Shi'ite Muslim pilgrims gather ahead of the holy Shi'ite ritual of Arbaeen in the holy city of Kerbala
حجاج شيعة في ذكرى الأربعين بمدينة كربلاء- رويترز

يشهد التشيع في أصقاعه وبؤره شحناً هائلاً في شعائره، يبلغ ذروته المشهدية في العراق، لكن لبنان لا يخلو منها، ويبدو أن إيران التي تضبط تشيعها ضمن حدود ولاية الفقيه شرعت مؤخراً في دفع مؤمنيها للذهاب إلى مدن العتبات في العراق ليرفعوا فيها من وتيرة الشعيرة حتى تبلغ منتهاها السياسي.

العراق شهد بمناسبة أربعينية الإمام الشيعي الثالث الحسين بن علي صدمة مذهبية على وقع إحياء المناسبة. الرادود (المنشد) الشهير والثري باسم الكربلائي "فقأ عين" خصوم المذهب من أهل السنة بقصيدة أصابت رموزهم وأئمتهم، فاختل "التوافق" في بلاد الرافدين! لكنه مختل أصلاً، ذاك أن "أهل السنة" في هذا البلد جرى إخضاعهم وهزمهم على مدى تجربة عراق ما بعد صدام حسين. وليس باسم الكربلائي سوى أحد مظاهر هذه المعادلة. 

الرادود العراقي الأبرز، أي الكربلائي، شيرازي على ما يردد المستعيضين بالتشيع الجديد عن تشيع أهلهم وأجدادهم. إنه شيرازي، وأهل هذه الجماعة يدعون إلى "طقسنة التشيع" وإلى دفع المذهبية إلى أقصاها! وهذا على الأرجح صحيح، لكن الصحيح أيضاً أن الذهاب بالشعيرة إلى حدود المواجهة يجد له غطاء سياسياً وسلطوياً في كل مساحات التشيع.

فالفيديوات التي تنتشر عن مطار بيروت، أثناء توجه الزوار إلى مدن العتبات بمناسبة أربعينية الحسين، توحي بأن المطار تحول إلى ناد حسيني، كذلك الأمر في الجامعة اللبنانية، ناهيك عن تصدر المناسبة، وهي مستجدة على شعائر الشيعة اللبنانيين، خطاب المسؤولين والوزراء الشيعة اللبنانيين. 

تفشي "التشيع الجديد" هو مؤشر سياسي على رغم طوفانه عن الحدود التي ترسمها سلطته السياسية والمذهبية، ذاك أن شعوراً يرافق الحجاج والزوار والـ"محزونين" على قتل الحسين، بأن المسرح صار متسعاً وممتداً، وأن زمن "الانتقام" لحفيد الرسول قد حان وقته. ويبدو أنه من الصعب على السلطة ضبط ما تولت هي إطلاقه من مشاعر ومن غضب. 

وهنا تحضر معضلة من مركبين، الأول أن استحضار الشعيرة لا يمكن شحنه من دون خصم، والثاني أن "المواجهة" تبدو في غير زمانها، لا سيما وأن السلطة استقرت تقريباً لأحزاب الشيعة سواء في لبنان أو في العراق. الوثبة هنا ستشطب وجه صاحبها. السلطة في مطار بيروت هي لحزب الله، أما العابرون والمسافرون، فهم من اللبنانيين الذين لا يبدون مقاومة تذكر لسلطة الحزب، لكن لا يروقهم طبعاً تحول المطار إلى حسينية، كما لا يروقهم أن يكون مسجداً أو كنيسة. 

في العراق أيضاً لا يبدو أن الذهاب في "طقسنة التشيع" إلى حدود المواجهة منسجم مع استقرار السلطة التي آلت إلى الأحزاب الشيعية، فشروط الحكم تقتضي فعلاً استيعابياً، حتى لو كان المستعَوبون والمستَتبعون من "الأغيار". ولهذا يظهر رفع منسوب الشعائر فعلاً "معارضاً" تقدم عليه السلطة، وهو يتولى هز استقرارها. لكن وبما أن التشيع "جديد نعمة" بما يتعلق بالسلطة، يبدو أنه لم يستوعب بعد قواعد إدارتها.

لكن من جهة أخرى السلطة في العراق وفي لبنان غير مستقرة لأحزاب الشيعة، وهي مشحونة بمخاوف أقلوية يجري التعبير عنها بالهذيان الشعائري. والأهم أن السلطة في البلدين أيضاً أظهرت فشلاً غير مسبوق في إدارة شؤون "الرعية". فالفساد والسلاح سمتان رئيستان لها، والعجز عن اختراق الطوق الإيراني جعلها شبه سلطة، وجوابها دائماً ما يكون عبر الشحن المذهبي الذي يشكل "شرعيتها" شبه الوحيدة.

وهنا تحضر مناسبة كـ"أربعينية" الحسين فرصة لتذكير المريدين بظلامة لطالما غذت خيالهم، وهذه الظلامة هي "مادة السلطة" على ما تزعم الجماعات التي آل إليها الحكم في بغداد وبيروت.

تشعر الجماعات الشيعية الحاكمة أن السلطة لن تستقر لها إذا ما "هذبت الشعائر"، فالتهذيب هو شأن الأمم المطمئنة. لكن من جهة أخرى لا يمكن لجماعة أن تحكم من دون قدر من الاطمئنان. هذا الفصام هو ما يفسر وقوع التشيع في النزاع بين ظلامته وبين "نعيم سلطته".

في لبنان حزب الله يتخبط بين حمايته حاكم مصرف لبنان، وبين تصفيقه لمعارضيه، يريد أن يكون هنا وهناك! وفي العراق جرى هزم "داعش" إلا أن التنظيم ما زال ضرورة لخطاب الخوف، وما زال بعثه كرهاب مذهبي جزءاً من خطاب السلطة وأحزابها. 

التجربة الإيرانية (الداخلية) خرجت عن هذا السياق عبر التأسيس لسلطة المرجع الواحد والمؤسسة الواحدة، وهي خرجت من المأزق الأقلوي مستعينة بمؤسسة حكم لا تمت إلى التشيع التاريخي بصلة. إنها "دولة سنية بعمامة شيعية"، على ما خلص إليه أوليفيه روا.     

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.