مهسا أميني
مهسا أميني

التظاهرات التي دخلت اليوم أسبوعها الثاني في إيران رغم سياسات القمع وحجب مواقع التواصل، تعبر عن أزمة حقيقية للنظام الإيراني حتى لو لم يكن مهددا بالسقوط، إذ تضعه أمام معضلة داخلية وسط تحديات كبيرة في الحكم.

الاحتجاجات التي امتدت اليوم لتشمل الشمال والشرق وكذلك العاصمة طهران تنديدا بمقتل الشابة مهسا أميني ليس لعدم ارتدائها الحجاب بل لعدم ارتدائها الحجاب بالشكل المناسب، هي صفعة للنظام لأنها تمس بأحد أعمدته الأساسية: التشدد الديني وقمع المرأة.

الثورة الإسلامية الإيرانية نادت بمجتمع أكثر عدالة وانتفضت على فساد الشاه والملكية في إيران، إنما اجتماعيا قوضت بالكامل طاقة المرأة الإيرانية وجعلت هذا المبدأ في صلب ممارستها الحكم من خلال سجن، ضرب، واعتقال النسوة اللواتي يعترضن على ارتداء الحجاب.

هذا يضع إيران في موقع استثنائي إلى جانب طالبان الأفغانية كآخر نموذجين في الحكم يجبران المرأة على ارتداء الحجاب.

وهكذا ممارسات في العام 2022 تتعارض ضمنا مع أسس المجتمع المدني وحقوق الإنسان، كما تتعارض ممارسات أخرى تقيد المرأة ضد ارتداء الحجاب مع هذه الأسس.

فحرية الفرد ليرتدي ما يشاء من دون أن يتم جلده من عناصر في الشرطة أو رميه بالحجارة كما فعلت طالبان، هو تعبير عن تقدم المجتمع وليس العكس.

لذلك فإن هذه التظاهرات بالذات تشكل معضلة أمام النظام الإيراني، فإذا تراجع عن سياسة فرض ارتداء الحجاب يكون قد أخل بأبرز مقوماته، وإذا لم يتراجع فهو يرسخ صورته بأن نظام رجعي ويقمع الشابات والنساء والأمهات في إيران في القرن الواحد والعشرين.

هذه التظاهرات وخلافا لتظاهرات العام 2009 حول نتائج الانتخابات يومها والاحتجاجات الأخيرة حول الأحوال الاقتصادية، تطال مبدأ موقع المرأة وفيها ما يكفي من الزخم لتتحول إلى حركة اجتماعية تتحدى النظام. فليس من المستغرب أن تسير اليوم تظاهرات من السويد إلى كندا إلى فرنسا وألمانيا وبريطانيا تضامنا مع المرأة الإيرانية.

مشكلة النظام أنه لم يسبق الموجة بالانفتاح التدريجي، لا بل انغلق أكثر على نفسه بعد انتخاب ابراهيم رئيسي. فحتى في نيويورك، أراد رئيسي فرض قوانينه على مراسلة "سي.أن.أن" كريستياني أمانبور بإجبارها ارتداء الحجاب في مقابلة تلفزيونية. أمانبور رفضت ولم تجر المقابلة. وفي هذا أيضا تعبير على ضعف موقف النظام حين يكون التضامن مع المتظاهرين وموقفهم أكبر من أي حديث مع رئيسي.

هنا يمكن المقاربة مع السعودية التي على عكس إيران نجح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان فيها في قراءة التغيرات في مجتمعه واندفاعه نحو خطوات تدريجية لإضعاف قبضة المتشددين ومنح المرأة حقوقا أكبر.

إحصاءات المملكة تفيد أن البطالة في صفوف السعوديات هي في حدها الأدنى ونسبة 9.6 في المئة مقارنة بما يناهز الـ 40 في المئة في 2013 مثلا.

في المقابل، جاء خطاب رئيسي من إيران هذا الأسبوع ورد إيران بقصف كردستان ليعكس الفشل المطلق للنظام بفهم ما يجري حوله واستيعاب الأزمة. فبالنسبة لرئيسي هذه مؤامرة خارجية، وبالنسبة للحرس الثوري فقصف كردستان قد يخيف أكراد إيران من الدفاع عن أميني.

يزيد من أزمة النظام هو أن التظاهرات تتقاطع مع بدء المنافسة على مرحلة ما بعد المرشد الأعلى علي خامنئي وسط تقارير عن تأخر حالته الصحية. في هذه المنافسة، لا يبدو رئيسي قادرا على إمساك زمام الأمور ولا على تهدئة الشارع.

اليوم النظام هو أمام منعطف هام وليس أزمة سقوط، فهل يتجاوب مع التظاهرات ويقوم بإصلاحات اجتماعية تضرب أبرز مقوماته؟ أم يزيد من حالة الانغلاق والعزلة ومعها الانقسام الاجتماعي في إيران؟ الوقت سيكشف مصير التظاهرات وأفق النظام بعيدا عن حلول فقدت صلاحيتها.

