محمد شياع السوداني، المكلف بتشكيل الحكومة العراقية- فرانس برس
رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني.

ما إن أعلنت القائمة النهائية لتشكيل حكومة السيد محمد شياع السوداني، حتى تذكرت المقطع الشهير للممثل المصري عمرو عبد الجليل في فيلم "كازابلانكا"، حيث يقول: "دعونا ننسى أخطاء الماضي، ونعمل أخطاء جديدة!".

وهذا هو التعبير الأدق لإصرار قادة الكتل على ترشيح الوزراء في حكومة السوداني، إذ كان الترشيح إعلانا صريحا عن إعادة تكرار أخطاء الماضي بإعادة تدوير الوزراء، أو ترشيح آخرين بعيدين عن التخصصات المهنية للوزارة، وحتى تقديم وزراء تدور حولهم الكثير من الشبهات في الدورات الحكومية الماضية أو في المناصب التي كانوا يشغلونها قبل أن يرشحوا كوزراء. لكن الأكثر مرارة هو القصدية التي تعمد من خلالها بعض زعامات الكتَل السياسية على إهانة مؤسسات وشرائح واسعة من الطبقة الوسطى عندما جرى ترشيح شخصيات سياسية من حاشية "الزعيم" المقربين ليتولى الوزارة.

في حكومتي عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي تحايلت الكتل السياسية على الجمهور بطرح وزراء تكنوقراط كمحاولة لتغيير وجه المحاصصة مع الإبقاء على المنهج المعتاد، وكانت تجربة مسيئة جدا لعنوان التكنوقراط الذي يفترض أن يمثله الخبراء والمختصون الذين لديهم رؤية وقدرة على إدارة مؤسسات الدولة. لكنهم لم يكونوا أكثر من واجهات لإدارة الوزارات من قبل مكاتب اقتصادية تابعة للأحزاب التي رشحتهم. وفي حكومة الكاظمي تحديدا كان بعضهم مجرد شخصيات ديكورية مهمتها الموافقة على القرارات التي يصدرها رئيس مجلس الوزراء، وتنفيذ الصفقات التي يعقدها رئيس الحكومة وحاشيتها، ولعل فضائح الفساد التي كشفت أو التي ستكشف لاحقا خير دليل على ذلك. 

وبعد هذا النجاح الباهر الذي حققته القوى السلطوية في تشويه سمعة "التكنوقراط"، عادت مزهوة مرة أخرى إلى المحاصصة الحزبية في تقديم مرشحيها للوزارات، والمعيار الأول والأخير هو الولاء لزعيم الحزب أو التيار السياسي. وقد تكون هذه أولى الخطايا التي سوف تحسب على حكومة السوداني. ولكن قد يعتبرها البعض تبريرا مسبقا للسوداني على اعتبار أنه لم يكن مطلق اليد في اختيار فريقه الحكومي، بيد أنه سيبقى المسؤول الأول عن الأداء السياسي للحكومة، وهذا ما صرح به في أول جلسة لمجلس الوزراء، بقوله: "المسؤولية تضامنية في مجلس الوزراء، الكل معنيون بالقرار والدفاع عنه".

لقد برهنت المحاصصة -سواء أكانت بوجهها الصريح أو المتخفي تحت ستار التكنوقراط- على أنها آلية للنكوص لا التقدم، وأنها لا يمكن أن تنتج إدارة كفوءة للبلاد، وكل ما تنتجه إدارة مأزومة لعلاقات الكتل غير المنسجمة، حيث تتحول الحصة إلى غنيمة وأداة لتعظيم المكاسب، والتخطيط إلى وسيلة لاستثمار الحصة سياسيا، فتغدو كل المصطلحات الإدارية المرتبطة بالأداء للوزارات مندرجة في إطار الصراع السياسي، لتصبح الحكومة موضوعا للصراع على تحقيق المصالح الحزبية، لا أداة لتحقيق متطلبات الشارع واحتجاجاته.

