مستمر منذ عام 2006- من أرشيف فرانس برس
العداء بين المالكي والصدر مستمر منذ عام 2006- من أرشيف فرانس برس

العراق مُمَزقٌ ومُتنَازع وضعيف، ولا يقوى على صد تسريبات كتلك التي ظهرت مؤخراً على شكل تسجيلات منسوبة لرئيس تكتل "دولة القانون" نوري المالكي، والتي على رغم نفي الرجل صحتها، ظهرت كاشفة لطبيعة العلاقات البينية بين القوى الشيعية، وبينها وبين النفوذ الإيراني في ذلك البلد المستتبع والمنتهك. فالنفي لم يضعف التسجيلات قيد أنملة، لا بل هو حدد مزيداً من الوظائف لخطاب "المذهب" ولدور الجماعة في حاضر العراق، وفي مستقبله.

إنهم ورثة الصدرية الأولى، المالكي وريث الحزب ومقتدى الصدر وريث العائلة، أما العراق، فلم يبق له سوى تنازعهم على أهله وثروته وتاريخه. والمالكي اذ اعتبر التسريب مؤامرة، لاقاه مقتدى بالغضب من المتسلق على أكتاف العائلة ومن موجه رصاصه على ضلعها وعلى فلذة أكبادها. فالعتب موجه إلى من يدعي طلب "قوة المذهب" على ما ورد في الرد الصدري!

والمراقب إذ يرصد في الأصوات الصادرة من التسجيل ومن تغريدات الرد عليها، عمقاً لعراق ما قبل العراق وما قبل التشكل، يأخذه إحساسه بها إلى أننا حيال تحلل السياسة وتحلل المدن التي كانت تجري فيها، وحيال نكوص نحو ما قبل "حزب الدعوة" وما قبل حزب البعث طبعاً. فالصدر رأى بالتسجيلات طعناً بالصدرية، فيما التأمت عشيرة المالكي (بني مالك) لتحتضن ابنها ومتصدرها.

"نريد دماً"، سمعنا هذه العبارة في واحدة من التسجيلات! فيجيب مَن مِن المفترض أن يكون نوري المالكي بإسداء نصيحة مفادها أن "الاعتماد على الحرس الثوري أجدى من الارتباط بجهاز المخابرات الإيراني، ذاك أن الأول مرتبط مباشرة بالخامنئي". وصحيح أن القوة الخبرية للتسريبات قد استنفذت، إلا أن ما يبقى منها كافٍ لاستشراف الكثير مما تستبطنه علاقات الاستتباع بين إيران وبين الجماعات الشيعية في العراق، ولكن أيضاً في لبنان واليمن. فـ"نريد دماً" عبارة مفتاحية على هذا الصعيد، ذاك أن "الدم" يصوغ النفوذ، ويحدد الوجهات ويعيد انتاج العلاقات، لا سيما وأن العراق يشهد استعصاء يعيق الجميع ومن بينهم إيران. فالانتخابات لم تنتج لطهران مشهداً مناسباً، والأرجح أن الانسداد الذي أعقبها لم يحدث انفراجاً في طموحاتها. "الدم" هو المخرج بحسب التسريب المنسوب، ونفي نوري المالكي لصحته لا ينسجم مع تاريخ هذا الرجل ومع معادلة "الدم" التي اعتمدها حين توجهت دباباته إلى ساحات التظاهر في المدن السنية، فحينها أيضاً انعقدت معادلة "الدم"، وحينها ولدت "داعش" من رحم الدماء المراقة على ضفاف الساحات.

والعراق اليوم في لحظة تكثيف غير مسبوقة لمعادلات "الدم" والاستعصاء. هو أقرب إلى ساحة منه إلى دولة. تركيا تُغير على موقع سياحي في شماله فتقتل مدنيين عزل، وتتنافس فيه أجهزة إيرانية، فيعيق أحدها تشكيل حكومة ويقصف آخر مدينة أربيل، ويظهر السفير العراقي في بيروت في فيديوهات أثناء "رحلة صيد" مطلقاً قديفة "آر بي جي" نحو الطيور! وفي وقت يبدو فيه البلد معلق دستورياً وسياسياً، تتولى الدولتان الجارتان، تركيا وإيران، تجفيف الأنهر عبر السدود، وتبلغ حرارة الصيف ذروتها فتضاعف الانسداد، في ظل عجز عن مواجهة خطوات تجفيف الأنهر.

