من المقال "هل الدين هو الذي خَلق عوالمَ المِثال في وعي الإنسان؟"- صورة تعبيرية
من المقال "هل الدين هو الذي خَلق عوالمَ المِثال في وعي الإنسان؟"- صورة تعبيرية

ينتمي الدين إلى عالم المِثَال. الدين يخلق تصورات طوباوية متوقعة/ مأمولة للحياة في هذا العالم (=الحياة الدينا)، وللحياة المستأنفة فيما وراء هذا العالم (الحياة الأخرى). ومهما كان انشداد الدين إلى الواقع وإحداثياته، ومهما تلبّس به ـ نشأةً ـ على سبيل التبرير أو الاعتذار؛ فهو يُمارس كلَّ هذا بِنَفَسٍ طُوباوي/ مِثالي، يَعِد بتجاوز الواقع إلى ما هو أفضل وأيْسر وأجمل، وصولا ـ في الطوبى الفائقة ـ إلى الكمال في جميع الأحوال.

هل الدين هو الذي خَلق عوالمَ المِثال في وعي الإنسان، أم أن هذه العوالم هي التي صنعت الوَعي الديني بعناصر التوق المثالي؛ لتجاوز حدود الواقع البائس؟ سؤال ليس هنا سياق مقاربته، ولا فحص علاقاته؛ وإن كنا برسم الاستئناس به لإضاءة مسار التفاعل بين المثالي والديني والواقعي؛ في علاقة ثلاثية الأبعاد.

على أية حال، وبالمجمل، فإن بعضا من وَمَضات هذه الإضاءة تُقَرِّر حقيقة الارتباط بين الدين والمثال، وأن ارتفاع حِدَّة المثالية في السياق الديني يعني ارتفاعا في مستوى التّديّن، كما أن ارتفاع مستوى التَّديّن يعني ارتفاعا في مستوى التماهي مع المثالي، وانفصالا ـ بالمستوى نفسه، وبالدرجة نفسها ـ عن الواقعي.

لقد كانت حِقْبة "التَّدين الصحوي" حقبةً فائقة المثالية. ومن هنا، عُنْفها الشديد مع الواقع بمكوناته النظرية والعملية. ارتفاع مستوى التدين؛ رفع من مستوى المثالية؛ والعكس صحيح؛ حتى أصبح كل منهما يُغَذِّي الآخرَ في علاقة جدلية جهنمية، بدت ـ في التأمّل الأقصى ـ وكأنها تريد التهام الواقع بما فيه؛ ليصبح بِكُلّيتِه مِثَالِيا (أو في سبيل التّحول للمثالي)؛ من حيث هو بِكُلّيته ديني (أو في سبيل التحوّل للديني الخالص).

ويزداد مستوى التَّديّن، كما تزداد مستويات المثالية، ثم تزداد حِدّة التفاعل الجدلي بينهما؛ عندما يجري فِعْل التَّديين على أرضية اجتماعية تقليدية مُتَصَحِّرة ثقافيا. فالبيئة الاجتماعية التقليدية هي ـ بطبيعتها ـ بيئة أحادية البُعْد: بسيطة/ غير مُرَكّبة. ولهذا، فهي تستقبل الأفكار والتصورات بذات الرؤية البسيطة الأحادية/ غير المركّبة. ما يعني أن فرصة الصعود بالمثال ـ في سياق التّدين ـ إلى أعلى مستوياته، هو أمر وَارِد، بل هو ما حصل في كثير من الأحيان في مسار التَّدين الصحوي.
كان التدين الصحوي منذ بذوره الأولى، قبل أكثر من تسعين عاما، يَعِد بالمعجزات. لم يكن الوعد بنقلة سحرية (سحرية: فائقة السرعة، ومجهولة الخطوات) مِن وَاقِعٍ مُتَخَلّف أقصى ما يكون التخلف، إلى تقدّم يُحَقق الاكتفاء والاغتناء، هو الوعد الوحيد، على الرغم من أنه بحد ذاته وعد مثالي كبير، وعد هو أقصى ما تأمل به أمّة في مثل حال العرب مفتتح القرن العشرين. كان الوعد أكبر من ذلك بكثير، كَبُر الوعدُ وتضّخم حد التورّم؛ ليصبح ـ على حَد الوعد المتأسْلم ـ وَعْداً هستيريا بـ"قيادة البشرية" كلها، ونقلها من دياجير الظلام الفكري ومستنقعات التخلف الحضاري، إلى عالم الأنوار الصحوية وفضاءات التقدّم الإسلاموي النَّقي، الذي سيطوي ـ في النهاية ـ مَجدَ الحضارة الجاهلية، أو ما كانوا يسمونه في أدبياتهم الشهيرة بـ"جاهلية القرن العشرين".

