الظواهري يعود في مقاطع مصورة جديدة تدعو للجهاد المعولم. ارشيفية
الظواهري يعود في مقاطع مصورة جديدة تدعو للجهاد المعولم. ارشيفية

إن إعلان الرئيس جو بايدن عن نجاح الجيش الأميركي في القضاء على زعيم القاعدة أيمن الظواهري في 31 يوليو هو بلا شك مكسب في الصراع الذي عُرف سابقاً باسم "الحرب العالمية على الإرهاب". 

فالظواهري المولود في مصر كان الثقل الفكري للقاعدة منذ أن ضم تنظيمه المتشدد، الجهاد الإسلامي المصري، إلى شبكة أسامة بن لادن في عام 1998، وبعد مقتل بن لادن في عام 2011، تولى الظواهري المنصب الأعلى للجماعة الإرهابية، حيث عمل كرئيس لعملياتها واستراتيجيتها، ووسع من موطئ قدم التنظيم في أفريقيا، من بين إنجازات أخرى. 

إن مقتل الظواهري في هذا التوقيت يعتبر دليلاً على أن الولايات المتحدة، بالرغم من انشغالاتها بأولويات السياسة الخارجية الأخرى ومعاناتها من الانقسامات السياسية المحلية، لا تزال ملتزمة بمهمة مكافحة الإرهاب، وبذلك مقتل الظواهري سيكون بمثابة رفع أسهم الحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي خلال نوفمبر المقبل باعتباره إنجازاً سياسياً.

لكن بالرغم من أهمية قتل رموز أي تنظيم إرهابي، إلا أن هذا الإنجاز لوحده ليس الاستراتيجية الناجحة في القضاء على الإرهاب، فهو احتمال يضعف تلك المنظمات مؤقتاً، لكن لن يقضي عليها وستظل الجماعات الإرهابية مستمرة في تفريخ قادة جدد ومنظمات أخرى. لا يمكن اعتبار النية جدية في القضاء على الإرهاب وليس احتوائه فقط، إلا من خلال العمل على جبهتين: أولاً، محاربة الفكر الإرهابي ومنبعه: الإسلام السياسي بجميع مذاهبه؛ ثانياَ، سياسة خارجية ثابتة للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب بغض النظر عن الحزب المنتخب. 

إن أكبر إشكالية تمر بها الولايات المتحدة هي الانقسامات السياسية المحلية التي تنعكس بشكل خطير على السياسة الخارجية خاصة في مكافحة الإرهاب. إن عدم وجود أرضية مشتركة بين الحزبين بشأن حل الأمور الحاسمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يزيد من تأجيج التوترات وتستغلها أشد استغلال الجماعات الإرهابية. فالاختلافات في كل شيء تقريباً، على سبيل المثال، ألغت إدارة ترامب الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمته إدارة أوباما، لأنها اعتبرته خطيراً ويضر بالأمن القومي للولايات المتحدة ويعطي إيران الكثير من الصلاحيات دون ضمانات كافية، ثم جاءت إدارة بايدن لتهرول في بداية أيامها لإرجاع المفاوضات النووية مرة أخرى وكانت على أوليات قائمة أجندتها. كذلك إدارة ترامب كانت ضد جماعة الإخوان وكانت تفكر في تصنيفها على أنها منظمة إرهابية، لكن أوباما، والآن إدارة بايدن، تدعمها سياسياً ولا يعتبرونها إرهابية.  

إن أساس هذا الاختلاف بين الأحزاب الليبرالية/اليسارية المتمثلة بالحزب الديمقراطي، والأحزاب المحافظة المتمثلة بالحزب الجمهوري، أن الأحزاب اليسارية مثل إدارة بايدن يجدون أن التابعين للإسلام السياسي مثل جماعة الإخوان والنظام الإيراني، علاجاً مناسباً للجماعات المتطرفة مثل داعش والقاعدة، لأنهم يعتبرونها تمثل الإسلام المعتدل التي بإمكانها ترويض الجماعات القتالية ومحاربتها.

