Liberalism

لم تتشكّل الليبرالية كـ"مَوْضةٍ فكرية" عابرة، بل تشكّلت مُحَايثةً للفعل الواقعي عبر تاريخ طويل تمتدّ جذوره لأكثر من خمسة قرون.

وطوال هذا التاريخ الممتد على مساحة الجغرافيا الغربية، كانت المبادئ والقيم التحرّرية المُؤَسِّسة للحراك الليبرالي تنمو وتتكاثر وتتحوّر في اتجاهات مختلفة، وفي حقول متنوعة، متقاطعة مع كثير من المسارات الأخرى، ومتفاعلة مع دوافع ليست بالضرورة تحررية، أو ليست بالضرورة تتغيا التحرّر الإنساني كأولويّة، بل وربما كان بعضها مُتّصلا بدوافع غير إنسانية في مُسْتهدفاتها الأولى. ولكنها في النهاية ـ ومع كثير من الارتباك والتشتّت والتعثّر، بل وبعض الأخطاء الفادحة أحيانا ـ استقامت في عالم اليوم كأفضل "رؤية عملية مُجَرّبة" أنتجها الإنسان لصالح الإنسان.

نعم، في تاريخ الليبرالية كثير من الأخطاء. بل وحتى في نسختها الحديثة الأكثر تطورا وتهذيبا، والأكثر تأنسنا، نجد كثيرا من الأخطاء؛ وربما الخطايا. ولكن، كل المذاهب النظرية الأخرى التي جرى تجريبها، كانت أكثرَ منها أخطاء بما لا يُقَاس، وأقلَّ جدوى ـ في عائدها الإنساني ـ بما لا يُقَاس أيضا. بل يُمكن القول ـ دونما مُجَازفة دِعائية ـ: إن الليبرالية هي الصيرورة الوحيدة التي خرجت من مخاض التجربة البشرية بالدرجة المعيارية المعقولة/ المقبولة التي تكفل لها صفة: النجاح.

نجحت الليبرالية، بينما رَسَب/ سقط/ فشل الآخرون. لا يعني هذا أن الليبرالية حققت النسبة النهائية في النجاح 100%. ولكن يعني هذا أنها حققت النسبة الضرورية التي تكفل لها النجاح بتقدير "جيّد" على الأقل؛ فيما هي ـ في رحلة التطوير الذاتي المستمر ـ تطمح لتحقق ما هو أعلى وأكمل؛ مدفوعة في كل ذلك بانفتاحها الحر/ التحرري على مسارات النقد الذاتي الذي يعمل على تعرية الأخطاء باستمرار، ثم هو يحاول أن يتجاوزها باستمرار أيضا؛ رغم تعذّر وتعثّر محاولات التجاوز في بعض الأحيان.

لكن، ورغم كل ذلك؛ لم تُحَقق الليبرالية منجَزها التحرري فحسب، بل حقّقته، وحقّقت معه نجاحات مذهلة على أكثر من صعيد، ولم يكن منجزها الاقتصادي/ التنموي إلا التعبير الأكثر صراحة ـ وإغراءً ـ عن متواليات هذا النجاح. وبهذا النجاح المتضافر في مساراته؛ أصبحت المجتمعات الليبرالية هي أكثر المجتمعات حريّة، في الوقت نفسه الذي كانت فيه ـ وبلا منازع ـ أكثر المجتمعات استقرارا، وأمانا، ورفاهية، وثقةً بالمستقبل؛ حتى أصبحت ـ وعن كامل جدارة واستحقاق ـ هي التجسيد الفعلي/ الواقعي للحلم الإنساني الموعود الذي ظلَّ الإنسانُ طوال تاريخه يعتقد أنه مجرد حلم مُلْهِم، يُطْلب؛ ولا يُنَال.

إن هذا النجاح المذهل ـ ورغم كل الأخطاء ـ هو بالذات ما أثار غضب وحنق الفاشلين في تحقيق بعض مسارات هذا النجاح، وخصوصا؛ في بعضها الأهم الذي يشتغل عليه مدارُ الاهتمام العمومي للجماهير. فالفاشلون في مثل هذه الحال يُدْركون أن فشلهم لا يَتحقق الوعي به إلا مِن خلال مُقَايَسَته بالنجاح المذهل للنموذج الليبرالي. وتغييب هذا النموذج الناجح، أو التعمية عليه، أو الشغب عليه في أهم مساراته، من شأنه ـ كما يعتقد الفاشلون ـ أن يُخَفِّف من الوعي بفشلهم الذريع، أو ـ على الأقل؛ كما يعتقدون ـ يُلْغِي الأملَ بنموذج مُغَاير قادر على إخراجهم من حلبة الصراع الحضاري.

إن ما يَعيب الليبرالية عند أعدائها اليوم هو أنها نجحت أكثر من اللازم، نجحت أكثر من النجاح المُحْتمل، نجحت في أهم مسارات التطور الإنساني، نجحت في كل ذلك نجاحا مُتصاعِدا/ مُتَواليا، يصعب على خصومها تفهمّه؛ فضلا عن تقبّله في مدى تحقّقه الواقعي. فالنجاح الكاسح في مثل الحال، لا يعني الامتياز في مجال؛ بقدر ما يغني ـ نِسْبةً وتناسبا مع عمق وشمولية النجاح ـ إلغاء الآخرين/ الفاشلين.

هذا بالتحديد هو مصدر "رُهَاب الليبرالية" الذي يعصف اليوم بالمجتمعات التقليدية والقائمين عليها، إذ تعتقد هذه المجتمعات الكسيحة أن نجاح الليبرالية أصبح طوفانا يُهَدِّد بقية "المجتمعات اللاّليبرالية" بالفناء، ليس بتدميرها، أو تفتيتها، أو تعطيب بعض قواها الفاعلة، وإنما بتحويلها ـ على نحو طوعي، وعلى يد طلائع التنوير من أبنائها، وبقوة إغراء النموذج ـ إلى مجتمعات ليبرالية مُغْتبِطة بليبراليتها؛ إلى درجة رفض/ نبذ كل ما يتعارض مع هذه الليبرالية من مواريث الأسلاف، ومن تقاليد أزمنة الغباء، ومن أعراف التأطير الاجتماعي.

إن هذا العداء السافر المتأجج اليوم ضد الليبرالية، لا يظهر ـ أو هو لا يُعْلِن عن نفسه ـ بوصفه حَسَدا حارقا يعتلج في أفئدة الفاشلين، أولئك الذي يستشعرون عجزهم الأصيل عن اللحاق بركب الناجحين ولو بعد حين. إنهم لا يقولون: إننا نكره الليبرالية لأنها اليوم أفضل نموذج إنساني متكامل أثبت جدارته؛ في الوقت الذي يُثبت فيه فشلنا الذريع. إنهم لا يقولون: إننا نكره الليبرالية لأنها خطر علينا في مواقعنا الاجتماعية؛ لا بكونها اشتغالا سلبيا في أصل فاعليتها، وإنما بأثرها السلبي ـ من زاوية فاعليتها الإيجابية العامة ـ على طبيعة تموضعنا في واقعنا الخاص. وباختصار، هم لا يعلنون عن كراهية الليبرالية لأنها تقوم بتعرية فشلهم الهائل في كل المسارات، وإنما يَتَقنَّعُون ـ وَاعِين أو غير وَاعِين ـ بِمُبَرِّرات أخرى، مبررات يستحضرونها بوصفها تكشف عن "مثالب الليبرالية الراسخة"، و"كوارثها المتوقعة"، و"تاريخها المشين"..!!

تظهر هذه المبررات التي يَتخفَّون وراءها على صور شتى: قد تظهر على صورة رفض "الرأسمالية المتوحشة" التي تُشَكِّل ـ بزعمهم ـ رأس حربة المسار الاقتصادي الليبرالي، مُتَقاطعين مع هموم العدالة الاجتماعية ومقولات المبدأ الاشتراكي. وأحيانا تظهر على صورة التخويف من الحرية بوصفها طريقا إلى الفوضى التي لا ضابط لها إلا التأطير الشمولي. ولكن، يبقى "المُبرّر الأخلاقي" هو أبرز هذه الأقنعة وأكثرها رواجا في مجتمعات التقليد؛ حيث يجري تصوير التحرّر الليبرالي بوصفه انحلالا أخلاقيا، وبوصف الممانعة المحافظة "نقاءً أخلاقيا" يُحَاول مُدَافعة "الانحلال الليبرالي".

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.