 

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس
صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس

ينتهي عام 2022 وهو حافلٌ بالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. فمن تظاهرات إيران إلى مونديال قطر والتقارب الخليجي-الصيني-الأوروبي على وقع غرق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في أوكرانيا، كان هذا عام انقلابي ومن نوعٍ آخر.

عموماً، التغييرات الجيوسياسية التي شهدناها في 2022 أولها تخبط روسيا في أوكرانيا، ومغازلة الخليج للصين إنما دون إيجاد بديل أمني لأميركا، من المتوقع أن تستمر العام المقبل. فلا بوتين على وشك الخروج من مستنقع أوكرانيا ولا الصين بأعبائها الصحية والاجتماعية اليوم قادرة على استبدال واشنطن في قيادة العالم.

الملفات التي قد تشهد حركة العام المقبل سواء سلباً أو إيجاباً هي إيران وسوريا وفي شكل مترابط ومنفصل.

إيران كان عامها المنصرم عام خضات وتحولات سياسية غير مسبوقة منذ نشأة الجمهورية الإسلامية في 1979. فمدة التظاهرات والتي تخطت المئة يوم، ويحيطها حالة من الرفض الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لثوابت النظام، هي الأطول التي تواجه القيادة الإيرانية. وتتقاطع التظاهرات مع هزات أخرى  تواجه النظام، أولها الوضع الاقتصادي وتراجع الريال الإيراني إلى مستوى تاريخي (432 مقابل الدولار) على وقع الفساد والعقوبات والانقسامات داخل الدائرة المالية الحاكمة. يضاف إلى ذلك الأسئلة حول المرشد الأعلى، علي خامنئي، ومن قد يخلفه في الحكم في هذا الظرف.

الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، غير قادر على إسكات التظاهرات أو التعامل مع الأزمة الاقتصادية أو مخاطبة الخارج، فيما، مجتبى خامنئي، نجل المرشد، سيعني تفاقم المواجهة مع الغرب وزيادة نفوذ الحرس الثوري.

الخضات الإيرانية ستزيد من ارتجاجات الإقليم، وتمسك طهران بأوراق العراق ولبنان واليمن والمكاسب الميليشياوية والمالية فيهم.

أما سوريا وهي الحلقة التي تشهد تطورات ملفتة دوليا وإقليميا، فقد تبني على هذه الظروف لاستنباط واقع مختلف في 2023. هذه العوامل التي قد تفسح لحراك ديبلوماسي في سوريا العام الجديد هي كالتالي:

تركيا.. التقارب التركي-الروسي حول الملف السوري وبحكم مصالح مشتركة بينهما مثل كبح نفوذ واشنطن وإضعاف الأكراد في الشمال، قد يؤدي إلى صفقة بين الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وبشار الأسد. فإردوغان أبدى استعداده للقاء ثلاثي مع الأسد وبوتين وفي تراجع سيكون الأكبر له إقليميا في حال تم العام المقبل. حسابات إردوغان هنا هي سياسية واقتصادية وانتخابية قبل فتح صناديق الاقتراع في تركيا في يونيو المقبل. هكذا مصالحة بين إردوغان والأسد تفيد دمشق اقتصاديا أيضا وفي حال إعادة فتح السوق التجاري بين الجانبين.

أميركا.. العام 2022 رسخ رفع أميركا الفيتو عن الأسد، فالدعوات لإخراجه من الحكم توقفت والمسؤولون الأميركيون يتحدثون عن استقرار الوضع في سوريا، وانخفاض أعمال العنف ولا ينفون اتصالات مع النظام حول الرهائن الأميركيين. هذا لا يعني أن واشنطن سترفع العقوبات عن الأسد، إنما لا يبدو أن أميركا بوارد الاعتراض على حراك ديبلوماسي هناك.

عربيا، أفضت 2022 بانفتاح أكبر على النظام من زيارة الأسد إلى الإمارات، إلى استئناف عمان طيرانها إلى دمشق. الأردن بدوره يعول على دور أكبر للدول العربية ولروسيا لحشر إيران، هذا الرهان صعب ومعقد بسبب النفوذ الإيراني في سوريا، وبسبب هزات إيران، فهناك فرصة أمام بشار الأسد لإعادة بعض التوازن الذي برع به والده إقليميا بدل أن يحول سوريا إلى محافظة إيرانية.

كل ذلك يرجح حراكاً ديبلوماسياً في الملف السوري على وقع ارتجاجات إيران وانفتاح إردوغان على دمشق من باب موسكو. فهل يستفيد بشار الأسد من الفرصة أو يهدرها كما أهدر رصيد والده منذ العام 2000 وحتى اليوم؟