متظاهرون يحملون العلم العراقي خلال تظاهرات احتجاجية سابقة

كوني عراقيا، وأسكن في بغداد، وأعيش لحظات الخوف والترقّب التي عاشها أغلب العراقيين في ليلة 30 آب، والتي من الممكن أن نسميها بحرب أهلية لمدة 24 ساعة، وفي رقعة جغرافية محددة، هي المنطقة الخضراء! لذلك، كان من المفترض أن أكتب عن هذا الحدث المهم وتداعياته المستقبلية في العراق. لكن نقل الحدث مباشرة من قبل الفضائيات قد جعله يشبع تحليلا وتفسيرا، وقد تابع ذلك أغلب العراقيين، والمهتمين بالشأن العراقي، الذين جلسوا حتى الفجر يتابعون الأخبار والتحليلات التي تنقل الأحداث أولا بأول وببث تلفزيوني مباشر.  

لذلك أجد من الضرورة التفكير في مناقشة المأزق الحقيقي للصراع الشيعي-الشيعي على السلطة والنفوذ، بدلا من مناقشة الحدث السياسي الذي هو نتاج طبيعي لذلك المأزق. فقبل حادثة الصدام المسلّح بين الفرقاء الشيعة على أسوار المنطقة الخضراء نجد المشكلة أكثر تعقيدا عندما يتمّ تغليف الصراع السياسي على أنه صراعٌ بين الفوضى والفساد، كما حاولت أن تشرحه إحدى الشخصيات الدينية الشيعية التي لديها حضور إعلامي عندما قال: (يدور الأمر عندنا بين أن نعيش في الفساد أو نعيش في الفوضى. الجواب هو الفساد، لأنَّ الفوضى تعني أن لا أحد يسلم على أمواله أو عرضه أو حياته ... الخيار بين فاسد وأفسد، الفاسد هو الفساد، والأفسد هو الفوضى، والإنسان العاقل لا يذهب إلى الحالة الأفسد حتى يتخلص من فاسد). 

لذلك، أعتقد أنَّ الخطورة في التفكير السياسي الشيعي الذي يريد أن يبرر الواقع الحالي، وأن يصرف الأنظار عن أساس المشكلة بالعودة إلى مقولات فقهية واستدلالات كلامية تقليدية، تتقاطع مع تطور مفهوم الدولة والنظام السياسي. فالموضوع ليس تفضيليًا بين المهمّ والأهم، وإنما هو أشبه بالحلقات المترابطة، فالفساد لم يعد فساد الحاكم فحسب، وإنما هو فساد النظام السياسي.  

أعتقد أنَّ محنة الشيعة مع الدولة لا تزال مستمرة، وقضية الحكم الشرعي بشأن فساد الدولة ونظامها السياسي يجب أن لا يقتصر على استدلالات الفقه التقليدي، ولعلّ خير استدلال على تلك القطيعة هو فتاوى أموال الدولة باعتبارها مجهولة المالك! لأنَّ قطيعتهم مع الدولة جعلت موضوع فسادها من القضايا اللامفكَّر فيها، في حين هي اليوم تُعدّ من القضايا التي توصَف فقهياً بأنّها مورد ابتلاء.  

وأرى أنَّ المأزق السياسي الشيعي في العراق هو امتداد لخلل في العلاقة المأزومة مع الدولة، وبما أن الإسلام السياسي هو التيار المهيمن على المجال السياسي في العراق منذ 2003، فإنَّ ما يشهده النظام السياسي العراقي من أزمات تعود في أغلبها إلى الانتقال من المعارضة إلى الحكم من دون أن ينعكس ذلك على مراجعات فكرية تعيد الاعتبار للدولة والعلاقة معها!  

تلك العلاقة المأزومة بين الفقه التقليدي الشيعي والدولة، انعكست في إنتاج نظام حكم فشل في تحقيق الاندماج السياسي، لأنّه لم يتمكّن من تجاوز مشكلة التعارض الذهني بين تصور الناس للرابطة الاجتماعية التي تجمعهم من جانب وتصورهم للدولة من جانب آخر. وفي هذه الحالة فإنَّ الدولة تمثّل كائناً غريباً عنهم، يفرض نفسَه عليهم دون رغبتهم، إنّها بصورة ملخّصة شيء آخر غيرهم.  

كان توجّه مرجعية السيد السيستاني نحو إعادة الاعتبار للدولة من خلال الفتاوى التي أطلقها بشأن المرتكزات العامة لبناء دولة المؤسسات، بالدعوة إلى ضرورة وجود دستور دائم تكتبه هيئة سياسية منتخبة، وتأكيده على أنّ الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة لمنح الحكومة الشرعية. لكن الاهتمام بتلك المرتكزات وإهمال الطبقة السياسية التي تحمل مشروع بناء الدولة كان خطأ استراتيجيًا اتضحت ملامحه بتقادم الممارسة السياسية.  

لم تنجح أيّ أمة من الأمم التي مرّت بأزمات الحروب والتغيير السياسي والانتقال في نظام الحكم، إلا بوجود طبقة سياسية حاكمة تتحمّل مسؤولية إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وتعمل على ترسيخ الدور الوظيفي للشرعية السياسية. والتي يُشبهها عالم السياسة الأميركي غابرييل الموند بالروح التي تسري في كل مفصل من مفاصل العلاقة التفاعلية بين المجتمع والدولة، فتضمن كفاءة النظام السياسي في العمل ومتانته في مواجهة التحديات.  

لذلك، بدلا من أن تكون مهمّة القوى السياسية الشيعية ترسيخ فكرة العمل من أجل ترسيخ فكرة الدولة في أذهان الجمهور الشيعي، وجدناهم قد أصبحوا هم الحكّام الرئيسين فيها، وأنهم على العكس من ذلك حريصون على تأسيس منظومة حكم وظيفتها تقاسم مواقع السلطة والنفوذ والموارد الاقتصادية بين الزعامات السياسية وحاشيتها. ومن ثمَّ، نجحت تلك الزعامات في ترسيخ الخلافات والانقسامات بين الجمهور السياسي الشيعي على أساس الولاء لهذا الزعيم أو ذاك، فهم ألغوا تماما فكرة الارتباط مع الدولة، وحولتهم إلى جمهور زبائني مهمتهم الرئيسة متابعة الأوليغارشيات السياسية الشيعية. وبالنتيجة انقسم الجمهور السياسي الشيعي، وبات يعبّر عنه بانقسام سياسي يرتكز على ثنائية السياسة والسلاح، ويحاول أن يشرعن وجوده السياسي بعنوان "نحن" بدل "هم"، ويعبّر عن صراع الولاءات الخارجية في مقابل المصلحة والانتماء الوطني. 

خطورة الصراع السياسي الشيعي في العراق، تكمن في تهديده أهمّ معاقل الرفض لأنموذج الحكم السياسي-الديني القائم على أساس نظرية ولاية الفقيه، والتي كان لمرجعية السيد السيستاني الدور الأكبر في مواجهة الايدولوجيات والارتباطات العقائدية التي تريد أن يكون العراق محكوماً وفقًا لتلك النظرية. لكن غياب المشروع السياسي الشيعي في العراق، المرتبط بدولة المؤسسات والمواطنة هو الخطر الحقيقي الذي يجب الالتفات إليه والتركيز على خطورته في الأيام القادمة. ولا يمكن أن ينجح أيّ مشروع سياسي من دون أن تكون هناك قيادة سياسية تبدأ أولاً بفكّ ارتباطها بمنطقة التفكير التقليدي المأزوم بالدولة، ومغادرة العقلية السياسية التي تريد البقاء في منطق تبريرات المظلومية الشيعية، وهي السردية التي قامت ونشأت عليها الكثير من أحزاب الإسلام السياسي الشيعي. 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس
صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس

ينتهي عام 2022 وهو حافلٌ بالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. فمن تظاهرات إيران إلى مونديال قطر والتقارب الخليجي-الصيني-الأوروبي على وقع غرق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في أوكرانيا، كان هذا عام انقلابي ومن نوعٍ آخر.

عموماً، التغييرات الجيوسياسية التي شهدناها في 2022 أولها تخبط روسيا في أوكرانيا، ومغازلة الخليج للصين إنما دون إيجاد بديل أمني لأميركا، من المتوقع أن تستمر العام المقبل. فلا بوتين على وشك الخروج من مستنقع أوكرانيا ولا الصين بأعبائها الصحية والاجتماعية اليوم قادرة على استبدال واشنطن في قيادة العالم.

الملفات التي قد تشهد حركة العام المقبل سواء سلباً أو إيجاباً هي إيران وسوريا وفي شكل مترابط ومنفصل.

إيران كان عامها المنصرم عام خضات وتحولات سياسية غير مسبوقة منذ نشأة الجمهورية الإسلامية في 1979. فمدة التظاهرات والتي تخطت المئة يوم، ويحيطها حالة من الرفض الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لثوابت النظام، هي الأطول التي تواجه القيادة الإيرانية. وتتقاطع التظاهرات مع هزات أخرى  تواجه النظام، أولها الوضع الاقتصادي وتراجع الريال الإيراني إلى مستوى تاريخي (432 مقابل الدولار) على وقع الفساد والعقوبات والانقسامات داخل الدائرة المالية الحاكمة. يضاف إلى ذلك الأسئلة حول المرشد الأعلى، علي خامنئي، ومن قد يخلفه في الحكم في هذا الظرف.

الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، غير قادر على إسكات التظاهرات أو التعامل مع الأزمة الاقتصادية أو مخاطبة الخارج، فيما، مجتبى خامنئي، نجل المرشد، سيعني تفاقم المواجهة مع الغرب وزيادة نفوذ الحرس الثوري.

الخضات الإيرانية ستزيد من ارتجاجات الإقليم، وتمسك طهران بأوراق العراق ولبنان واليمن والمكاسب الميليشياوية والمالية فيهم.

أما سوريا وهي الحلقة التي تشهد تطورات ملفتة دوليا وإقليميا، فقد تبني على هذه الظروف لاستنباط واقع مختلف في 2023. هذه العوامل التي قد تفسح لحراك ديبلوماسي في سوريا العام الجديد هي كالتالي:

تركيا.. التقارب التركي-الروسي حول الملف السوري وبحكم مصالح مشتركة بينهما مثل كبح نفوذ واشنطن وإضعاف الأكراد في الشمال، قد يؤدي إلى صفقة بين الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وبشار الأسد. فإردوغان أبدى استعداده للقاء ثلاثي مع الأسد وبوتين وفي تراجع سيكون الأكبر له إقليميا في حال تم العام المقبل. حسابات إردوغان هنا هي سياسية واقتصادية وانتخابية قبل فتح صناديق الاقتراع في تركيا في يونيو المقبل. هكذا مصالحة بين إردوغان والأسد تفيد دمشق اقتصاديا أيضا وفي حال إعادة فتح السوق التجاري بين الجانبين.

أميركا.. العام 2022 رسخ رفع أميركا الفيتو عن الأسد، فالدعوات لإخراجه من الحكم توقفت والمسؤولون الأميركيون يتحدثون عن استقرار الوضع في سوريا، وانخفاض أعمال العنف ولا ينفون اتصالات مع النظام حول الرهائن الأميركيين. هذا لا يعني أن واشنطن سترفع العقوبات عن الأسد، إنما لا يبدو أن أميركا بوارد الاعتراض على حراك ديبلوماسي هناك.

عربيا، أفضت 2022 بانفتاح أكبر على النظام من زيارة الأسد إلى الإمارات، إلى استئناف عمان طيرانها إلى دمشق. الأردن بدوره يعول على دور أكبر للدول العربية ولروسيا لحشر إيران، هذا الرهان صعب ومعقد بسبب النفوذ الإيراني في سوريا، وبسبب هزات إيران، فهناك فرصة أمام بشار الأسد لإعادة بعض التوازن الذي برع به والده إقليميا بدل أن يحول سوريا إلى محافظة إيرانية.

كل ذلك يرجح حراكاً ديبلوماسياً في الملف السوري على وقع ارتجاجات إيران وانفتاح إردوغان على دمشق من باب موسكو. فهل يستفيد بشار الأسد من الفرصة أو يهدرها كما أهدر رصيد والده منذ العام 2000 وحتى اليوم؟