Members of Syrian Red Crescent work by a shoreline in Tartous
عاملون في الصليب الأحمر أثناء عمليات الإنقاذ قرابة الساحل السوري في طرطوس- رويترز

يتصارع أفرقاء الطبقة السياسية اللبنانية في ما بينهم على الوصول الى رئاسة الجمهورية والحصول على أكبر الحصص الحكومية الممكنة، في سياق مخزٍ للغاية، اذ إنّه لا يوجد بينهم من يهتم لتوافر القدرة الفعليّة لديه، في حال حقّق مبتغاه، على اخراج البلاد من كارثة تزداد اسودادًا، مع إشراقة كل شمس.

وفيما رموز هذه الطبقة السياسية يشحذون ألسنتهم، لاسترضاء "واهب السلطة والنفوذ"، يتوزّع الشعب اللبناني على ثلاث فئات: واحدة سلّمت مصيرها للقدر، وثانيّة تستغل آخر ما لديها من مال لشراء جواز سفر من "جنّات جغرافية"، وثالثة، وهي تضم من لم يبق لديهم سوى القليل من المال، لشراء مقعد في "قوارب الموت"، لعلّها توصلهم الى شواطئ "رحلة الهجرة" غير الشرعية.

وتُظهر جولة ميدانيّة في لبنان أنّ غالبيّة الشعب اللبناني لم تعد تكترث لما يقوله السياسيون، حتى لو كانوا الأقرب الى عقولهم أو قلوبهم أو انتماءاتهم، لأنّه، بالخبرة المؤلمة، تأكّد لهم أنّ هؤلاء إما يكذبون، أو يعدون بما هم عاجزون عن الوفاء به.

وعليه، فإنّ منصات تسعير الدولار الأميركي والتقلبات في أسعار المواد النفطية والغذائية والمبالغ التي تفرج عنها المصارف اللبنانية، عندما تفتح أبوابها، والتعديلات المستمرة في برنامج توزيع الكهرباء من المحركات الخاصة، هي التي تستحوذ على اهتمامهم.

ويدرك اللبنانيون، وفق ما يتم استنتاجه من أحاديثهم، أنّ كارثتهم تخطّت قدرات طبقتهم السياسية المكوّنة، بأكثريتها، من هؤلاء الذين تسبّبوا بها، وتاليًا ما من داع لتضييع الوقت في تحليل ما ينطقون به، اذ إنّه لا يختلف كثيرًا عمّا كانوا ينطقون به سابقًا.

وبالفعل، فإنّ التدقيق بالخطاب السياسي اللبناني، يظهر أنّ الطبقة السياسية لديها هموم منفصلة عن هموم القواعد الشعبية، ففيما الناس يلهثون وراء توفير كلفة السلّة الغذائية يتصارعون هم من أجل حصصهم في "الجبنة السلطوية".

والقلّة اللبنانية التي أبقت نافذة الأمل مفتوحة، لا تنتظر الفرج من الطبقة السياسية بل من التطورات الاقليمية والدولية، ولذلك فهؤلاء يحاولون أن يفهموا خلفيات التلاقي الأميركي-الفرنسي-السعودي الذي يعتمد خطًا "سياديًا" طالما حاربه "محور الممانعة"، ومعاني وصول ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل الى مرحلته الأخيرة، بعد تخلّ لبنانيّ كامل عن الخط 29 الذي كان قد نسف سابقًا المفاوضات غير المباشرة وأخّر لبنان عن بدء التنقيب فيما أنهته إسرائيل وباتت على مسافة أيّام من بدء استخراج الغاز من حقل كاريش، والتعديل الذي أدخله مجلس الأمن الدولي على مهام "اليونيفيل" في لبنان، بما يتناقض مع رغبات "حزب الله"، وانعكاسات الخسارة الروسية في أوكرانيا التي أثّرت سلبًا على هيبتها التي كانت تفرض نفسها، سابقًا، ومدى قدرة الشعب الإيراني، في ثورته الجديدة التي تقودها نساء التحرّر من "حجاب المتشددين"، على تقليم أظافر هذا النظام المغروسة في الجسد اللبناني من خلال "أذرعه" التي تروّج للشادور الأسود، بمعناه الحرفي والمجازي.

ولكنّ الأكثريّة التي فقدت الأمل يمكن توزيعها على ثلاث فئات.

الفئة الاولى التي تضم هؤلاء الذين سلّموا أنفسهم للقدر، تتوزّع على نوعين من اللبنانيين، واحدة "مرتاحة في قلقها الوجودي"، بفعل ما يصل اليها من مساعدات مالية من أفرادها الموجودين في الخارج، وثانية "مرهقة في قلقها الوجودي" اذ إنّها تكتفي بما لديها من مداخيل بالعملة الوطنية النشطة في انهياراتها المتلاحقة، وهي بالكاد تتمكّن من سداد جوعها، وتمضي أيّامها في الصلاة حتى ترأف السماء بها فتقيها من أمراض يستحيل عليها دفع ما تستوجبه من فواتير طبابة واستشفاء 

الفئة الثانيّة من اللبنانيين، وهي تضمّ هؤلاء الذين قذفت بهم الكارثة الى الأوهام، اذ يعتبرون أنّ الهجرة الى الغرب، حتى لو كانت غير شرعية، هي الحل.

ومن أجل تحقيق المبتغى، يبيع هؤلاء كلّ ما يملكون ويشترون بثمنه مقعدًا في ما بات يُسمّى ب"قوارب الموت" التي تحملهم، في ظروف مناخية غير مؤاتية، على متن قوارب لا تتوافر فيها أدنى مواصفات السلامة، الى أقرب شواطئ دول الهجرة.

كثير من هؤلاء يحوّل البحر أحلامهم بالخلاص الى أضرحة في أعماقه الباردة.

ولا يُحرّك السياسيون والحكّام القابعون في قصورهم ومقرّاتهم الفخمة ويخوتهم الفارهة وطائراتهم الخاصة، ساكنًا، باستثناء النطق ببعض العبارات الخشبية.

أمّا الفئة الثالثة، فتضم هؤلاء الذين، من دون عمد منهم، يحوّلون لبنان الى "بلاد السخرية"، اذ إنّهم يبذلون أقصى جهودهم لشراء جوازات سفر دول أغلبها جزر مستقلّة تحظى برعاية خاصة سواء في الولايات المتحدة الاميركية أو الاتحاد الاوروبي، كما هي عليه حال دولة "دومينيكا" و"سان لوسيا".

وبدأت الشركات التي أسّسها أقرباء نافذين سياسيين في لبنان، التنافس من أجل كسب الزبائن الذين يمكنهم دفع ما يزيد عن مائة ألف دولار أميركي.

ومن يقصد لبنان، يمكنه من دون أيّ عناء أن يرى اللوحات الاعلانية الضخمة التي تملأ الطرق، وتروّج لشراء جوازات سفر صادرة عن تلك الدول.

ولا يبدو أنّ هذا السلوك المهين يسقط شعرة من رؤوس مسؤولين في دولة لا تستطيع أن توفّر لأبنائها جوازات سفر عليها توفيرها لهم.

ويستطيع من يدقّق بالظواهر الغريبة التي تتكاثر في لبنان، أن يفهم الأسباب التي تدفع بكثيرين من أبنائه الى طلب وضع بلدهم تحت وصاية دولية، اذ إنّ كوارثهم في واد وجهود السياسيين الذين يعجزون عن التخلّص منهم، لأسباب معقّدة جدا، في واد آخر.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس
صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس

ينتهي عام 2022 وهو حافلٌ بالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. فمن تظاهرات إيران إلى مونديال قطر والتقارب الخليجي-الصيني-الأوروبي على وقع غرق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في أوكرانيا، كان هذا عام انقلابي ومن نوعٍ آخر.

عموماً، التغييرات الجيوسياسية التي شهدناها في 2022 أولها تخبط روسيا في أوكرانيا، ومغازلة الخليج للصين إنما دون إيجاد بديل أمني لأميركا، من المتوقع أن تستمر العام المقبل. فلا بوتين على وشك الخروج من مستنقع أوكرانيا ولا الصين بأعبائها الصحية والاجتماعية اليوم قادرة على استبدال واشنطن في قيادة العالم.

الملفات التي قد تشهد حركة العام المقبل سواء سلباً أو إيجاباً هي إيران وسوريا وفي شكل مترابط ومنفصل.

إيران كان عامها المنصرم عام خضات وتحولات سياسية غير مسبوقة منذ نشأة الجمهورية الإسلامية في 1979. فمدة التظاهرات والتي تخطت المئة يوم، ويحيطها حالة من الرفض الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لثوابت النظام، هي الأطول التي تواجه القيادة الإيرانية. وتتقاطع التظاهرات مع هزات أخرى  تواجه النظام، أولها الوضع الاقتصادي وتراجع الريال الإيراني إلى مستوى تاريخي (432 مقابل الدولار) على وقع الفساد والعقوبات والانقسامات داخل الدائرة المالية الحاكمة. يضاف إلى ذلك الأسئلة حول المرشد الأعلى، علي خامنئي، ومن قد يخلفه في الحكم في هذا الظرف.

الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، غير قادر على إسكات التظاهرات أو التعامل مع الأزمة الاقتصادية أو مخاطبة الخارج، فيما، مجتبى خامنئي، نجل المرشد، سيعني تفاقم المواجهة مع الغرب وزيادة نفوذ الحرس الثوري.

الخضات الإيرانية ستزيد من ارتجاجات الإقليم، وتمسك طهران بأوراق العراق ولبنان واليمن والمكاسب الميليشياوية والمالية فيهم.

أما سوريا وهي الحلقة التي تشهد تطورات ملفتة دوليا وإقليميا، فقد تبني على هذه الظروف لاستنباط واقع مختلف في 2023. هذه العوامل التي قد تفسح لحراك ديبلوماسي في سوريا العام الجديد هي كالتالي:

تركيا.. التقارب التركي-الروسي حول الملف السوري وبحكم مصالح مشتركة بينهما مثل كبح نفوذ واشنطن وإضعاف الأكراد في الشمال، قد يؤدي إلى صفقة بين الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وبشار الأسد. فإردوغان أبدى استعداده للقاء ثلاثي مع الأسد وبوتين وفي تراجع سيكون الأكبر له إقليميا في حال تم العام المقبل. حسابات إردوغان هنا هي سياسية واقتصادية وانتخابية قبل فتح صناديق الاقتراع في تركيا في يونيو المقبل. هكذا مصالحة بين إردوغان والأسد تفيد دمشق اقتصاديا أيضا وفي حال إعادة فتح السوق التجاري بين الجانبين.

أميركا.. العام 2022 رسخ رفع أميركا الفيتو عن الأسد، فالدعوات لإخراجه من الحكم توقفت والمسؤولون الأميركيون يتحدثون عن استقرار الوضع في سوريا، وانخفاض أعمال العنف ولا ينفون اتصالات مع النظام حول الرهائن الأميركيين. هذا لا يعني أن واشنطن سترفع العقوبات عن الأسد، إنما لا يبدو أن أميركا بوارد الاعتراض على حراك ديبلوماسي هناك.

عربيا، أفضت 2022 بانفتاح أكبر على النظام من زيارة الأسد إلى الإمارات، إلى استئناف عمان طيرانها إلى دمشق. الأردن بدوره يعول على دور أكبر للدول العربية ولروسيا لحشر إيران، هذا الرهان صعب ومعقد بسبب النفوذ الإيراني في سوريا، وبسبب هزات إيران، فهناك فرصة أمام بشار الأسد لإعادة بعض التوازن الذي برع به والده إقليميا بدل أن يحول سوريا إلى محافظة إيرانية.

كل ذلك يرجح حراكاً ديبلوماسياً في الملف السوري على وقع ارتجاجات إيران وانفتاح إردوغان على دمشق من باب موسكو. فهل يستفيد بشار الأسد من الفرصة أو يهدرها كما أهدر رصيد والده منذ العام 2000 وحتى اليوم؟