Supporters of Iraqi populist leader Muqtada al-Sadr gather during a sit-in at the parliament building, amid political crisis in Baghdad
الصدر ورث شعبية واسعة من والده المرجع محمد محمد صادق الصدر الذي قتله النظام السابق عام 1999

تنفس العراقيون وشعوب المنطقة الصعداء بعدما أخمد زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر ما بدا أنها حربا داخلية توشك أن تأخذ العراق بعيدا في طريق التشظي والتناحر الأهلي.

لكن هل يمكن القول إن المشكلة قد انتهت عند هذا الحد؟ وهل سنشهد شيئا من الاستقرار السياسي المدعوم بحوار ونقاش بين مختلف الفرقاء سواء من الكتل الحزبية أو الميليشيات المسلحة التي باتت جزءا رئيسيا من المشهد السياسي في العراق؟

يصعب قول ذلك حتى وفق أكثر التحليلات تفاؤلا.

الواقع أن الأسوأ ربما يكون أمام العراقيين وليس خلفهم. وأن ما جرى قد يشجع من يرى في نفسه القدرة على المغامرة على الاستزادة من العدة والعتاد حتى تحين الفرصة، وذلك بالنظر الى السهولة النسبية التي تمت بها عملية اقتحام أنصار مقتدى الصدر للمنطقة الخضراء وسيطرتهم على القصر الجمهوري وحصارهم لمبنى البرلمان.

والواقع أن المزاج الشعبي العراقي ورغم مرور قرابة 20 عاما لا يبدو أنه قد استساغ "الديمقراطية" ومؤسساتها، وهو يبدو كمن لا يزال يبحث عن زعيم قوي يتمتع بالكاريزما ويستطيع أن يوحد العراقيين ويوفر لهم، وإن شكليا ووقتيا، ما يحتاجونه من دعم معنوي ومادي. 

هذا على الأقل ما تدل عليه الطريقة التي يقود بها الصدر أتباعه سواء حثهم على الخروج للشارع أو دعاهم إلى العودة منه.

إن استجابة هؤلاء وهم بالملايين للصدر واستعدادهم للتضحية بأنفسهم في سبيله تكشف عن حجم التوق إلى مثل هذا الزعيم رغم أن الصدر نفسه لا يمتلك الكثير من مواصفات الزعامة!

وهذا النزوع لا يقتصر على العراق وحده، بل هو موجود أيضا في بعض المجتمعات حول العالم، وفي مجتمعاتنا الناطقة بالعربية يمكن أن نلحظ بوضوح كيف تكرس الثقافة السائدة الحاجة إلى الزعيم القوي الذي تسير خلفه الجماهير وتهتف باسمه وتموت من أجله، وفي الأزمات تحمله جميع مشاكلها ومآسيها وصولا الى الثورة عليه وإسقاطه. بالضبط كما كان بعض الأعراب يفعلون قديما – بحسب ما يحكى عنهم - إنهم كانوا يصنعون تماثيل من التمر يتقربون بها إلى الله ثم إذا جاعوا أكلوها.

والواضح أن السياسيين العراقيين يدركون حاجة مواطنيهم إلى زعيم، ولكن لا أحد منهم يملك الجرأة للتقدم وأخذ زمام المبادرة والسيطرة على الوضع. وسبب ذلك فيما أعتقد أنهم يعلمون بأن هذا الطريق لا مستقبل له.

إن أيا منهم لن يكون مثلا في مستوى بطش وإجرام صدام حسين، وأيا منهم لن يتمكن من إنشاء أجهزة عسكرية وأمنية مثل الحرس الجمهوري وفدائيي صدام وجيش القدس وغيرها من أجهزة القمع ومع ذلك فقد ضاقت الأرض بصدام حتى انتهى به الأمر طريدا ومختبئا في جحر تحت الأرض حيث عثر عليه واعتقل وأعدم. 

لذلك فهم يفضلون أن يحكموا، ولكن من خلال الشراكة مع الآخرين وفي إطار معقول مما يتعارف عليه العالم بالانتخابات وما شابه ذلك.

فهذا رغم أنه لا يمنحهم السلطة المطلقة، لكنه يوفر لهم غطاء شرعيا للحكم والحصول على الامتيازات ويمنع منتقديهم من الذهاب إلى حد الطعن في شرعيتهم.

بيد أن ذلك كي يحدث بصورة طبيعية أو يكتسب جدية حقيقية، كان يفترض بهؤلاء السياسيين بمختلف طوائفهم وانتماءاتهم، أن ينشغلوا أيضا بتحويل العراق من مجرد مفهوم أو تصور إلى دولة حقيقية، لكن تبين أنهم بعيدون عن ذلك. وقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن الدولة العراقية لا تزال مجرد مشروع لم يكتمل. وفي ظل غياب الدولة يظل الاستقرار والأمان أمران بعيدان المنال. ويصبح النزوع الجماهيري نحو الزعيم أو الديكتاتور نزوعا متجددا.

ولا يتحمل السياسيون الحاليون وحدهم هذه المسؤولية. الواقع أن الدولة العراقية ومنذ إنشائها على يد البريطانيين في عام 1921 تعرضت إلى ضربات كبيرة ابتداء من تمرد العشائر إلى انقلاب عبد الكريم قاسم على الملكية وحتى عهد صدام حسين الذي حولها إلى جهاز تحت إدارته وتصرفه الشخصي.

وقد حاولت الولايات المتحدة في عام 2003 وما تلاه أن تعيد بناء الدولة العراقية ومؤسساتها على أسس حديثة، لكن تبين أن الأمر ليس بهذه السهولة، إذ لا تكفي القوانين أو النوايا الطيبة وحدها لتحقيق ذلك، وإنما بحاجة إلى وقت وإلى نخب سياسية ومجتمعات تؤمن بأهمية وجود الدولة وتخضع لها وتعمل على حمايتها، بدلا من العشيرة أو الطائفة، ويبدو أن مجتمعاتنا العربية عموما تتحرك ببطيء شديد في هذا الاتجاه.    

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس
صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس

ينتهي عام 2022 وهو حافلٌ بالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. فمن تظاهرات إيران إلى مونديال قطر والتقارب الخليجي-الصيني-الأوروبي على وقع غرق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في أوكرانيا، كان هذا عام انقلابي ومن نوعٍ آخر.

عموماً، التغييرات الجيوسياسية التي شهدناها في 2022 أولها تخبط روسيا في أوكرانيا، ومغازلة الخليج للصين إنما دون إيجاد بديل أمني لأميركا، من المتوقع أن تستمر العام المقبل. فلا بوتين على وشك الخروج من مستنقع أوكرانيا ولا الصين بأعبائها الصحية والاجتماعية اليوم قادرة على استبدال واشنطن في قيادة العالم.

الملفات التي قد تشهد حركة العام المقبل سواء سلباً أو إيجاباً هي إيران وسوريا وفي شكل مترابط ومنفصل.

إيران كان عامها المنصرم عام خضات وتحولات سياسية غير مسبوقة منذ نشأة الجمهورية الإسلامية في 1979. فمدة التظاهرات والتي تخطت المئة يوم، ويحيطها حالة من الرفض الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لثوابت النظام، هي الأطول التي تواجه القيادة الإيرانية. وتتقاطع التظاهرات مع هزات أخرى  تواجه النظام، أولها الوضع الاقتصادي وتراجع الريال الإيراني إلى مستوى تاريخي (432 مقابل الدولار) على وقع الفساد والعقوبات والانقسامات داخل الدائرة المالية الحاكمة. يضاف إلى ذلك الأسئلة حول المرشد الأعلى، علي خامنئي، ومن قد يخلفه في الحكم في هذا الظرف.

الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، غير قادر على إسكات التظاهرات أو التعامل مع الأزمة الاقتصادية أو مخاطبة الخارج، فيما، مجتبى خامنئي، نجل المرشد، سيعني تفاقم المواجهة مع الغرب وزيادة نفوذ الحرس الثوري.

الخضات الإيرانية ستزيد من ارتجاجات الإقليم، وتمسك طهران بأوراق العراق ولبنان واليمن والمكاسب الميليشياوية والمالية فيهم.

أما سوريا وهي الحلقة التي تشهد تطورات ملفتة دوليا وإقليميا، فقد تبني على هذه الظروف لاستنباط واقع مختلف في 2023. هذه العوامل التي قد تفسح لحراك ديبلوماسي في سوريا العام الجديد هي كالتالي:

تركيا.. التقارب التركي-الروسي حول الملف السوري وبحكم مصالح مشتركة بينهما مثل كبح نفوذ واشنطن وإضعاف الأكراد في الشمال، قد يؤدي إلى صفقة بين الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وبشار الأسد. فإردوغان أبدى استعداده للقاء ثلاثي مع الأسد وبوتين وفي تراجع سيكون الأكبر له إقليميا في حال تم العام المقبل. حسابات إردوغان هنا هي سياسية واقتصادية وانتخابية قبل فتح صناديق الاقتراع في تركيا في يونيو المقبل. هكذا مصالحة بين إردوغان والأسد تفيد دمشق اقتصاديا أيضا وفي حال إعادة فتح السوق التجاري بين الجانبين.

أميركا.. العام 2022 رسخ رفع أميركا الفيتو عن الأسد، فالدعوات لإخراجه من الحكم توقفت والمسؤولون الأميركيون يتحدثون عن استقرار الوضع في سوريا، وانخفاض أعمال العنف ولا ينفون اتصالات مع النظام حول الرهائن الأميركيين. هذا لا يعني أن واشنطن سترفع العقوبات عن الأسد، إنما لا يبدو أن أميركا بوارد الاعتراض على حراك ديبلوماسي هناك.

عربيا، أفضت 2022 بانفتاح أكبر على النظام من زيارة الأسد إلى الإمارات، إلى استئناف عمان طيرانها إلى دمشق. الأردن بدوره يعول على دور أكبر للدول العربية ولروسيا لحشر إيران، هذا الرهان صعب ومعقد بسبب النفوذ الإيراني في سوريا، وبسبب هزات إيران، فهناك فرصة أمام بشار الأسد لإعادة بعض التوازن الذي برع به والده إقليميا بدل أن يحول سوريا إلى محافظة إيرانية.

كل ذلك يرجح حراكاً ديبلوماسياً في الملف السوري على وقع ارتجاجات إيران وانفتاح إردوغان على دمشق من باب موسكو. فهل يستفيد بشار الأسد من الفرصة أو يهدرها كما أهدر رصيد والده منذ العام 2000 وحتى اليوم؟