وفاة مهسا أميني أشعلت الغضب في إيران منذ 6 أسابيع
صورة من أرشيف الاحتجاجات الإيرانية- تعبيرية

أطلق النظام الإيراني حملته الأمنية الأضخم والأعنف، الأحد، في محاولة تبدو أنها مفصلية لإنهاء الاحتجاجات قبل أن تكمل شهرها الثاني، فقد جهز النظام الأرضية لعملية قمع موسعة، مستثمرا الاعتداء المشبوه في توقيته على أحد المزارات الدينية في مدينة شيراز والذي تبناه مباشرة تنظيم داعش الإرهابي، وذلك في تحميل المحتجين ومن يقف خلفهم مسؤولية الفوضى الأمنية، الأمر الذي سمح للإرهابيين استغلال فوضى الاحتجاجات وتنفيذ اعتدائهم على زوار المرقد. وهذا ما سيوفر له ذريعتين الأولى الفوضى والثانية الإرهاب في عملية القمع.

عمليا، مهد قائد الحرس الثوري الجنرال، حسين سلامي، لخطة النظام الأمنية في كلمة ألقاها أثناء مشاركته في تشييع ضحايا اعتداء شيراز الإرهابي، السبت، حيث خاطب المحتجين قائلا: "تخلوا عن الأعمال الشريرة، اليوم يوم انتهاء أعمال الشغب، لا تنزلوا إلى الشوارع مرة أخرى".

موقف سلامي الحاسم جاء مدعوما ببيان مشترك صدر عن كافة أجهزة النظام الأمنية اتهم دولًا خارجية وعملائها في الداخل الإيراني بافتعال الاضطرابات وتحريض المواطنين على الفوضى، إذ أكد بيان الأجهزة المشترك أن هناك "معلومات تؤكد وجود تعاون بين المخابرات الأميركية والبريطانية والموساد الإسرائيلي في التمهيد لإثارة الاحتجاجات في إيران".

الأخطر في إجماع الأجهزة وفي لهجة الجنرال سلامي وفي المواقف التي صدرت عن رموز النظام، نوعية الاتهام، الذي سيكون ذريعة لعملية قمع غير مسبوقة في تاريخ الاحتجاجات الإيرانية، الأمر الذي يرجح دخول إيران في مرحلة عدم استقرار ودورة عنف خطيرة، وذلك ردا على قرار النظام التمسك بالخيار الأمني لحل أعقد قضية داخلية يواجهها النظام الإسلامي منذ تأسيسه.

فعليا بهذا القرار حشر النظام نفسه بزاوية واحدة هي القمع، وهو خيار غير مضمون النتائج وتداعياته السلبية قد تظهر مباشرة ولو بعد فترة وجيزة، حيث أن أمام النظام أياما معدودة للقضاء على الاحتجاجات بعد كل هذا التحشيد والذرائع، ما يعني أن السقف الزمني الذي أمامه في أبعد حد هو يوم الجمعة المقبل حتى يعلن عن قضائه شبه النهائي على ما يسميه الفوضى، لذلك قام بنشر مجموعات من الباسيج والحرس الثوري إضافة إلى عناصر أمنية أخرى داخل الجامعات الإيرانية وفتح مكاتب تنسيق أمنية في داخلها، وقامت أجهزة وزارة الداخلية بتطويقها حتى يتمكنوا من السيطرة على حركة الطلاب داخل الجامعات ومنعهم من تنظيم الاحتجاجات.

الواضح في هذه المواجهة العقائدية ما بين النظام الإيراني والشعب أن الأول في مأزق حقيقي لجأ إلى خيارات أمنية لمعالجة قضية جوهرية تمس واحدة من أهم مظاهره العقائدية، فهو أمام حالة تمرد نسوية لم تشهدها إيران ويعجز الأمن عن إخمادها، وهو سيصبح عمليا عدوا لكل امرأة إيرانية ترتدي الحجاب أو تريد خلعه لكنها لن ترضى بالإهانة التي تتعرض لها نساء إيران في الشارع على يد رجال الأمن، وفي المقابل فإن شابات وشبان إيران قد كسروا حاجز الخوف وهم بعد اليوم الأول من تهديدات سلامي وغيره من المسؤولين خرجوا إلى الشوارع والساحات وأكدوا على استمرار احتجاجاتهم مهما بلغت التضحيات.

أمام هذه التعقيدات تظهر صعوبة أن يتطبع النظام مع المطالب النسائية والشعبية لأنه يعلم أن أي خطوة إلى الوراء خصوصا في هذه المرحلة الانتقالية فإنه سيضطر مستقبلا إلى القيام بخطوات أخرى تحت ضغط الشارع، كما أن المحتجين تعلموا من انتفاضات سابقة أساليب النظام في التعاطي مع الاحتجاجات إضافة إلى الانتباه لهفواتهم السابقة التي مكنت النظام من إنهاء الحالة الاعتراضية حيث يدور الكلام العلني بين الطلاب والمحتجين أن مصير، مهسا أميني، لن يكون كمصير، ندا اقا سلطان، لذلك فإن التصعيد يبدو في الجانب الأول أي النظام أنه لا خيار إلا المواجهة وفي الجانب الثاني أي المحتجين أنه لا خيار إلا التحدي.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس
صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس

ينتهي عام 2022 وهو حافلٌ بالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. فمن تظاهرات إيران إلى مونديال قطر والتقارب الخليجي-الصيني-الأوروبي على وقع غرق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في أوكرانيا، كان هذا عام انقلابي ومن نوعٍ آخر.

عموماً، التغييرات الجيوسياسية التي شهدناها في 2022 أولها تخبط روسيا في أوكرانيا، ومغازلة الخليج للصين إنما دون إيجاد بديل أمني لأميركا، من المتوقع أن تستمر العام المقبل. فلا بوتين على وشك الخروج من مستنقع أوكرانيا ولا الصين بأعبائها الصحية والاجتماعية اليوم قادرة على استبدال واشنطن في قيادة العالم.

الملفات التي قد تشهد حركة العام المقبل سواء سلباً أو إيجاباً هي إيران وسوريا وفي شكل مترابط ومنفصل.

إيران كان عامها المنصرم عام خضات وتحولات سياسية غير مسبوقة منذ نشأة الجمهورية الإسلامية في 1979. فمدة التظاهرات والتي تخطت المئة يوم، ويحيطها حالة من الرفض الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لثوابت النظام، هي الأطول التي تواجه القيادة الإيرانية. وتتقاطع التظاهرات مع هزات أخرى  تواجه النظام، أولها الوضع الاقتصادي وتراجع الريال الإيراني إلى مستوى تاريخي (432 مقابل الدولار) على وقع الفساد والعقوبات والانقسامات داخل الدائرة المالية الحاكمة. يضاف إلى ذلك الأسئلة حول المرشد الأعلى، علي خامنئي، ومن قد يخلفه في الحكم في هذا الظرف.

الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، غير قادر على إسكات التظاهرات أو التعامل مع الأزمة الاقتصادية أو مخاطبة الخارج، فيما، مجتبى خامنئي، نجل المرشد، سيعني تفاقم المواجهة مع الغرب وزيادة نفوذ الحرس الثوري.

الخضات الإيرانية ستزيد من ارتجاجات الإقليم، وتمسك طهران بأوراق العراق ولبنان واليمن والمكاسب الميليشياوية والمالية فيهم.

أما سوريا وهي الحلقة التي تشهد تطورات ملفتة دوليا وإقليميا، فقد تبني على هذه الظروف لاستنباط واقع مختلف في 2023. هذه العوامل التي قد تفسح لحراك ديبلوماسي في سوريا العام الجديد هي كالتالي:

تركيا.. التقارب التركي-الروسي حول الملف السوري وبحكم مصالح مشتركة بينهما مثل كبح نفوذ واشنطن وإضعاف الأكراد في الشمال، قد يؤدي إلى صفقة بين الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وبشار الأسد. فإردوغان أبدى استعداده للقاء ثلاثي مع الأسد وبوتين وفي تراجع سيكون الأكبر له إقليميا في حال تم العام المقبل. حسابات إردوغان هنا هي سياسية واقتصادية وانتخابية قبل فتح صناديق الاقتراع في تركيا في يونيو المقبل. هكذا مصالحة بين إردوغان والأسد تفيد دمشق اقتصاديا أيضا وفي حال إعادة فتح السوق التجاري بين الجانبين.

أميركا.. العام 2022 رسخ رفع أميركا الفيتو عن الأسد، فالدعوات لإخراجه من الحكم توقفت والمسؤولون الأميركيون يتحدثون عن استقرار الوضع في سوريا، وانخفاض أعمال العنف ولا ينفون اتصالات مع النظام حول الرهائن الأميركيين. هذا لا يعني أن واشنطن سترفع العقوبات عن الأسد، إنما لا يبدو أن أميركا بوارد الاعتراض على حراك ديبلوماسي هناك.

عربيا، أفضت 2022 بانفتاح أكبر على النظام من زيارة الأسد إلى الإمارات، إلى استئناف عمان طيرانها إلى دمشق. الأردن بدوره يعول على دور أكبر للدول العربية ولروسيا لحشر إيران، هذا الرهان صعب ومعقد بسبب النفوذ الإيراني في سوريا، وبسبب هزات إيران، فهناك فرصة أمام بشار الأسد لإعادة بعض التوازن الذي برع به والده إقليميا بدل أن يحول سوريا إلى محافظة إيرانية.

كل ذلك يرجح حراكاً ديبلوماسياً في الملف السوري على وقع ارتجاجات إيران وانفتاح إردوغان على دمشق من باب موسكو. فهل يستفيد بشار الأسد من الفرصة أو يهدرها كما أهدر رصيد والده منذ العام 2000 وحتى اليوم؟