من ناحية أخرى، تجد الأحزاب المحافظة أن الإسلاميين السياسيين مثل جماعة الإخوان بوابة للتطرف، لذا فإن دعمهم يعني دعم الجماعات الإرهابية، مثل داعش والقاعدة، لأنهم جميعاً ينتمون إلى نفس الفكر المتطرف. ونتيجة لذلك، نجد التحدي الأكبر لمحور الاعتدال في المنطقة هو كيف يمكنه إقناع الأحزاب اليسارية او الرأي العام الأمييكي بأن دعم الإسلام السياسي ومحاباته هو أكبر دعم للجماعات الإرهابية لأنه مصدر الفكر الإرهابي، حتى لو ارتدى معتنقوه بدلاً رسمية وربطات عنق وحازوا على أعلى الشهادات.

إن من بين ذر الرماد في العيون، أن الإعلام الأميركي، عند مقتل أي إرهابي أو زعيم لجماعة إرهابية يسلط الضوء فقط على ما قام به من عمليات إجرامية قتالية دون التنويه عن المرجعية الفكرية لذلك الإرهابي، وهذه من أهم الأسباب لعدم معرفة غالبية المجتمع الأميركي بأبعاد خطر الفكر الإرهابي وليس فقط العمليات الإرهابية.

فمثلا، بعد مقتل الظواهري لا نجد ذلك التركيز على خلفيته الفكرية بأنه كان منتمياً لجماعة الإخوان المصرية في مراهقته في الستينيات بعد تأثره بكتب سيد قطب، ليتحول من طبيب جراح إلى منضم للجهاد الإسلامي المصري في أواخر السبعينيات ومن ثم تم اعتقاله وسجنه لأول مرة خلال الاعتقال الذي أعقب اغتيال الجهاد الإسلامي لأنور السادات في عام 1981، وبعد ذلك أصبح زعيماً لتنظيم القاعدة خلفاً لأسامة بن لادن. 

إن من أهم زيادة تطرف الجماعات الإرهابية وقادتهم، المدافعين عن جماعات الإسلام السياسي في الغرب، وأغلبهم من الأحزاب الليبرالية/اليسارية، مثل المدافعين عن الإخوان الذين يصفون الجماعة بأنها حركة سياسية غير قتالية. فهم يبررون أن المتطرفين منهم، مثل الظواهري، سبب تطرفهم هو التعذيب في السجون، لكن في الواقع وبعد البحث عن ذلك، نجد أن الكراهية والرغبة في القتل موجودة قبل السجن.

خطأ آخر من قبل هؤلاء المدافعين يأتي من النظرية القائلة بأن الفقر أنتج الإرهاب، لكن نجد أن هؤلاء الجهاديين ليسوا من خلفيات فقيرة، ومعظم هؤلاء وقادتهم من أبناء عائلات مهنية من الطبقة الوسطى، وغُسلت عقولهم بواسطة أيديولوجيات متطرفة دفعتهم للقيام بعمليات دموية لخدمة الدين، فالظواهري مثلا، نشأ مترفاً في أرقى أحياء العاصمة المصرية القاهرة في ضاحية المعادي، جنباً إلى جنب مع الطبقة العليا، والدبلوماسيين المقيمين في مصر، ثم انتهى به المطاف في كهوف تورا بورا بأفغانستان.   

هذا الفكر الملتبس لدى الأحزاب الليرالية/اليسارية في محاربة الإرهاب أدى إلى القرار الخاطئ بانسحاب إدارة بايدن من أفغانستان بهذا الشكل الاستسلامي. اعتقدت إدارة بايدن أن طالبان روضت بما فيه الكفاية بحيث سيعتمد عليها بترويض الإرهابيين ومحاربتهم. اتضح أن ذلك غير صحيح ورأينا حكومة أفغانستان التي تمثلها حركة طالبان أصدرت بياناً تدين عملية قتل الظواهري دون ذكر اسمه.

ووفقاً لوزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، انتهكت طالبان "بشكل صارخ" شروط اتفاقها مع الولايات المتحدة – المعروف باسم اتفاقية الدوحة – من خلال منح الظواهري الملاذ الآمن على الأراضي الأفغانية. هناك الكثير من المحللين الأميركيين ذكروا أن بلينكن وغيره من المسؤولين في إدارة بايدن كانوا غير واضحين بشأن العواقب العملية التي تستعد الولايات المتحدة لفرضها على طالبان الآن، بعد أن تم الكشف عن ازدواجية المعايير لطالبان في تعاملهم مع الجماعات الإرهابية.  