تراود عراقيون كثيراً فكرة أن حل البرلمان وتحديد موعد جديد للانتخابات قد يكون مخرجاً للكثير من هذه الأزمات، لا سيما بعد استقالة الكتلة الصدرية وعجز منافسيها عن انتخاب رئيس وتشكيل حكومة. الأرجح أن العقدة العراقية هي في مكان آخر تماماً، فمصدر الانسداد ليس عراقياً بالدرجة الأولى، ولا يمكن أن تستقيم نتائج انتخابات مهما بلغت من الشفافية والنزاهة في ظل عدم قدرة الدولة على احتكار السلاح وعجزها عن فرض القانون. "الحشد" وسلاحه وفتواه هي عوائق أساسية، والفصائل الولائية لن تتيح ترجمة الانتخابات إلى سلطة وإلى نصاب سياسي.

التسجيلات والردود عليها درس كبير، فهي كشفت أن العراق الجديد هو عراق أهل المذهب، وربما هو عراق "العائلة" التي أشار مقتدى إلى أن المالكي طعن بها في التسجيلات المسربة. المالكي طعن بالعراق مستعيناً بإرثه مع العائلة، ومقتدى لم تلفته "الدماء" في التسريبات انما لفته الاستعانة بحزب العائلة على العائلة، والاستعانة على المذهب ممن يدعي "حماية المذهب". نحن هنا حيال القاموس السياسي للعراق الجديد، حيث لا استعارات ولا تورية، وحيث الحرب الأهلية كفت عن أن تكون بين السنة والشيعة، أو بين العرب والأكراد، ففي دولة الشيعة الحرب الأهلية هي بين الشيعة والشيعة. الأكراد ابتعدوا بإقليمهم والسنة جرى هزمهم، وهم اليوم ذميو الحشد الشعبي.

المشهد قاتم والعراق محزن، ولنا بالتسجيلات المسربة قرينة أخرى على استحالة قيام العراق من دون حل "الحشد" ونزع سلاح حلفاء ايران، وهذا ما لا تؤمنه انتخابات.  

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي
في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي

في اللحظة التي تستعر فيها الأزمات الاقتصادية، يميل المرء إلى "استمزاج" آراء "الاختصاصيّين" و"يستسيغ" التقنيات التي يقدّمونها عن "مكافحة الفساد" ووقف الهدر، وعن "الحوكمة السليمة" و"الشفافية" وعن "تكبير كعكة الاقتصاد" و"جذب الاستثمارات".

وفي ظلّ هذه الوصفات الجاهزة التي يمكن العثور عليها في التقارير والخلاصات الصادرة عن المؤسسات الدولية والإقليمية المختصة، يتراءى للمتابعين أنّ المشكلة تقنية وسلوكيّة وبالتالي بمجرّد أن يتجرّع المرضى الأدوية "المسبقة الوصف" يتعافون.

ولكن يغيب عن بال الكثيرين، بفعل الضخ الإعلامي للحلول المعلّبة، أنّ مشاكل الدول ليست واحدة، إذ إنّها قئات متنوّعة، وعليه فما يصح على فئة منها لا يصح بالضرورة على فئة ثانية أو ثالثة أو رابعة، إذ إنّ الفساد في العالم الثالث، عمومًا، ليس مسألة أخلاقيّة بل مسألة بنيويّة، ويتوسّله الطغاة، على سبيل المثال لا الحصر، من أجل ضمان تأييد أصحاب المصالح والقوى المؤثّرة في المجتمع، وتفتيت الفئات الأكثر صلابة، ولذلك كما يكون الولاء تكون الثروة!

وبناء عليه، فإنّ قراءة المأساة التي تعصف بلبنان مستحيلة إذا ما اعتمدت قواميس "الخبراء الاقتصاديّين" و"يساريّي الهوى" و"يمينيّي الشعارات" والإرشادات "العلنيّة" الصادرة عن "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي"، لأنّ سقوط لبنان في الجحيم لم تتسبّب به الأخطاء والخطايا الماليّة والإقتصاديّة، على أهميّتها، بل النهج السياسي، إذ إنّ أخطر إنذارات "الارتطام الكبير" بدأت تظهر في العام 2017، بعد إشارات أثارت قلقًا فرضت نفسها، بدءًا من العام 2011، في حين أنّ الفساد والهدر والزبائنيّة والمحاصصة وغيرها من العبارات المماثلة، قديمة جدًّا وراسخة.

