وليد فيّاض وهكتور حجّار خلال رمي الحجارة باتجاه إسرائيل
وليد فيّاض وهكتور حجّار خلال رمي الحجارة باتجاه إسرائيل

كان يُمكن لابتسامة عابرة أن تكفي للتفاعل مع اللقطات المصوّرة لوزيرين لبنانيين، وهما يتباريان كمراهقَيْن في رشق الجانب الإسرائيلي من الحدود اللبنانية، بالحجارة، يوم الثلاثاء الماضي، ولكنّ المسألة أخذت أبعادًا أكثر عمقًا وتركت آثارها السّيّئة على "المشاهدين". 

من البديهي، في ظلّ نهج "استغباء" الرأي العام اللبناني، أن يعتبر "أبناء محور الممانعة" ردّات الفعل السلبية التي قوبل بها "السلوك الحجري" لوزيري الطاقة والشؤون الاجتماعية في حكومة تصريف الأعمال وليد فيّاض وهكتور حجّار، نوعًا من أنواع "العمالة" لإسرائيل، ولكنّ المسألة، في حقيقتها الموضوعيّة، أعمق من ذلك بكثير. 

إنّ الوزيرين اللبنانيين بما فعلاه لم يكونا يُسجّلان موقفًا سياسيًا يعبّر عن قناعة راسخة لديهما، بقدر ما كانا يُقدِمان على فعل "استرضائي" لـ"حزب الله" الذي استدعاهما الى جنوب لبنان، في سياق محاولة الترويج الحثيثة لنظرية هدفها نسب الفضل في حصول لبنان على أيّ حق يمكن أن يحصل عليه من المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل التي تتولّاها الولايات المتحدة الأميركية، إلى سلاحه المطلوب "تأبيده". 

وهذان الوزيران اللذان بدوَا في غاية الإنشراح، وهما يرميان الحجارة، لم يكونا وحدهما في زيارة الجنوب، إذ رافقهما وزراء آخرون لم يُقدموا على الفعل نفسه. 

الوزراء الآخرون لم يكونوا بحاجة الى توكيد ولائهم ل"حزب الله"، إمّا بسبب انتمائهم الى قوى محور الممانعة أو لعدم رغبتهم في استجداء رضى على جناح سلوك "صبياني"، لكنّ هذه ليست حالة فيّاض وحجّار اللذين أظهرا أنّهما، بفعل تمثيلهما "التيّار الوطني الحر" المنتقل من " نقمة العمالة" إلى "نعمة المقاومة"، يحتاجان الى "معمودية الحجارة". 

وهذا البعد "الإسترضائي" يكفي وحده ليثير الإشمئزاز، في بلد أرهقت المزايدات العقيمة غالبية شعبه. 

ويعرف اللبنانيون أنّ هذا السلوك المراهق في التعاطي اللبناني مع إسرائيل لا قيمة تُذكر له، حتى على المستوى المعنوي، لأنّ العداء لإسرائيل، من جهة أولى ليس موضوع نقاش في لبنان حيث يُسلّم به الجميع لأسباب موضوعيّة هنا ولأسباب "عقائديّة" هناك، ولأنّ مواجهة إسرائيل، من جهة ثانية، ليس ب"حجارة اللهو" بل ب"صواريخ الموت" لا تُعيد أيّ حق متنازع عليه بل تَزيد التعقيدات مأساويّة، وفق ما انتهت إليه حرب تموز/ يوليو 2006 التي اختصر الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله المعاناة منها بعبارة واحدة، حين قال في تقييم العملية التي قام بها حزبه وراء الخط الأزرق وتسبّبت بدمار مذهل: لو كنتُ أعلم، لما أقدمت على ما أقدمت عليه! 

ولبنان، في هذه المرحلة، وخلافًا لما كانت عليه حاله سابقًا، لم يعد يحتمل إقحامه في "مسرحيات هزليّة" لأنّ الكوارث المتراكمة فوق كاهله أعظم من أن تتيح المجال أمام وزراء يحملون شجون أثقل الملفّات ليتصرّفوا بخفّة متاحة فقط  لوزراء في جمهوريات "لالا لاند". 

إنّ رجم إسرائيل، حتى لو جرى التسليم بسذاجة "البعد الرمزي"، يحتاج ليحصد الحدّ الأدنى المعقول من "المقبولية الشعبية" إلى أن يتمتّع "الراجم" بميزات النجّاح، فيما سبق أن عُهد إليهم من ملفّات. 

وهذه ليست حال وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال وليد فيّاض الذي كان يتفاخر بإصابة الجدار الإسمنتي الحدودي، أمام المصوّرين، على زميله هكتور حجّار "المتواضع بفشله" في "كسب التحدّي"، إذ إنّ أكبر نجاح سجّله فيّاض، مؤخّرًا كان في "اجتراحه معجزة" توفير التيّار الكهربائي لمدّة ساعة واحدة في اليوم الكامل. 

وبشهادة جنوبية، في الذكرى السنوية لاختفاء الإمام موسى الصدر، من نبيه برّي، رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي ورئيس "حركة أمل" التي تعتبر "الشقّ التوأم" ل"حزب الله"، فإنّ مأساة الكهرباء لا تعود الى ما يصدح به "حزب الله" بمؤازرة "التيّار الوطني الحر" عن حصار أميركي مزعوم، بل إلى عدم قيام وزارة الطاقة، والفريق السياسي الذي يقف خلفها، بواجبهما الذي يبدأ من تعيين هيئة ناظمة مستقله لقطاع الكهرباء، وفق منطوق القوانين المرعيّة الإجراء. 

وبهذا المعنى لو أنّ فيّاض، بدل اللهو بالحجارة على الحدود الجنوبية" أتمّ واجباته الكهربائية، لكان لبنان قادرًا على توفير الحدّ الأدنى الذي يعينه على مقارعة إسرائيل التي يتمتّع سكانها بالكهرباء والماء والهواء والبنزين والمازوت والغاز وفرص العمل والعملة القويّة والمصارف العاملة والودائع المحصّنة والإستثمارات المتدفّقة والمستشفيات الناشطة والمعامل المنتجة والمرافئ المنافسة والأدوية الوفيرة. 

وفيما كان فيّاض وحجّار يلهوان على الحدود الجنوبية، كانت البلاد تبكي ضحايا حوادث السير الناجمة عن طرق هجرها الأمان، وتتابع أخبار السجناء الذين قتلهم الإهمال المتمادي، والمستشفيات التي هجرتها طواقمها الطبيّة، والمرضى الذين يميتهم عدم توافر دوائهم، والخدمات المفقودة على كلّ المستويات، والإنتفاضات المتنقّلة من منطقة الى أخرى حاملة غضب شعب رُمي به إلى ما دون خطّ الفقر، واستحقاقات دستوريّة باتت جاذبة للمآسي بدل أن تكون ولّادة الرجاء! 

إنّ المشهديّة الحجرية في الجنوب، أظهرت حقيقة مرّة عن طبقة حاكمة بدل أن تكتشف المعادلة الكيميائية التي تحوّل الحجارة الى ذهب جهدت في اكتشاف المعادلة العكسية التي حوّلت كلّ نفيس في لبنان الى حجر لم يعد يصلح إلّا لرميه على الجدار الإسمنتي الذي كانت إسرائيل قد بنته حتى لا ينتقل إليها "فيروس" العبقريّة اللبنانية! 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس
صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس

ينتهي عام 2022 وهو حافلٌ بالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. فمن تظاهرات إيران إلى مونديال قطر والتقارب الخليجي-الصيني-الأوروبي على وقع غرق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في أوكرانيا، كان هذا عام انقلابي ومن نوعٍ آخر.

عموماً، التغييرات الجيوسياسية التي شهدناها في 2022 أولها تخبط روسيا في أوكرانيا، ومغازلة الخليج للصين إنما دون إيجاد بديل أمني لأميركا، من المتوقع أن تستمر العام المقبل. فلا بوتين على وشك الخروج من مستنقع أوكرانيا ولا الصين بأعبائها الصحية والاجتماعية اليوم قادرة على استبدال واشنطن في قيادة العالم.

الملفات التي قد تشهد حركة العام المقبل سواء سلباً أو إيجاباً هي إيران وسوريا وفي شكل مترابط ومنفصل.

إيران كان عامها المنصرم عام خضات وتحولات سياسية غير مسبوقة منذ نشأة الجمهورية الإسلامية في 1979. فمدة التظاهرات والتي تخطت المئة يوم، ويحيطها حالة من الرفض الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لثوابت النظام، هي الأطول التي تواجه القيادة الإيرانية. وتتقاطع التظاهرات مع هزات أخرى  تواجه النظام، أولها الوضع الاقتصادي وتراجع الريال الإيراني إلى مستوى تاريخي (432 مقابل الدولار) على وقع الفساد والعقوبات والانقسامات داخل الدائرة المالية الحاكمة. يضاف إلى ذلك الأسئلة حول المرشد الأعلى، علي خامنئي، ومن قد يخلفه في الحكم في هذا الظرف.

الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، غير قادر على إسكات التظاهرات أو التعامل مع الأزمة الاقتصادية أو مخاطبة الخارج، فيما، مجتبى خامنئي، نجل المرشد، سيعني تفاقم المواجهة مع الغرب وزيادة نفوذ الحرس الثوري.

الخضات الإيرانية ستزيد من ارتجاجات الإقليم، وتمسك طهران بأوراق العراق ولبنان واليمن والمكاسب الميليشياوية والمالية فيهم.

أما سوريا وهي الحلقة التي تشهد تطورات ملفتة دوليا وإقليميا، فقد تبني على هذه الظروف لاستنباط واقع مختلف في 2023. هذه العوامل التي قد تفسح لحراك ديبلوماسي في سوريا العام الجديد هي كالتالي:

تركيا.. التقارب التركي-الروسي حول الملف السوري وبحكم مصالح مشتركة بينهما مثل كبح نفوذ واشنطن وإضعاف الأكراد في الشمال، قد يؤدي إلى صفقة بين الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وبشار الأسد. فإردوغان أبدى استعداده للقاء ثلاثي مع الأسد وبوتين وفي تراجع سيكون الأكبر له إقليميا في حال تم العام المقبل. حسابات إردوغان هنا هي سياسية واقتصادية وانتخابية قبل فتح صناديق الاقتراع في تركيا في يونيو المقبل. هكذا مصالحة بين إردوغان والأسد تفيد دمشق اقتصاديا أيضا وفي حال إعادة فتح السوق التجاري بين الجانبين.

أميركا.. العام 2022 رسخ رفع أميركا الفيتو عن الأسد، فالدعوات لإخراجه من الحكم توقفت والمسؤولون الأميركيون يتحدثون عن استقرار الوضع في سوريا، وانخفاض أعمال العنف ولا ينفون اتصالات مع النظام حول الرهائن الأميركيين. هذا لا يعني أن واشنطن سترفع العقوبات عن الأسد، إنما لا يبدو أن أميركا بوارد الاعتراض على حراك ديبلوماسي هناك.

عربيا، أفضت 2022 بانفتاح أكبر على النظام من زيارة الأسد إلى الإمارات، إلى استئناف عمان طيرانها إلى دمشق. الأردن بدوره يعول على دور أكبر للدول العربية ولروسيا لحشر إيران، هذا الرهان صعب ومعقد بسبب النفوذ الإيراني في سوريا، وبسبب هزات إيران، فهناك فرصة أمام بشار الأسد لإعادة بعض التوازن الذي برع به والده إقليميا بدل أن يحول سوريا إلى محافظة إيرانية.

كل ذلك يرجح حراكاً ديبلوماسياً في الملف السوري على وقع ارتجاجات إيران وانفتاح إردوغان على دمشق من باب موسكو. فهل يستفيد بشار الأسد من الفرصة أو يهدرها كما أهدر رصيد والده منذ العام 2000 وحتى اليوم؟