ربما ينطلق محمد شياع السوداني من تصور واقعي، ولا يريد تجميل الواقع القبيح للمحاصصة السياسية في تشكيل الحكومة، فهو أولا وأخيرا لم يصل إلى المنصب بالانتخاب المباشر من قبل الشعب، وليس زعيما لكتلة سياسية حصلت على أغلبية المقاعد حتى يختار فريقه الوزاري ويمرر حكومته بأريحية داخل مجلس النواب. فهو مرشح قوى الإطار التنسيقي وحكومته تعبر عن تحالف إدارة الدولة الذي يتكون من كتل وأحزاب سياسية متعددة، وليست من لون سياسي واحد. 

لم ينجح السوداني في إقناع الكتل السياسية بأن تشكيل "حكومة خدمات"، (كما رفعت شعارها قوى الإطار التنسيقي)، يحتاج إلى فريق وزاري يتمتع بمعايير الكفاءة والمقبولية لدى الجمهور، وليس لترضية الحاشية المقربة من زعماء الإطار التنسيقي. وقد تكون أولى مؤشرات الضعف على حكومة السوداني فقدانها الثقة بين المواطن والحكومة، لا سيما أن شخصيات عدد من الوزراء ستكون مرتبطة بكتلها السياسية وتخدم مصالحها ومصالح زبائن الأحزاب وليس المواطن.

الاختبار الحقيقي الذي ينتظر السيد السوداني هو كيفية التصرف كرجل دولة، وليس كرجل يبحث عن ترسيخ بقائه بالسلطة. وعليه أن يستفيد من فشل تجربة رؤساء الحكومات السابقة الذين رهنوا مصيرَهم السياسي بتقديم التنازلات تلو التنازلات للزعامات السياسية على أمل تجديد الثقة بهم والحصول على ولاية حكومة ثانية، حتى بلغت تضحياتهم إلى مستوى التضحية بهيبة الدولة وسيادتها، وحتى كرامتهم الشخصية! لذلك فإن السوداني يواجه تحدي التوازن بين ما يريده الشارع ويُعد من أولويات حياته اليومية، وبين رغبات الكتل السياسية التي تعودت التنمر على الدولة وسرقة مواردها والتعامل مع وزارات الدولة كدكاين لها ولأحزابها.

التحديات أمام السوداني خطيرة، ولكن الاستجابة لها ممكنة ومقومات النجاح متوفرة. فحكومته حصلت على الدعم والمباركة من أهم الدول التي يرتبط معها العراق بمصالح إقليمية ودولية، وإن ارتفاع أسعار النفط الذي أسهم بوفرة مالية تجعل الحكومة قادرة على البدء بتنفيذ مشاريع اقتصادية وتنموية تكون نتائجها ملموسة على المدى القريب. بالإضافة إلى دعم برلماني من تكتل سياسي كبير مشارك في هذه الحكومة.

لكن كل تلك المقومات، لا يمكن أن تراهن عليها حكومة السوداني إذا لم تكن لديها القدرة على تقديم المنجز الخدمي والاقتصادي للمواطن العراقي الذي ينتظر الكثير منها. ولا يمكن أن تستعيد ثقته إلا بخطوات جدية وفاعلة لاستعادة هيبة الدولة من جماعات السلاح المنفلت ومافيات الفساد والتدخلات الخارجية التي تعبر عن تجاوز خطير على سيادة الدولة العراقية. 

إن محاربة الفساد باستراتيجية واضحة وإرادة قوية، وعدالة توزيع موارد الدولة لخدمة الطبقات الهشة، واستعادة خطاب الدولة، ستكون أولى المعايير للحكم على نجاح حكومة السوداني أو فشلها. رئيس الحكومة الجديدة بين يديه فرصة حقيقة ليكون رقما صعبا في معادلة الزعامات السياسية الشيعية في الانتخابات القادمة، إذا عمل على تحقيق المنجَز السياسي والاقتصادي وتوفير الخدمات الأساسية للمواطن. فالرهان على شرعية المنجز هو طوق النجاة للسوداني ومفتاح الأبواب نحو الزعامة السياسية. 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس
صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس

ينتهي عام 2022 وهو حافلٌ بالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. فمن تظاهرات إيران إلى مونديال قطر والتقارب الخليجي-الصيني-الأوروبي على وقع غرق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في أوكرانيا، كان هذا عام انقلابي ومن نوعٍ آخر.