في العام 2011، بدأ "حزب الله" استعداداته التمهيديّة للدخول العسكري  إلى  سوريا دعمًا لنظامها، في الوقت الذي كانت فيه المساعي المبذولة قد بدأت تنجح في الكبح التدريجي لدعم الثوّار السوريّين، بشريًّا ولوجستيًّا، وفي العام 2017، سجّل لبنان نفسه رسميًّا في خانة دول "محور الممانعة"، وتدخّل في حرب اليمن، وامتنع عن إدانة ما تتعرّض له الدول الخليجية من عدوان بقيادة إيران، وحوّل نفسه الى مقر إعلامي لوسائل إعلام منسوبة الى "المعارضة الخليجية"، وفتح معابر التهريب على مصراعيها أمام تجارة المخدرات والكبتاغون.

ولقد بدا واضحًا أنّ "حزب الله" كان قد أخذ قرارًا نهائيًّا بتغيير طبيعة لبنان الاقتصادية والماليّة، حتى يصبح دولة "تتلاءم مع وجود المقاومة"، وفق تعبير خاص برئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمّد رعد.

وقد أنتج هذا النهج الذي قاده "حزب الله" بالتحالف مع "التيّار الوطني الحر" بعدما كان الحزب قد أوصله الى رئاسة الجمهوريّة، تدهورًا تاريخيًّا في علاقات لبنان العربيّة والخليجية وأضعف ثقة المستثمرين به فبدأوا يهجرون لبنان ومعهم هربت تباعًا، أموال كبار المودعين.

وبما أن "الشيء بالشيء يذكر"، فإنّ الدول التي تدور في فلك "محور الممانعة" تعاني كلّها، بدرجات متفاوتة، من الأمراض المالية والاقتصادية والحياتية نفسها، على الرغم من تفاوت قدراتها وثرواتها.

وفي هذا السياق، لا توجد دولة أكثر قدرة على التعبير عمّا وصلت إليه أحوال لبنان سوى إيران نفسها التي يرى مرشدها علي خامنئي في لبنان "عمقًا استراتيجيًّا" لجمهوريته الإسلامية.

في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي، في وقت يتناقل فيه "خبراء النظام" وخبراء "حزب الله" الكلام نفسه عن الحلول التقنية المرجوّة.

الطرفان يحمّلان المسؤوليّة إلى الحكام السابقين وإلى "الجشعين" و"المضاربين" و"التجار" و"المعارضين" وإلى "الحصار الأميركي" الذي طالما أعلنا انتصاراتهما عليه وعلى إجراءاته وتدابيره وقراراته.

والطرفان أقدما في السنوات الأخيرة على الأفعال نفسها، فأوصلا "الموثوقين منهما" إلى أعلى المناصب، واتخذا قرارات أدّت الى عزل دولتيهما، في وقت كانا لا يتوقفان عن وعد الناس بـ"جنّة عدن".

وقد قفز الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، على الرغم من أنّه ليس "شيخ طريقة" في صناعة الدول المزدهرة، فوق شعارات المتشدّدين ووصفاتهم "الفارغة" وذهب مباشرة الى صلب الموضوع، إذ قال وفق ما نقلت عنه صحيفة "آرمان ملي" في عددها الصادر أمس، أنّه "لو كانت هناك نيّة على إحداث تحوّل في الأزمة الاقتصادية في إيران فيجب ، بادئ ذي بدء، إحياء الاتفاق النووي، لأنه من دون إحياء الاتفاق النووي ورفع العقوبات وتحسين العلاقة مع العالم،  لا يمكننا أن نتوقع حلّ المشاكل الاقتصادية (...) يتصوّر البعض، أنه ومن خلال التعامل مع العالم، قد نشهد وجود مندسين من الخارج، لكن في الحقيقة، فإن العزلة هي التي توجد المندسين".

وهذا يعني أنّ الخروج من الجحيم يستدعي تغييرًا في نهج التعاطي مع الداخل والخارج في آن!

وعليه، فإنّ لبنان إذا لم يتمكّن من تحرير نفسه من التبعيّة لإيران ورفع قبضة "حزب الله" عن الدولة، فهو لن يتمكن من رؤية أيّ ضوء في نهاية النفق في العام 2023، لأنّ المشكلة ليست محصورة في الأشخاص، مهما كانوا فاسدين أو سيّئين، بل هي، بادئ ذي بدء، في بنية الدولة ودورها وموقعها.

 ومن يزرع الريح يحصد العواصف!ّ