واقعان لا بد من الإقرار بكل منهما، والسعي إلى توضيحهما وتفكيكهما والتفاعل معهما.
الأول هو أن «الأقليات الجنسية» في المحيط العربي تعاني، بمقادير مختلفة، من كم إضافي من التفرقة والتمييز والاضطهاد، يأتي ليضاعف ما يواجهه أفرادها، كغيرهم في مجتمعاتهم، من حيث انتماءاتهم الاجتماعية والاقتصادية والدينية والعرقية والطبقية والمناطقية والمهنية وغيرها من التصنيفات، الجلية والخفية.
والثاني هو أن المعالجة الغربية لمسائل «الأقليات الجنسية»، إذ هي في دول الغرب على جرعات من التقدمية والنجاح، ولكن أيضاً أخرى من الاستعلاء والفشل، قد تقدّم بعض التحسين لأوضاع ما يقابل هذه الأقليات في المحيط العربي وما يتعداه، غير أن حصيلة السعي إلى تطبيقها واعتمادها ليست إيجابية حصراً، بل ربما أن سلبياتها تتجاوز إيجابياتها في أكثر من موضع، ولا بد بالتالي من مراجعة متأنية لها.
الإشكالية الأولى هي بشأن الاتفاق على المعني والمسمّى. الاسم الذي اختاره بعض المجاهرين بالانتماء إلى هذه الأقليات هو «مجتمع الميم»، ووافقتهم عليه مؤسسات حقوقية ودولية عديدة. من حق أي طرف ألا يواجه بنعوت غير لائقة أو مهينة. في هذه الحالة، يتكرر من جانب من الطاعنين استعمال أوصاف مثل «الشواذ» و «اللواط» وغيرها من الكلمات التي اكتسبت صفة تجريحية.
لمن يعلن أنه من «مجتمع الميم» أن يخاطب بالتسمية التي اختارها وارتضاها. غير أنه لا مبرر للتسليم التلقائي بأن ناشطي «مجتمع الميم» هم الممثلون الحصريون للأقليات الجنسية في المحيط العربي، وأن الآراء التقدمية لديهم ولدى مؤيديهم بشأن أشكال تحصيل الحقوق وتحقيق المساواة ملزمة لكافة من قد تشمله أوصاف هذه الأقليات.
إثارة الإشكالية بشأن التسمية هي في واقع الحال الإشارة إلى المواجهة بين السرديات. الصورة المعتمدة، صراحة أو ضمناً، لدى الناشطين المحليين والدوليين بشأن أحوال «مجتمع الميم» هي أن الأوضاع المحلية هي عند أقصى قيود الكبت والظلم، انطلاقاً من اعتبارات دينية وعرفية، ولا بد من كسر هذه القيود وتمكين المعنيين من العيش بكامل الحرية، بأسلوب مستلهم من نموذج النشاط الحقوقي المعتمد في السعي لتحقيق المساواة بين الجنسين، أو بين الطوائف والأعراق واللغات والطبقات وغيرها، سواء كان الجهد اجتماعياً محلياً، أو سياسياً دولياً.
تفترض هذه الصورة كأساس، قد يصحّ أو لا يصحّ باختلاف الأفراد المعنيين كما باختلاف مجتمعاتهم، هو أن انتماءهم المفترض إلى «مجتمع الميم» هو هوية كاملة، سواء ارتقوا إلى مستوى الإقرار بالأمر أو تخلفوا عن هذا الإقرار وتحفظوا عن الهوية الجنسية الشاملة فساهموا بدورهم بالكبت، وأن مصلحتهم هي في المجاهرة التحريرية التي يريدها لهم الناشطون والمؤسسات الدولية.
رغم أنه يجري طرح هذا الأساس تعسفاً على أنه استنتاج موضوعي علمي، فإن الأقرب إلى الصواب هو أنه موقف عقائدي، عند الحد الأقصى يتسلّح أصحابه بدعوى العلمية لتكبيل الخصوم وإسكاتهم، وعند الحد الأدنى يشوّش اعتماده الصورة الوقائعية لأحوال الأقليات الجنسية في المحيط العربي.
المهمل هنا هو أن تجربة الأشخاص المعنيين، في مجتمعات المحيط العربي وغيره، لا تتطابق بالضرورة، لا من حيث ماضيها ولا حاضرها ولا استشفافها للمستقبل مع هذه القراءة الحصرية.
الأحوال الجنسية المتباعدة عن معيارية الجنسين واقع قائم في كافة المجتمعات البشرية. بعضها ظاهر عضوي، كما في حالة الأخناث، وهذه في السياق الإسلامي قد عالجتها المذاهب الفقهية دون تحفّظ. وبعضها سلوكي ثابت، كما لدى المخنثين والمسترجلات والرجلات، أو «الجنس الثالث»، والذي يشهد التزاماً كاملاً من بعض الذكور ميلاداً بالملابس والتبرج والتصرف بالتماهي مع النساء. كل هذه وما يشبهها ظواهر متحققة في مجتمعات محافظة عديدة، إسلامية وغيرها، تجد لها أمكنة وأدوار، كأن يتيمّن البعض بحضور «الجنس الثالث» الأفراح مثلاً.
على أن الظاهرة الأوسع انتشاراً المقترنة بهذه الأحوال هي حتماً «المثلية الجنسية» بين الذكور. وفي حين أنه ثمة مواقف فقهية متشدّدة بشأن هذه الظاهرة (مقابل الصمت بشكل عام عن المثلية بين الأناث)، وضعتها الفصائل الجهادية موضع التنفيذ الإجرامي الشنيع (وصولاً إلى «الرمي من شاهق»)، فإن غالب التعاطي الاجتماعي معها، على مدى المكان والزمان المؤطرين إسلامياً، في حال جرت ترجمته إلى لغة اليوم، كان من باب «لا تسأل ولا تُفصح»، أي أنها حالة حاصلة ومتحقّقة، دون الحاجة أو الرغبة بالحديث عنها، أو معالجتها إقراراً أو استئصالاً، في السياق العام.
في الأمر قيد دون شك، ولكنه قيد متوافق مع شكل عيش معظم «المثليين» التقليديين لـ «مثليتهم»، حيث هي جانب من حياتهم، شخصي خصوصي، وليست هويتهم الكاملة، كما في حالة المثلي الحداثي، الغربي ثم «مجتمع الميم».
بل إن «المثلي التقليدي»، شأنه شأن أي رجل آخر، قد يعمد إلى الزواج ليصبح أباً، وينخرط بكافة أشكال الحياة العامة، دون تستّر متعمد عن الجانب «المثلي» من شخصه، ولكن دون إشهار فاضح صريح عام له. «مثلية» هذا التقليدي قد تكون معروفة أو لا، ذات قيمة تندّرية للبعض أو لا، دون أن تعترض في العديد من الحالات إنجاز الرجل لما يريده من الأعمال والمناصب، وصولاً إلى أعلاها. من رؤوس الدول في المنطقة، الأمس واليوم، العديد ممن يندرج في هذا الوصف.
التفاعل مع الصيغة «التقليدية» للمثلية في مجتمعات المحيط العربي تتراوح من مستوى الإنكار والتجاهل، وهو ربما الأكثر شيوعاً، إلى درجة القبول العملي، بل الاستيعاب الاجتماعي الضمني، حيث الزواج من «المثليين»، قبل المصطلح، هو من نصيب المطلّقات أو غيرهن من المهمّشات، بل كذلك «المثليات» واللواتي يستفدن بدورهن من الإنجاب، فيما يتاح لهن العيش بأقدار من الحرية في مجالسهن الخاصة. مجتمعات المحيط العربي التي وجدت الموازنة المناسبة في هذا الشأن ليست قليلة، وإن بقيت هذه الموازنة عرضة للاهتزاز لأسباب متبدلة عبر العقود.
اعتبار «المثلية» التقليدية، في كافة الأحوال وصولاً إلى أحسنها، يبقيها في إطار الاعتلال، مع ترواح هذا الاعتلال من التوصيف القَدَري، بما يوازيه بحالات الإعاقة المختلفة (ضرير، أخرس، «مثلي»)، إلى الحكم القِيَمي، بما يدرجه في إطار الممارسات المكروهة (مستهلك للكحول، مدمن على المخدرات، «مثلي»). من حق الناشطين المثليين الاعتراض على المخاطر الكامنة في هذين المنحيين، وهي ليست مخاطر نظرية بل في أحوال عديدة قاصمة متحققة. حيث جرى ويجري التعاطي مع المثلية على أنها حالة مرضية تستوجب العلاج، الطوعي أو القسري، أو أنها جنحة، إن لم تكن جناية، تفترض العقاب. أي أن المثليين وسائر الأقليات الجنسية، دون أدنى شك، عرضة للاضطهاد، وأصحاب حق بالتصدي له.
على أن استدعاء الحلول الغربية لهذه المخاطر ينضوي على إهمال جوانب افتقاد هذه الحلول للنجاعة بذاتها من جهة، وإضرارها بما هو مستتب للمتعايشين مع «المثلية التقليدية» من جهة أخرى.
الحلول الغربية تنطلق من مقاربة حقوقية إطلاقية، مبنية على تجربة النضال التاريخي الحقوقي الغربي، تعتبر أنه لا مجال للمساومة بشأن الحق الطبيعي بأن يكون الإنسان حرّاً في خياراته. ولكن مفهوم «الخيارات»، حين يجري اللجوء إليه بشأن المحيط العربي، ملتبس. فإما أن تتوافق هذه الخيارات مع القناعة الغربية (التقدمية، المستقاة من الأنوار، المشتقة من الخلفية الدينية المسيحية) بشأنها، أو أن تكون وحسب تعبيراً عن انكسار خفي إزاء ما يكبّل الحرية، من دين وعادات وتقاليد وأوهام وأمراض نفسية. لا تلحظ المقاربة الحقوقية الغربية على سبيل المثال «حق» تعدد الزوجية، وإن كان طوعياً. وفي بعض الدول، إنكار لـ «حق» ارتداء الحجاب والنقاب وغيره.
في مواضيع عدة، التعاطي مع الواقع المحلي لدى العديد من المؤسسات الغربية، وفي أوساط غير قليلة للأسف من وجوه النخبة الفكرية المحلية المتماهية مع الحداثة و «التنوير» الغربيين، هو تعاطي الأعلى مع الأدنى، الوالد مع الولد، الطبيب مع المريض، أو المربي مع المراهق الطائش. ثمة وصفات لا بد من تطبيقها، بالتوجيه الصريح وإن القاسي أحياناً، وبالتدرج والتدليس والاحتيال أحياناً أخرى.
فيما يتعلق بأحوال «الأقليات الجنسية»، السعي كان ولا يزال إلى استيراد الصيغة الغربية القائمة على الحق بالحرية، رغم اختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية، كحل معياري. المطلوب الجرأة والوضوح والتحدي من جهة، والتبديل التدريجي للمناهج التعليمية من جهة أخرى. تلقي المجتمع للتوجهين يحفل باتهامات متعاظمة بالاستفزاز والوقاحة من جهة، ومن محاولة التسلل للتعرّض للقيم السائزدة من جهة أخرى.
المعضلة هي أنه، طالما أن الحق بالحرية المطلقة ليس قيمة متحققة في معظم مجتمعات المحيط العربي، حتى بشأن الفئات التي لا تعامل على أساس الاعتلال، فإن المطالبة بها للمثليين يزعزع التوازن غير المستقر بشأنها لصالح التشدد.
مسألة أخرى من هذا القبيل تستحق المراجعة لتبيّن المخاطر. «ختان الإناث»، أي المثلة بالأعضاء التناسلية للمرأة بما يحرمها من المتعة الجنسية الطبيعية، كان عادة مستتبة في بلاد النيل، وما يتعداها، بناءاً على عرف تاريخي عميق في قدمه، أي إلى ما قبل الأديان الحالية. حين جرى تأطير رفض هذه الممارسة القبيحة في إطار حقوقي عالمي، استثار الأمر من اعتبر أن المسألة مدخل وحسب لمسعى تقويض المنظومة القيمية الدينية، فعمد إلى التأصيل الفقهي، ليمسي «ختان الإناث» «سنّة مستحبة» قابلة للترويج فيما يتعدى إطارها التاريخي، ولينتقل الموضوع من كونه مسألة أذى محلي قابل للمعالجة، على أساس طبي وقانوني، إلى سجال حول المرجعية الأخلاقية، بين الدين والقيم العالمية.
طبعاً مواجهة «ختان النساء» مسألة إنسانية كبرى ولكنها أولاً وبالكامل قضية تجنيب الأذى الحاصل على المستوى المحلي. ألم يكن بالتالي من الأجدى أولاً معالجة الجانب الموضعي الموضوعي، الغالب شكلاً ومضموناً والقابل للاستجابة، صحياً وطبياً وقانونياً، بدلاً من الانتقال بالمسألة إلى أبعاد وجودية مرجعية هي بغنى عنها أساساً، تتيح المجال لمزيد من التوسّع في الشمولية الحداثية المتوشحة بالدين؟
ربما أن المقاربة المعتمدة اليوم في مسألة الأقليات الجنسية تجنح في اتجاه مشابه. الكلام عن الحق بالحرية المطلقة لـ «مجتمع الميم» لا يطرح أمام المجتمعات المعنية قدسية الحرية الشخصية بقدر ما يستجلب المبالغات التي يقدم عليها دعاة حقوق الأقليات الجنسية في الغرب، من حيث الإصرار على المفاخرة بالمثلية، بتعبيراتها الإباحية الجنسية، في أوساط تنفر من كامل أشكال الإباحية الجنسية، ومن حيث التوسع في رسم معالم الحقوق المتهيأة، بما في ذلك «حق» الطفل أن «يقرّر» جنسه، وإلزام أهله مجاراة «قراره» المفترض تحت طائلة الاتهام بالرجعية وانتهاك «حقوق الطفل».
هنا أيضاً، قدسية الحرية الشخصية هي دون شك قضية جوهرية تستحق أولوية الاهتمام، فيما هي تحتاج إلى تأصيل مقوّمات متداخلة ليصبح احتمال رسوخها في المتداول الفكري والاجتماعي في المحيط العربي أمر قائم. ولكن رغم أن قضية الحرية هذه تلقي بظلالها على أوضاع الأقليات الجنسية، فإنه من التعسف تحميل هذه الأقليات إعباء فقر هذه القضية محلياً، ومن الإضرار بالمكتسبات الراسخة تاريخياً واجتماعياً لهذه الأقليات فتح باب الخطاب الحقوقي المختلف عليه بين طرفي الحداثة الشمولية، الإسلاميين والتنويريين.
التطبيع الاجتماعي والفكري متحقّق تلقائياً وتاريخياً للعديد من الأقليات الجنسية في المحيط العربي، وإن كان قاصراً. وإمكانية تصحيح قصوره قائمة للتوّ في إطار قضائي يخرج الدولة والسلطة من تطفلهما على الحياة الخاصة. فمع غياب التلقي الاستيعابي لمفهوم الحرية المطلقة، ومع النفور من الإباحية الجنسية، مثلية كانت أو غير مثلية، قد تكون الخصوصية، المدفوعة بالتحفظ لا الخشية، والقائمة على التجربة الطويلة الأمد للمثليين التقليديين، هي إحدى أهم لبنات المقاربة الناجعة لمسألة الأقليات الجنسية في المحيط العربي.
بطبيعة الحال، للناشطين في «مجتمع الميم» رسم خطط العمل التي يرون نجاعتها، غير أنهم مدعوون إلى اعتبار تأثير خياراتهم على كافة الأقليات الجنسية، ومدعوون كذلك إلى إعادة تقييم جدوى طرح النموذج الغربي الإطلاقي. فالحقيقة التي غالباً ما يجري تغييبها هي أنه خلافاً لقناعات العديد من النخبويين الحداثيين، إسلاميين كانوا أو تنويريين، فإنه، رغم وفرة الظلم والجهل والتعسف، ثمة حكمة في خيارات المجتمعات في المنطقة، ومن الأجدى الإصغاء إليها وإن كان صوتها خافتاً.