عموماً، التغييرات الجيوسياسية التي شهدناها في 2022 أولها تخبط روسيا في أوكرانيا، ومغازلة الخليج للصين إنما دون إيجاد بديل أمني لأميركا، من المتوقع أن تستمر العام المقبل. فلا بوتين على وشك الخروج من مستنقع أوكرانيا ولا الصين بأعبائها الصحية والاجتماعية اليوم قادرة على استبدال واشنطن في قيادة العالم.

الملفات التي قد تشهد حركة العام المقبل سواء سلباً أو إيجاباً هي إيران وسوريا وفي شكل مترابط ومنفصل.

إيران كان عامها المنصرم عام خضات وتحولات سياسية غير مسبوقة منذ نشأة الجمهورية الإسلامية في 1979. فمدة التظاهرات والتي تخطت المئة يوم، ويحيطها حالة من الرفض الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لثوابت النظام، هي الأطول التي تواجه القيادة الإيرانية. وتتقاطع التظاهرات مع هزات أخرى  تواجه النظام، أولها الوضع الاقتصادي وتراجع الريال الإيراني إلى مستوى تاريخي (432 مقابل الدولار) على وقع الفساد والعقوبات والانقسامات داخل الدائرة المالية الحاكمة. يضاف إلى ذلك الأسئلة حول المرشد الأعلى، علي خامنئي، ومن قد يخلفه في الحكم في هذا الظرف.

الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، غير قادر على إسكات التظاهرات أو التعامل مع الأزمة الاقتصادية أو مخاطبة الخارج، فيما، مجتبى خامنئي، نجل المرشد، سيعني تفاقم المواجهة مع الغرب وزيادة نفوذ الحرس الثوري.

الخضات الإيرانية ستزيد من ارتجاجات الإقليم، وتمسك طهران بأوراق العراق ولبنان واليمن والمكاسب الميليشياوية والمالية فيهم.

أما سوريا وهي الحلقة التي تشهد تطورات ملفتة دوليا وإقليميا، فقد تبني على هذه الظروف لاستنباط واقع مختلف في 2023. هذه العوامل التي قد تفسح لحراك ديبلوماسي في سوريا العام الجديد هي كالتالي:

تركيا.. التقارب التركي-الروسي حول الملف السوري وبحكم مصالح مشتركة بينهما مثل كبح نفوذ واشنطن وإضعاف الأكراد في الشمال، قد يؤدي إلى صفقة بين الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وبشار الأسد. فإردوغان أبدى استعداده للقاء ثلاثي مع الأسد وبوتين وفي تراجع سيكون الأكبر له إقليميا في حال تم العام المقبل. حسابات إردوغان هنا هي سياسية واقتصادية وانتخابية قبل فتح صناديق الاقتراع في تركيا في يونيو المقبل. هكذا مصالحة بين إردوغان والأسد تفيد دمشق اقتصاديا أيضا وفي حال إعادة فتح السوق التجاري بين الجانبين.

أميركا.. العام 2022 رسخ رفع أميركا الفيتو عن الأسد، فالدعوات لإخراجه من الحكم توقفت والمسؤولون الأميركيون يتحدثون عن استقرار الوضع في سوريا، وانخفاض أعمال العنف ولا ينفون اتصالات مع النظام حول الرهائن الأميركيين. هذا لا يعني أن واشنطن سترفع العقوبات عن الأسد، إنما لا يبدو أن أميركا بوارد الاعتراض على حراك ديبلوماسي هناك.

عربيا، أفضت 2022 بانفتاح أكبر على النظام من زيارة الأسد إلى الإمارات، إلى استئناف عمان طيرانها إلى دمشق. الأردن بدوره يعول على دور أكبر للدول العربية ولروسيا لحشر إيران، هذا الرهان صعب ومعقد بسبب النفوذ الإيراني في سوريا، وبسبب هزات إيران، فهناك فرصة أمام بشار الأسد لإعادة بعض التوازن الذي برع به والده إقليميا بدل أن يحول سوريا إلى محافظة إيرانية.

كل ذلك يرجح حراكاً ديبلوماسياً في الملف السوري على وقع ارتجاجات إيران وانفتاح إردوغان على دمشق من باب موسكو. فهل يستفيد بشار الأسد من الفرصة أو يهدرها كما أهدر رصيد والده منذ العام 2000 وحتى اليوم؟