متظاهرون يحملون العلم العراقي خلال تظاهرات احتجاجية سابقة
ثمة دعاية سياسية وشعبية هائلة تقول: "مشكلتنا كامنة فقط في الهيمنة الإيرانية على البلاد"

في عراق اليوم، ثمة دعاية سياسية وشعبية هائلة تقول: "مشكلتنا كامنة فقط في الهيمنة الإيرانية على البلاد، والتحرر من تلك الهيمنة، والولاء للعراق فحسب، هو الباب المطلق للنجاة".  

بناة وأعضاء هذا الخطاب العراقي اليوم كُثر، يقودهم التيار الصدري، الذي يلاقي العديد من القوى السياسية والشعبية العراقية في نفس المكان: نُخب ثقافية ومجتمعية عراقية، شبان ثورة تشرين، والأغلبية المطلقة من الأحزاب وسياسي الطائفة العربية السُنية العراقية، من الذين يضمرون ويكبتون الكثير من نوازع النبذ تجاه إيران، ومعهم بعض التيارات السياسية "المدنية"، مثل الحزب الشيوعي العراقي.  

ينزع هؤلاء للتصريح بأن مختلف الأزمات الخانقة في البلاد، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية سببها إيران، وأن تشييد "وطنية عراقية" هي الترياق الناجي. 

يفعلون ذلك، لكن دون أن يقولوا جملة مفيدة واحدة، عما سيفعلونه بمختلف قضايا العراق، فيما لو قُيض يوماً الركون إلى وطنية عراقية ما، وأزالوا النفوذ الإيراني عن البلاد!!. 

هذه القوى المندفعة نحو "الوطنية العراقية"، وإن كانت لا تقول شيئاً عن تفاصيل ما قد تعنيه وتفعله تلك "الوطنية العراقية" مستقبلاً، إلا أن الأشياء أوضح بكثير من مجرد الصمت عنها. 

لأن مجموع هذه القوى السياسية العراقية تملك تاريخاً سياسياً وسلوكياً شديد الوضوح، لا يمكن بأي شكل أن تتجاوز تاريخها ونفسها، وتفعل غير ما كانت عليه على الدوام. كذلك لأن الوطنية العراقية نفسها، ذات سيرة في منتهى الجلاء، كانت تعيد نفسها وتطابقها كل مرة، ومطلقاً لن تفعل غير ما كانت عليه على الدوام. وحيث أن تلك "الوطنية" ما كانت يوماً إلا طيفاً من صور وتوجهات وسلوكيات حزب البعث.  

لا يعني الأمر دفاعاً عن النفوذ الإيراني، الغارق في كل أشكال السوء. لكن محاولة لتبيان انعدام الفارق القيمي والسياسي بين عراق مُسيطر عليه من قِبل جماعات عراقية موالية لإيران، وعراق آخر مُسيطر عليه من قِبل هذه الجهات المناهضة لذلك النفوذ. 

 فالفارق يكاد أن يكون معدوماً بين الطرفين، لأن الأولية بالنسبة لكليهما هو الكيانات والجيوش وأدوات القوة، وليس المجتمعات والحريات ومنظومة حقوق الإنسان وباقي أدوات الحداثة السياسية. ولأن الوطنية العراقية المنشودة هذه، هي في المحصلة مجرد أداة خطابية، تحملها قوى سياسية وميليشيات مسلحة، تسعى لفرض إرادتها وهيمنتها على الآخرين. بالضبط كما يفعل موالو إيران العراقيين، تحت مسميات نظيرة، مثل جبهة الممانعة وحماية المذهب وما إلى ذلك.   

ثمة أمثلة ومحاججات لا تحصى، تؤكد كل واحدة منها صحة هذا المنطق. 

مثلاً، لا يخبرنا التيار الصدري عما ستكون عليه "الحرية" و"الديمقراطية"، فيما لو قُيض له القضاء على نفوذ إيران، وفرض "الوطنية العراقية"!. 

ذلك التيار الذي يملك جيشاً كاملاً خارج الدولة مؤسساتها، يسيطر عبره على مدن وبلدات ومناطق، ويفرض عبره نوعية من الحياة والسلوك على مجتمعات تلك المناطق، يملك سجوناً وأدوات عقاب خاصة لكل "المتجاوزين" على أحد ما من "عائلة الصدر المقدسة"، حسبما قال زعيم التيار مقتدى الصدر في مقطع مصور مشهور، حين لقاءه ببعض المعتقلين لدى جيشه!!

ولا يخبرنا التيار الصدري عما سيتصرف به، لو ظهرت جماعة أو مؤسسة مدنية عراقية مستقبلاً، وطالبت بإجراء تحقيق شفاف حول آلاف القتلى والمختفين من أبناء الطائفة العربية السُنية، وحيث أن الاتهامات بالضلوع في تلك الجرائم تطال التيار الصدري أكثر من أي فريق آخر.  

هل يمكن لجهة من مثل هذه أن تبني وطنية عراقية ما، لا تكون شبيهة بما فعله حزب البعث تفصيلاً!، أي الوطنية التي هي مزيج من العنف وكم الأفواه وتخوين المخالفين.  

إلى جانب التيار الصدري، لا تخبرنا القوى السُنية العراقية عما تضمره وطنيتها العراقية المناهضة لإيران تجاه الجارة الأخرى تركيا!!. حيث أن هذه الأخيرة تحتل الكثير من أراضي العراق، وفي أكثر من منطقة، وتدمر البيئة الطبيعة لأكثر مناطق العراق تنوعاً وبهاء. فوق ذلك، تقصف الأراضي العراقية كل يوم، وتقتل العشرات من أبناءه المدنيين!!.  

لا تنبت القوى السياسية السُنية بأية كلمة عن كل ذلك، ويملك قادتها شبكة ضخمة من المصالح والتداخلات والعلاقات مع تركيا، تتطابق تماماً مع تلك التي يملكها أعضاء القوى العراقية الأخرى مع إيران. حتى في البيان المشترك الذي أصدرته القوتان السُنيتان الرئيسيتان في العراق عقب استهداف تركيا لعشرات السواح العراقيين ضمن أراضيهم، لم تذكر اسم تركيا قط!!. 

بذا، هل هذه الوطنية وخطابها العرمرمي هي شيء آخر غير الحجاب على أشكال التواطؤ والمبايعة، تكون الوطنية أداة لتبديل جهات النفوذ حسب الحس والولاء الطائفي، وحيث أن هذه العلاقة مع تركيا ما هي إلا استعادة لما كان يفعله نظام صدام حسين، الذي تنازل عن سيادة بلاده في أوائل الثمانينات لصالح تركيا، وأعطاها الحق بدخول واجتياح الأراضي العراقية.  

ثوار تشرين ونخب المجتمع والثقافة العراقية، إلى جانب العديد من القوى السياسية العراقية "المدنية" ليسوا بأفضل حال مع تلك الوطنية. فهؤلاء الذين يُظهرون حنجلة بالغة مع رنين عبارات الوطنية العراقية، لا يخبرون أحداً عن مواقفهم من مختلف القضايا العراقية الأكثر حساسية، والتي قد تكشف كيف أن ما يُصدرونه من "وطنية" هي في الحقيقة غمامة خطابية لما يضمرونه من مشاعر طائفية وقومية ونزعات للمركزية!.  

مثلاً: ما موقف هؤلاء جميعاً من مسألة حصار السلطة المركزية لإقليم كردستان من كل حدب!، منع الإقليم من تصدير نفطه وقطع حصته من الميزانية في الآن عينه!. ولماذا كل هذا الصمت تجاه العمليات الإرهابية التي تطال الإقليم، بالذات من الداخل العراقي!. وكيف يمكن تفسير سلوكهم وصمتهم تجاه عدم تطبيق المادة 140 من الدستور العراقي!. وماذا قالت وكيف تصرفت تلك النُخب لحظة اختيار سكان الإقليم الاستقلال عن العراق، بكل حرية وسلمية!. ومثلها أشياء كثيرة أخرى.  

هل كان مجموع هؤلاء، وطوال تلك الأحداث، والكثيرة الأخرى من مثلها، هل كانوا سوى قوى ساعية لفرض نوع من المركزية القومية والطائفية على مجموعة كبرى من سكان بلادهم، التي كان حزب البعث رائدها وأكبر مبدعيها ومطبقيها!. وتالياً أليست الوطنية فعلياً في هذا المقام هي أداتهم لفرض هيمنة ما، من جماعة عراقية ما على أخرى. وهل ذلك من شيء خلا حزب البعث!.   

لكن، لماذا الوطنية العراقية هي كذلك بالضرورة وعلى الدوام!!.  

لأن العراق ليس بلداً واحداً حقيقة، بمجتمعاته الداخلية على الأقل، التي تملك تاريخياً وديناميكيات تنبذ بعضها البعض على الدوام. وتالياً فأن الوطنية العراقية تأتي كآلة تعنيف كبرى، تسعى عبر الإرادة العنيفة تجاوز ذلك التناقض التأسيسي والدائم، لذلك تتمظهر وتستخدم أدوات البعث على الدوام.  

كذلك لأن العراق بلد صار خالياً من أدوات "الوطنية الطبيعية"، على الأقل منذ العام 1958. فمنذ وقتئذ، لم يعد في العراق فضاء عام جامع، لا برجوازية محلية تستطيع أن تتجاوز الحساسيات الأهلية بنوعية الحياة وشبكة المصالح، ولا حياة ثقافية وجامعية تخلق كلاماً عاماً، ولا أحزاب وقوى ليبرالية تعتبر الحرية وحقوق الإنسان قيمة عُليا على كل شيء. صار العراق خالياً من المنطقة الوسطى بين مجتمعاته الأولية، بين الشيعة والسُنة، والعرب والأكراد، والمسلمين والمسيحيين واليهود واليزيديين، تلك المنطقة التي خُنقت بين حوافر خيل المتصارعين وعنفهم العدمي، تلك المنطقة الوسطى التي تكون عادة مرج انبلاج الوطنية الطبيعية.  

أخيراً، لأن الوطنية شيء لا يمكنه فرضه أو حتى افتراضه من القوى والتنظيمات السياسية، هي في البلدان الأخرى نوع من الحساسية والمشاعر والمساحة الرمزية المشتركة بين أعضاء المجتمع، وليست مجموعة من الخُطب والسلوكيات التي تتبنها وتعمل عليها التنظيمات. وفي العراق ثمة الكثير الكثير من تلك التنظيمات، وتقريباً لا مجتمع.  

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  
"هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  "

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف.