Iraqi Prime Minister-designate Mohammed Shia al-Sudani shakes hands with Iraqi speaker of Parliament Mohammed al-Halbousi, before a vote on Sudani's cabinet at the parliament in Baghdad
أرشيفية من يوم الإعلان عن تشكيلة الكابينة الوزارية للسوداني ومنحها الثقة من قبل البرلمان- رويترز

نجح محمد شياع السوداني في تشكيل حكومة عراقية يراها كثيرون تابعة لإيران وميليشياتها، فيما يتمسك المعارضون والمستقلون والناشطون بالآراء المراهقة ذاتها، التي تلعن الظلام دائما دون أن تشعل شمعة أبدا.

اختيار السوداني جاء، حسب المراقبين، لأنه من "سياسيي الصف الثاني"، وهو ما سهّل الإجماع حوله، إذ رأى سياسيو "الصف الأول"، وفي طليعتهم نوري المالكي، أن السوداني يمكنه أن يترأس حكومة إلى أن تسنح الفرصة لعودة المالكي إلى هذا الموقع. ومنذ خسارته رئاسة الحكومة على إثر انهيار القوات العراقية أمام "داعش" في 2014، تحوّل "أبو إسراء" إلى مهووس بهذا المنصب وبالعودة اليه.

لكن من يعرف التاريخ يدرك أن عددا لا بأس به من سياسيي "الصف الثاني" تحولوا إلى زعماء ومستبدين، من أمثال مرشد إيران، علي خامنئي، الذي حاز على منصبه بسبب انقسام الكبار واعتقاد كل منهم أن مصلحته تقضي بتعيين شخصية ثانوية يمكنه التحكم بها.

ومثل خامنئي، كان المالكي نفسه سياسي "صف ثاني" عندما وقع الاختيار عليه لرئاسة الحكومة للأسباب نفسها.

لكن إلى أن يظهر خير السوداني من شرّه، يمكن تسجيل بعض الملاحظات على تشكيلته الحكومية وبيانه الوزاري.

شكّل تعيين عبد الأمير الشمري وزيرا للداخلية صفعة لميليشيات "الحشد الشعبي" الموالية لمرشد إيران، فالداخلية تسدد رواتب مقاتلي الحشد، البالغة ملياري دولار سنويا، والشمري ضابط متمرس أقسم ولاء للدولة ودستورها، ولا تستهويه خزعبلات الميليشيات.

وبين الشمري والميليشيات الموالية لإيران تاريخ من المواجهات، مثل في 2015، عندما أمر وزير الداخلية الجديد، وكان آمرا لعمليات بغداد، باجتياح مقر "كتائب حزب الله"، أكبر الميليشيات وأكثرها ولاء لخامنئي، ودار اشتباك مسلّح.

السوداني تفادى الحديث عن الميلشيات، التي تطالب غالبية العراقيين، وغالبية الشيعة منهم، بحلّها ونزع سلاحها. لكن السوداني لفت في البيان الوزاري إلى أن دولة العراق ماضية في دعم قواتها النظامية، لأنها الضامن الوحيد للسلم الأهلي والأمن القومي وفرض القانون، وهو ما يشي بأن رئيس الحكومة الجديد قد يراهن على حصر استخدام العنف بالقوات الحكومية دون الميليشيات الخارجة عن القانون. 

كذلك أظهر تعيين طيف سامي وزيرة للمالية جدية السوداني في مكافحة الفساد، فهذه السيدة، المتمرسة في وزارة المالية منذ 1985، تتمتع بسمعة طيبة حول نظافة كفها ومكافحتها للفساد وتصديها للفاسدين، بمن فيهم أعتى السياسيين والميليشياويين، الذين قاموا بتهديدها مرات ومحاصرة منزلها مرة.

على أن السوداني أخذ بيساره ما قدمه بيمينه، فهو إلى تعيينه كفاءات مثل الشمري وسامي، قام بتعيين ميليشياويين وحلفاء المالكي، المشهور بفساده.