وكما نشاهد هذا اللبس في التعامل مع طالبان، رأينا نفس الأسلوب يتكرر مع إيران. بعد مقتل الظواهري، فإن المرشح الأكثر احتمالاً لتولي قيادة القاعدة هو محمد صلاح الدين زيدان الملقب بـ"سيف العدل" و"سيف الانتقام، وقد عمل ضابطاً بالقوات الخاصة المصرية سابقاً وخدم لفترة طويلة كقائد عسكري للجماعة. "سيف العدل" كن مقيماً على مدى الأعوام الـ19 الماضية في إيران، وعلى الرغم أنه كان اسمياً تحت "الإقامة الجبرية"، استمر العدل في تنسيق الأنشطة العالمية للجماعة الإرهابية والتخطيط لحملاتها.

كل ذلك يجب أن يؤخذ في الحسبان لإدارة بايدن، التي تفضل التعامل مع إيران عند المحادثات في شأن الاتفاق النووي. فعلى مدار العام ونصف العام الماضيين، اتبعت الإدارة بإصرار استراتيجية دبلوماسية تهدف إلى إعادة الجمهورية الإسلامية إلى الاتفاقية النووية لعام 2015 المعروفة باسم خطة العمل الشاملة المشتركة.

هذا الإصرار – على الرغم من رفضه من قبل عدة دول في المنطقة –مستمر، وقد اقتضى من الإدارة أن تغض الطرف عن المشاكل الإقليمية للنظام الإيراني، ودعمه الواسع للإرهاب الدولي. كذلك اقتضى من الإدارة أن تغض الطرف عن حقيقة إيواء إيران للإرهابيين وأن النظام الإيراني لا يميز بين المذاهب سواء سني أو شيعي عندما يتعلق الأمر بإيواء إرهابيين، لأن أهداف الإسلام السياسي واحدة بغض النظر عن اختلاف المذاهب.

لقد أصبح مثل هذا النهج حتى صعب تقبله في داخل الكونغرس، حيث تتزايد الشكوك حول استراتيجية فريق بايدن السائدة تجاه إيران، حتى بين أعضاء حزب الرئيس نفسه. فارتباط النظام الإيراني بالجماعات القتالية مثل القاعدة، يؤدي إلى التساؤل بشأن ما الذي ستستفيده أميركا من تمكين نظام طهران الداعم للإرهاب وما هي عواقب ذلك؟  

لا ننكر أن إدارة بايدن حققت نجاحاً تكتيكياً في مكافحة الإرهاب بمقتل الظواهري، لكن هذا النجاح في القضاء على زعيم منظمة إرهابية لن يكون استراتيجياً في القضاء على الإرهاب إن لم يكن هناك قضاء على الأيديولوجيات الإرهابية المتمثلة بفكر الإسلام السياسي والاعتراف بأنه المصدر الأساسي لتحريك الجماعات القتالية عقائدياً، وأهم خطوة لذلك، الحرص على عدم الوقوع في أخطاء كارثية بقرارات غير محسوبة في السياسة الخارجية، كما شاهدناها في إدارة بايدن في حالتين: الانسحاب من أفغانستان وتسليمه بالكامل لطالبان، غير الجديرة بالثقة، من خلال جعل أفغانستان ملاذا آمنا للإرهابين، وتمكين النظام الإيراني بإعادة الاتفاق النووي وغض الطرف عن دعمه للجماعات والميليشيات الإرهابية.

لا يمكن أن نعتبر أي جهة جدية في القضاء على الإرهاب إن لم تتخذ هذه الخطوات، بجانب الصراحة والشفافية وعدم التغاضي عن أي خطر محتمل لأجل مكاسب سياسية، بالإضافة إلى الثبات والاتفاق على استراتيجية واحدة بين الأحزاب السياسية المختلفة في مكافحة الإرهاب، وإلا سيظل الإرهاب مستمراَ.     

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  
"هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  "

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف.