متظاهرون يرددون شعارات خلال مسيرة احتجاجية ضد إطلاق سراح آسيا بيبي، امرأة مسيحية تمت تبرئتها من التجديف، في كراتشي في 9 نوفمبر 2018.
متظاهرون يرددون شعارات خلال مسيرة احتجاجية ضد إطلاق سراح آسيا بيبي، امرأة مسيحية تمت تبرئتها من التجديف، في كراتشي في 9 نوفمبر 2018.

عند مراجعة أخبار الفترة الماضية نَجد العناوين التالية: غضب المسلمين على الهند بسبب تغريدة لمسؤول هندي مُسيئة للرسول- ماكرون يُشعل غضب المسلمين- فيلم سيدة الجنّة يُثير غضب المسلمين-إعلان للكحول في أندونيسيا يُشعل غضب المسلمين- فيلم جهاد ريهاب يُشعل غضب المسلمين بعد عرضه في مهرجان صندانس- فرنسا تتسبّب بغضب المسلمين بإمام مثليّ الجنس- غضب على الغرب يجتاح العالم الإسلامي كرد فعل على فيلم براءة المسلمين- الأزهر يحذّر "الكيان الصهيوني" من غضب المسلمين- باريس هيلتون تفتتح متجراً في مكّة وتُثير غضب المسلمين- المغنّية ريهانا تتسبّب بغضب المسلمين من خلال استخدام كلمات من حديث نبوي في أغنية- مقال مُسيء للحجاب يثير غضب المسلمين في كندا- بناء كنيسة في صربيا بجانب مقبرة ضحايا مجزرة سربرنيتشا يُشعل غضب المسلمين- منح الجنسية الإسبانية ليهود سفارديم يُثير غضب المسلمين- مجلة شارلي إيبدو تؤجّج غضب المسلمين للمرة الثانية- واجب منزلي للطلاب في ألمانيا يتسبّب بموجة غضب بين المسلمين. 

ولابدّ أن تُثير كثرة هذه العناوين التساؤل حول من هي الجهة التي جعلت من نفسها ناطقةً باسم جميع المسلمين ولماذا تبحث وتتصيّد أي تصرّف من الممكن تأويله وكأنه ينطوي على إساءة للمسلمين لتقوم بتضخيمه ونشره بشكل يجعل المسلم يشعر بالإهانة، ورغم هذا الغموض لكن لابد من الاعتراف بأن هذه الجهات قد نجحت في تحقيق هدفها وجعلت نسبة كبيرة من المسلمين يشعرون بالغضب بشكل يفوق جميع الشعوب والديانات، فقد احتجّ الفاتيكان مثلاً على بعض التصرّفات أو القرارات ولكنّ ذلك حصل بشكل نادر واقتصر على الطرق الدبلوماسية والقانونية المعروفة من دون الدعوة إلى مظاهرات أو إلى مُعاقبة أو قتل صاحب هذا التصرف أو القرار.

وتُساعد قصّة الشاب اللبناني الذي حاول اغتيال الروائي سلمان رشدي في فهم كيف يتمّ الترويج لمشاعر الغضب وثقافة الكراهيّة بين المسلمين إلى درجة أن يقوم شاب في مُقتبل العمر وبانتظاره حياة مديدة بالتضحية بنفسه في سبيل الانتقام من رجل تجاوز الخامسة والسبعين من العمر ولم يتبقّى أمامه الكثير، رُغم أن الشاب وحسب إفادته لم يقرأ سوى عدّة صفحات من رواية آيات شيطانيّة أي أن هناك من أعطاه خُلاصتها جاهزة بطريقة تضمن إغضابه.

وقد إرتبط هذا الغضب مع تديّن الشاب، فقد قالت والدته في مقابلة مع صحيفة أمريكية أن إبنها كان هادئاً ومحبوباً من الجميع إلى أن سافرَ إلى جنوب لبنان قبل أربعة أعوام وبدَل أن يعود متحمّساً لإنهاء دراسته والحصول على عمل عاد إنطوائياً ومتديّناً ويُعاني من كآبة، بحيث إستقلّ لوحده في الطابق الأرضي الذي أصبح يقضي فيه أشهراً دون أن يُحادث أحداً ويطبخ طعامه بمفرده ولم تكن له صديقة، وكان غاضباً من أمّه لأنها ركّزت على دراسته بدل تعليمه للإسلام وهو صغير. 
 
أي أن هذه الأم قد شرحت بإسلوبها البسيط ما الذي يحدُث عندما يتمّ تلقين المُسلم هذا النمط من التديّن المتشدّد، إن كان من ناحية الغضب وكراهيّة المُختلف أو من ناحية الابتعاد عن كلّ ما يُدخل البهجة إلى القلب، أو من ناحية التقليل من أهميّة العلم، أو من ناحية عدم الاعتماد على العقل في الحكم على الأمور بل تلقّي "موقف الإسلام" جاهزاً من رجال الدين على شكل فتاوى شرعيّة عليه قبولُها وطاعتها دون نقاش. 

وحالة هذا الشاب ليست حالة فرديّة بل يمكن مشاهدتها عند قراءة آلاف التعليقات على محاولة اغتيال سلمان رشدي على مواقع التواصل الأجتماعي والتي أشادت بهذه المحاولة واعتبرت ما تعرّض له سلمان رشدي جزاء عادلا لأنه اعتدى حسب زعمهم على الرسول والقرآن، كما رحّبت صُحف عديدة بمحاولة الاغتيال وهنّأت المنفّذ مثل صحيفة كيهان الإيرانية التي قالت "مبروك لهذا الرجل الشجاع الذي هاجم المُرتد سلمان رشدي…ولنقبّل يدَ من مزّق رقبة عدوّ الله بسكين"!، وهُناك تسجيلات على يوتيوب لإسلاميين سنّة لم تختلف كثيراً عن الإعلام الإيراني لأن الفُروق لا تُذكر في ثقافة الكراهيّة ومشاعر الغضب بين الإسلام السياسي السنّي والشيعي، كما صمت الأزهر كعلامة رضى عن هذا الاعتداء وصمتَت معه الحكومات العربية فلم يصدر استنكار لهذا الاعتداء من أي دولة عربية بينما استنكره رؤساء أميركا وبريطانيا وفرنسا وأستراليا. 

ولم تقتصر التعليقات المليئة بمشاعر الكراهيّة على حادثة الاعتداء على سلمان رشدي، بل ظهرت تعليقات لا تَحمل تعاطُف مع ضحايا حادثة حريق كنيسة حيّ أمبابة في القاهرة وهم 41 شخصاً بينهم 15 طفلاً، بل ركّزت بعض هذه التعليقات على عدَم جواز طلب الرحمة لغير المسلم، وهي فتوى غريبة شرحها موقع صيد الفوائد الإسلامي بهذه الطريقة المباشرة: "الترحّم على غير المسلم يُناقض العقيدة ويصادم القرآن، ومن المسلمين من يذهب إلى الترحّم على غير المسلم بداعي إظهار أن الإسلام هو دين الرحمة لإرضاء أتباع الديانات الأخرى وهم مُخطئون في ذلك فالترحّم على غير المسلم لا يجوز بإجماع العلماء".

واستند الموقع في فتواه هذه بشكل رئيسي على الآية "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قُربى من بعد ما تبيّن لهم أنهم أصحاب الجحيم"، وصحيح أن هذا الكلام من القرآن ولكنّ تفسيره بأنّ المسيحيّين هُم المقصودون وبأنهم مُشركين ومن أصحاب الجحيم هو من فعل رجال الدين، وإذا كان من غير المُستغرب أن يسيرَ الأزهر مع هذه الفتوى بسبب قيادته الحاليّة التي تعتبر أي إعادة نظر في تفسيرات العصور الوسطى خروجاً على الدين، ولكنّ الغريب أن كافّة أجهزة الدولة المصرية قد سارت حسب هذه الفتوى في تعزيتها بضحايا الكنيسة حيث لم يطلب أي منهم الرحمة للضحايا بما فيهم قيادة الجيش المصري والرئيس السيسي "حسب ما كتب الصحفي حافظ الميرازي"، وهذا لا يُمكن قبوله في أي دولة مدنيّة حديثة لأنها بذلك تفرّق بين مواطنيها على أساس ديني. 

ويقوم الإخوان المسلمون كذلك عبر محطّاتهم بالترويج لثقافة الكراهية، وينتظرون أي تصرّف أو قرار يرون فيه تحامُلا على أحد المسلمين ليستغلّوه في شحن مشاهديهم، ويبدو أن السبب الرئيسي لقيامهم بذلك أن هذا التنظيم قد انكشف أمره بأنّه لا يملك برنامجاً سياسياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً للحكم قابلاً للتطبيق، فلم يبقَ أمامه سوى الاستثمار في مشاعر الكراهية لتجنيد الأتباع، ونتيجة تعاون الأزهر والإخوان انتشر الغضب بشكل غير مسبوق في المجتمع المصري مثلما هو الحال في المجتمع الباكستاني والأفغاني، فغابت السعادة عن الوجوه وارتفعت أعداد الجرائم والمشاجرات والحوادث، وكأنّ هُناك علاقة طرديّة بين سيطرة الإسلاميين على أي مجتمع وبين انتشار الغضب فيه. 

ولكن في المُقابل هناك إسلام "نوسانتارا" في جنوب شرق آسيا التي يعيش فيها مئات ملايين المسلمين في أندونيسيا ماليزيا سنغافورة الفلبين جنوب تايلاند وبروناي، ويقول إسلام نوسانتارا أنه "يتسامح في تطبيق الأحكام الدينية ويتصالح مع الحضارة الغربية ولا يُطالب بإقامة الدولة الإسلامية التي تطبّق الشريعة ويرفض إطلاق صفة الكافر على المختلف لأنه في الدولة الحديثة لا يوجد سوى مواطنين". 

كما يقول أتباع هذا الإسلام إنهم يتصدّون للممارسات المتشدّدة التي أطلقوا عليها اسم إسلام العرب أو إسلام الشرق الأوسط، وقال الرئيس الأندونيسي الحالي أن "الإسلام الأندونيسي ليس هو الإسلام الغاضب بل المُتسامح"، ولكن يبدو أن هذا الإسلام لم ينل رضا شيخ الأزهر أحمد الطيب فقد انتقده ورأى فيه هُجوما على العرب، وقال "لا يصحّ إيمانكم حتى تحبّوا هذا العربي "النبي محمد" أكثر من أنفسكم ومن أبنائكم، الله اختار العرب لكي يقوموا بهذه المهمّة، ولولا مجيء العرب ربّما كنتم حتى الآن مذهباً من المذاهب التي تتعارض مع الحق"!، ورُغم ما يحمله هذا الكلام من عنصريّة وإهانة لمعتقدات الشعوب الأخرى، لكن يتم تسويقه في مصر كتعبير عن الإسلام المعتدل!. 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.