لم تكن الكمالية (طريقة مصطفى كمال وأتباعه في التحديث/ التغريب) حالة خاصة بتركيا في فترة الربع الثاني من القرن العشرين؛ حتى وإن بدأت كذلك، وبدت كذلك. بل كانت "حالة" ذات مَسارٍ خاص، ولكنه ـ في الوقت نفسه ـ مَسارٌ قابل للاستنساخ والاحتذاء به في كثير من مجتمعات العالم الإسلامي، خاصة في مرحلة تَشكّل "جمهوريات ما بعد الاستعمار" التي ورثت كثيرا من التخلّف، وقليلا من الحداثة: كثيرا التخلف الذي يضرب في عمق تاريخ الأنا، مُحْكِما قبضته على نظام الوعي الكلي، وقليلا من الحداثة الانتقائية التي مرّت على سطح الوعي بفضل التماس مع الحراك الاستعماري.
في لحظتها، وفي اللحظة التالية لها مباشرة، كانت الكمالية تحمل قدرا كبيرا من الإغراء، حيث كانت السرعة في التحديث سرعة في التغريب، وكان الحسم والقطع مع تاريخ التخلف يُوهِمَان بانعتاق استثنائي/ أسطوري من وعي التخلف المتصلب الذي كان يَشل مسارات التنمية، أو حتى يلغيها من الأساس.
هذا عكس ما سيكون عليه الحال أواخرَ القرن العشرين وأوائلَ هذا القرن الحادي والعشرين. ففي هذه المرحلة المتأخرة، بدا وكأن الكمالية تتكشف عن أزمة خانقة، منذرة بولادة أضدادها؛ لأنها تجاهلت كثيرا من الأشياء؛ بغية إنجاز شيء واحد، تجاهلت ضرورة الاشتغال على التحوّل فيما هو أكثر اشتباكا مع نظام الوعي، ومع الإنسان في جوهر وجوده، لصالح مُتَغيّر مادي مُحايد، أو يُرَاد له أن يكون محايدا في علاقته بالإنسان.
الإنسان ليس محايدا. ولهذا تنكّر معظمُ الأتراك ـ بطريق أو بآخر ـ للكمالية في نهاية المطاف؛ لطابعها الأحادي في التحديث/ التغريب. وهذا أيضا ما حدث للصورة البهلوية/ الإيرانية، أشهر الصور المُسْتنسَخة عن الكمالية، وهي النسخة التي كانت أسرع من غيرها في النكوص من الأصل المُتَمثَّل، وأشد حِدَّة في التعبير عنه؛ لمحدودية التجربة التغريبية في إيران، ولأسباب أخرى تتعلق بالإرث التاريخي (فإيران ليست تركيا في ارتباطها بالتراث الإسلامي، وفي إسهامها عبر التاريخ في صياغة كثير من ملفاته الدينية والثقافية)، وبشروط الجغرافيا.
اعتمدت الكمالية، ونسخها المُتَعدّدة في العالم الإسلامي (مع اختلاف في درجات التَّمثّل)، استراتيجية تحييد الإسلام؛ كدين؛ وكإرث حضاري كان يُشَكِّل وعيَ عموم المسلمين، بل وسائر الطوائف التي ارتبطت طويلا وعميقا بالجغرافيا الإسلامية وبالتاريخ الإسلامي.
اختارت الكمالية مسار تحييد الإسلام، أو تجاهله بالكلية، أو حتى عزله بوصفه ضِدا/ مغايرا، ورأت أن هذا الإجراء هو الحل، هو الحل الأسهل والأسرع والأنجع، و لم تختر مسار الاشتغال على الدين وتراثه بتحديثه، بقراءته قراءة حداثية، بإعادة تشكيل التراث في الوعي الكلي. لم تختر الكماليةُ المسارَ الثاني لأنه كان الأصعب والأكثر تكلفة فحسب، بل ولأنه كان أيضا يحتاج لدرجة أعلى من ذكاء "الحل العسكري" الذي هو ـ بكل وضوح ـ: الحل الظرفي المحدود.
إن تحييد الإسلام وتراثه، عزلَه، تجاهلَه، نبذَه/ إقصاءَه...إلخ صور الحل السلبي أحادي البعد، هو في الحقيقة "حلٌّ عسكري"، وليس "حلا ثقافيا"؛ بينما المسألة ثقافية إلى أبعد الحدود. إنه حل يتلاءم مع الروح التركية المتعسكرة منذ فجر تاريخها، فقوة العضل كانت تحسم كل الأمور، وما على العقل حينئذٍ إلا أن يتّبع ما تُمْليه لغة العضل، بل حتى الروح يجب عليها أن تتكيّف مع خيارات القوة. وهنا، كانت خيارات السلاطين تحسم خيارات الدين في كل تاريخ الأتراك.
لقد ظهرت الكمالية ضِدّ الإسلام بالدرجة الأولى، في بلد مكث أكثر من خمسة قرون يُقدِّم نفسه بوصفه دولة الإسلام، وبوصفه مركز زعامة العالم الإسلامي، وبوصفه حامي ديار المسلمين، وبوصفه ـ في ظل مرجعية "الخلافة" آنذاك ـ المرجع النهائي لكل المسلمين؛ حتى لأولئك المسلمين الذين يعيشون خارج نطاق الحكم العثماني. وهنا المفارقة، وهي المفارقة التي تُفَسِّر كيف أن الكمالية لم يكن لها أن تنجحَ ـ على المدى البعيد/ الاستراتيجي ـ بأي حال من الأحوال.
أعلنت الكمالية عن نفسها بوصفها: تحديثا، تغريبا، علمنة، حداثة. ولكنها أعلنت أنها كذلك؛ في الوقت الذي طرحت فيه أن الإسلام (والإسلام لديها جوهر واحد، تراث واحد، نسخة نهائية في صورة الإسلام العثماني) ضِد التحديث وضد التغريب وضد العلمنة وضد الحداثة. وهنا المشكلة التي لن تجد حلا لها في مثل هذا السياق الكمالي، لا في لحظة الكمالية التأسيسية ذاتها، ولا فيما تلاها إلى الآن.
كيف كان يُمْكن للتركي مطلع ثلاثينيات القرن العشرين أن يتجرد من تراثه تماما؟ كيف يُصْبح الإسلام وتراثه: لا شيء لكل أحد؛ بعد أن كان كل شيء لكل أحد ؟ ماذا يفعل بتجربة ستة قرون تجسّدت في أعماق العقل والروح ؟ كيف ينقلب على كل ما كان يراه ـ عقائدَ وشرائعَ وأخلاقيات ـ محضَ الصواب؛ ليكون في نظره محضَ الخطأ ؟ كيف يُقْنِع نفسَه أن هذا هو الصواب المطلق الآن؛ لمجرد أن "قرارا عسكريا" صدر بذلك (هو في الحقيقة قرار عسكري؛ حتى ولو مَرَّ بِواجهات تشريعية)؟
لقد كان التركي ـ بكل مستويات تمثّله لتراثه، الفردي والجماعي ـ يتساءل ـ صراحة أو ضمنا ـ: ماذا أفعل بكل ما شكّلني وَعْياً عبر مئات السينين؟ والكمالية هنا لا تُجيب، بل تقرر ـ بشكل آلي ـ ما يجب فعله، بل وما يجب الوعي به بوصفه صوابا أو خطأ؛ من دون أن تبحث مراحلَ التخطِئة ومراحل التصويب من داخل الدين/ من داخل التراث.
ماذا يعني كل هذا ؟ يعني ـ في تقديري ـ أن ضرورة التحديث بالتغريب يجب أن تقع في صميم مبحث الإصلاح الديني، أو أن الإصلاح الديني يجب أن يكون شرطا مُؤسِّسا للتحديث/ التغريب الناجح، المثمر، الفاعل على المدى البعيد، والضامِن لعدم حدوث ارتدادات كبرى في المستقبل.
عندما لم تشترط الكماليةُ الإصلاحَ الديني في مسارها التحديثي/ التغريبي؛ عادت الإسلاموية بسلفيتها كما كانت قبل الكمالية وأشد. حدث هذا في تركيا موطن الكمالية الأصلي، وحدث هذا أيضا في سائر الجمهوريات العربية المستقلة التي تمثّلت الكمالية بدرجة ما. ففي تركيا، وفي إيران، وفي مصر والجزائر والعراق...إلخ؛ عادت السلفيات الأصولية أشد صرامة وتزمتا، لا لشيء؛ إلا لأن قراءة هذه الأصوليات السلفية للدين وللتراث لا تُنَافسها أية قراءة أخرى تقوم بتلبية الاحتياج الفردي والجماعي. فالكماليات كلها لم تشتغل ـ بشكل جِدّي ـ على أية قراءة أخرى، لم تنتج حداثة دينية/ تراثية تستحق الاحترام.
بهذا الموقف السلبي الذي اكتفي بإغماض العينين، وربما بالتجاهل، وربما بالتحقير وبالتّتفيه، تركت الكماليةُ القراءةَ السلفية الانغلاقية متفردةً بالساحة حتى في لحظة غيابها شبه التام عن الساحة، إذ بقيت هي الخيار الوحيد لمن أراد الرجوع ـ لأي ظرف طارئ: خاص أو عام ـ إلى أصوله الدينية أو التراثية، لمن أراد أن يبحث عن هويته في خضم صراع الهويات أو في خضم تبدّد الهويات.
