الممثلة الألمانية الفرنسية رومي شنايدر التي ورد اسمها في هذا المقال- أرشيف فرانس برس
الممثلة الألمانية الفرنسية رومي شنايدر التي ورد اسمها في هذا المقال- أرشيف فرانس برس

كنا في سن المراهقة حين صدمنا بفاجعة انتحار نجمة السينما رومي شنايدر 1982، بسبب اكتئاب حاد أصابها بعد موت طفلها غرقا.

لم نتفهم في حينه، ونحن في غمرة حماسنا للحياة، معنى الاكتئاب وكيف يمكنه أن يتغلب على امرأة مثلها، وهي التي اعتبرت واحدة من أجمل جميلات السينما الفرنسية والعالمية، وامتلكت آنذاك كل أسباب المجد والحب والمال التي توهمّنا أنها تنسي الأحزان وتجلب السعادة الأبدية. 

لكننا سرعان ماصدمنا ثانية بانتحار مماثل للنجمة العالمية داليدا، وفقدنا أحد رفاقنا المتفوقين دراسيا بسبب صدمة رسوبه في البكالوريا أفضت به إلى اكتئاب قاتل، وأدركنا مع تتالي الخسارات حجم ومقدرة هذا الوحش النفسي العنيف، ومقدرته على تحطيم الأفئدة دون رحمة، وقتل أية شهية للحياة، وتزيين الموت على أنه الخلاص الوحيد المتاح للراحة والسكينة.  

قائمة أسماء النجوم والمشاهير والمؤثرين الذين أنهوا حياتهم بسبب الاكتئاب طويلة جدا، وأحدثهم كانت الخسارة المزدوجة والمؤسفة لكل من نجمي هوليوود العالميين روبن ويليامز وفيليب هوفمان. كما تطول اليوم القوائم الحديثة لأفراد عاديين، لكنهم أعزاء ومؤثرون في محيطهم دون شك، ممن ينتحرون في معظم دول العالم، وارتفاع نسبهم بشكل ملفت في السنوات الأخيرة في عدد من دول الشرق الأوسط، من أبرزها لبنان والعراق ومصر والكويت وسوريا. 

وفي مثل هذا التاريخ الذي يصادف اليوم العالمي لمنع الانتحار، مازال الاكتئاب متقدما كأبرز دافع له، يوحد الغني والفقير في آلامهما ورغبتهما القاسية التي تقودهما نحو هذه النهاية. وفيما تقسو العامة في  أحكامها على النجوم والمنعمين من المنتحرين، ويوسم سلوكهم بالترف والبطر، دون محاولة تفهم أو إبداء شفقة أو تعاطف مع حساسياتهم الخاصة وأسبابهم النفسية الحادة التي أغلقت لديهم في لحظة مصيرية كل نوافذ الحياة. 

تقسو بالمثل العديد من المجتمعات على المنتحرين من الأفراد العاديين، وينعتون بالكفرة أو الخطائين أو ضعيفي الإيمان، وبالتالي لايصلى على جثامينهم في جامع أو كنيسة أو كنيس، ولايترحم عليهم، وتدفع عائلاتهم ثمناً باهظاً من الازدراء والتهميش وكأنها أصيبت بلوثة عار أبدية، الأمر الذي يدفع بالعديد من الأهالي إلى الحيلة أو الرشى لتغيير تقرير أسباب الوفاة، وإخفاء الانتحار بسبب عواقبه الاجتماعية والدينية والقانونية.    

وفي حقيقة الأمر المحزن، يندرج انتحار الأفراد العاديين من الفقراء والمحتاجين، أو من الذين انقلبت حياتهم رأسا على عقب بين ليلة وأخرى، أو ممن خسروا أحبة أو أرزاقا أو بلادا أو سلاما، تحت بند الكارثة الوطنية، بسبب أعمارهم الشابة كما أوضحت القوائم الرسمية في عدد من البلدان، مما يعني خسائر مضاعفة لحيواتهم وعائلاتهم وبلدانهم. 

بعض المنظمات المختصة غير الحكومية  باتت تنتشر وتنشط لتقديم الدعم النفسي، وبخاصة في المجتمعات المنكوبة جراء الصراعات أو جراء تردي الأوضاع المعيشية الكارثي. لكن المسؤولين مازالوا يتهربون من مسؤولياتهم اتجاه مجتمعهم، كما الحال في لبنان كأبرز وأقسى مثال، ويمعنون في جورهم السياسي والاقتصادي والضرائبي الذي يدفع يوميا بأعداد جديدة من المنتحرين الشبان، من الأصحاء عقلياً، وليسوا بالكفرة أو الخطائين أو ضعيفي الإيمان بطبيعة الحال، لكنهم بلغوا مرحلة القنوط، وهو أشد اليأس. 

يعلم الجميع الأوضاع المعيشية والضيق الذي تعيشه معظم مجتمعات العالم، وبشكل استثنائي وصارخ مجتمعاتنا الشرق أوسطية، وفيما ينعدم الرجاء بحلول إنقاذية تتبناها الحكومات، تبقى الحلول الاجتماعية هي الأمل الوحيد، وذلك بزيادة التوعية بأهمية التكافل الاجتماعي في المحن، وأهمية الدعم العاطفي بين أفراد الأسرة الواحدة، والتشجيع على ثقافة الحياة، كي لاتبيت أسرة جائعة، أو تستيقظ وتجد معيلها منتحرا لأنه لم يتمكن من سد رمق أطفاله.  

المنتحر، غنيا كان أم فقيرا، لأسباب عاطفية أو اقتصادية أو لأي سبب آخر، هو إنسان وقف عند الحافة وتأمل الهوة السحيقة بكامل هشاشته، وربما احتاج لمن يمد يده إليه وينقذه من نفسه في تلك اللحظة الفاصلة بين موته وحياته. لايحتاج إلى تصنيفات المجتمع وأحكامه من مثل شجاع أو جبان، بل هو في نهاية الأمر، مسكين للغاية، يستحق الرثاء والتعاطف، وتستحق أسرته العزاء، ومختصر ما هو مطلوب من مجتمعه، فقط إعادة النظر في الواقع المرير الذي دفعه، وربما يدفع بالمزيد، إلى عدم الرغبة بالحياة.  

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.