إنه الوعد الطوباوي الباذخ جنونا، إنه الحلم المثالي المجنون بـ"قيادة البشرية" كلها، البشرية التي ظلت الطريقَ الحقَ الذي لم يعرفه إلا المتأسلمون على حين غفل من الناس أجمعين! إنه تديّن مُسَطَّح/أحادي البُعْد، يجري تفعيله على واقع مُسَطّح في مستوى التصوّرات عنه؛ رغم تنوّعه وتعقيداته على مستوى الواقع الفعلي.

إنه الوعد "النازي" بسيادة العالم؛ بعد تحويله إلى وَعْد ديني. ولك أن تتصور كيف ستكون طبيعة تديّن طوباوي يُؤسِّس نفسه في القلوب والعقول، ومن ثم في الواقع؛ لتحقيق حُلم بمستوى هذا الحلم المجنون. لا شك حينئذٍ أنه سيكون تديّنا مَجْنوناً بمستوى تشدّده والتزامه وامتثاله الحَرْفي؛ ليكون ـ كما يتصوّر ممارسوه ـ جديرا بمستوى وعده ووعيده، وعده لأتباعه بأن يملكوا الأرض ومن عليها في هذه الدنيا، وأن تكون لهم الجنة خالصة في الآخرة، ووعيده لمن يقف في طريقه معاندا ومعاديا بأن يصبح بين "قتلٍ" و"أَسْرٍ" و"استعبادٍ" و"دَمارٍ" في هذه الدينا، وأما في الآخرة فمصيره إلى جهنم وساءت مصيرا.

لقد استحوذ هذا النمط من التديّن الطوباوي على أعمار ثلاثة أو أربعة أجيال. صحيح أن رَحاه الجهنمية دارت على حَيَوات جِيلٍ واحد، وأن بعض البيئات الاجتماعية كانت أكثر تضرّرا منه بما لا يُقاس، ولكن يبقى أنه نمط من التديّن الشامل الذي وجّه المسارات الكبرى لكثير من مجتمعاتنا، فوصل ضرره إلى مَنْ لم يقتنع به أصلا، واتصلت أسبابه البائسة حتى بألد أعدائه، وخرج مكافحوه من المعركة معه مُثْخَنِينَ بِجِرَاح غائرة، وبقيت في العقول منه وفي القلوب نُدُوبٌ يصعب تجاوزها ويستحيل نسيانها، وانطبعت به طبائع جمعية وفردية تمتد بجذورها إلى عوالم اللاّشعور الجمعي والفردي.

لقد أصبح اللاَّمتديّن "مُتَديّنا سلفيا صحويا" دون أن يشعر بأنه كذلك. وأصبح الواقعي جِداً هو ذاته المثالي جِداً؛ بعد أن طَوَّحَت به سَكْرةُ الأحلام الطوباوية؛ فلم يعد يشعر بأنه ـ لحظة ترسيمه معالمَ واقعيته الفائقة ـ لا يزال يعيش في حَمْأةِ الأحلام الكاذبة؛ بعد أن تَلَبَّس المثالي بالواقعي، والواقعي بالمثالي. وبَدل أن يكون الواقعُ بشروطه الصُّلْبة مُحَجِّمَا لأحلام التَّديّن الطوباوي؛ أخذت هذه الأحلامُ تُجرّد الواقع من شروطه الصلبة على مستوى المخيال العام.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.