في وزارة العمل، عيّن السوداني أحمد الأسدي وزيرا، وهذا سبق أن عمل ناطقا باسم ميليشيات الحشد الشعبي وقائدا لميليشيا "جند الإمام". كما سبق للأسدي أن زار الولايات المتحدة لحشد التأييد بين أفراد الجالية العراقية لميليشيات الحشد. 

أما في وزارة الاتصالات، فعيّن السوداني هيام كاظم وزيرة. وسبق للسوداني نفسه أن شنّ حملة على شركات الخليوي العاملة في العراق واتهمها بالتحايل وتحقيق أرباحا طائلة دون تسديد ما يكفي للدولة. لكن مع حلفاء المالكي في هذه الوزارة، يصبح مستقبل مكافحة الفساد فيها غير مضمونا.

إذا، في حكومة السوداني مصائب، وفيها بصيص أمل. أما اعتراض المعترضين على المحاصصة، فسببه انعدام الثقافة السياسية بين العراقيين، فبناء التحالف من الكتل البرلمانية هو في صميم العمل الديمقراطي.

ما يزعج هؤلاء ليس المحاصصة في التشكيلة الحكومية، بل تقاسم الغنائم بين المشاركين في الائتلاف الحكومي، وهو فساد يحتاج إلى نية سياسية لدعم مؤسسات الرقابة والمحاسبة، ولا حلّ في إقصاء الجميع واستبدالهم بـ "مستبد عادل"، عفيف نظيف الكف حسبما يتخيل البعض، فالاستبداد طامة، وهو مفسد بطبيعته، وحتى لو وصل نظيف الكف إلى سدة الحكم، من شأن استبداده وغياب إمكانية معارضته أو الوقوف في وجهه، أن يفسده ويحوله إلى فاسد.

كذلك لا يدرك التغييريون العراقيون، مثل نظرائهم اللبنانيين، أن التغيير لا يأتي من رأس الهرم، بل من أسفله. فالتغيير يحتاج إلى نشر ثقافة الليبرالية والحرية بين الناس، وتغيير أطباعهم.

مثلا، لا يعقل ألا يلاحظ التغييريون العراقيون مشكلة عبارة "الإسلام مصدر للتشريع" في الدستور العراقي، وعبارة "الله أكبر" على العلم، وألا يدركوا أن رفع الآذان عبر التلفزيون الرسمي، وقراءة تلاوة قرآن أثناء انعقاد جلسة مجلس النواب، هي تعد على الحريات الفردية والعامة، فالدين لله والوطن للجميع، من يؤمن بالإسلام والله ومن لا يؤمن، كما من يؤمن بالأديان الأخرى ومن لا يؤمن، ولا يجوز أن يطغى أي معتقد، حتى معتقد الغالبية، على دستور البلاد، ولا على علمها، أو على مساحاتها العامة، أو مؤسسات الدولة فيها.

لكن إلى أن تنتشر بعض ثقافة الليبرالية والديمقراطية بين العراقيين، أو على الأقل بين النخبة منهم، لا بأس من قبول أفضل الموجود، والتعامل معه كواقع لا بد منه، ومحاولة البناء عليه وتحسينه.

أما شعارات المراهقة مثل "كلا كلا" العراقية و"كلن يعني كلن" اللبنانية، وسياسات التخبط والاستقالة من البرلمان واعتزال السياسة، يوم الجمعة، والعودة إليها، يوم السبت، فهذه انفعالات قد تبدو عفوية صادقة لكنها لا تبني دولا. هي سياسات خنفشارية تافهة، مثل سياسات الطاغية الراحل، صدام حسين، الولد البسيط الذي أثارت السلطة والشهرة، أو "الكشخة" وفق العراقيين، جنونه، فصار عالة على نفسه وناسه وبلاده، وقادها من جحيم إلى جحيم.

السوداني ما زال كمية مجهولة. حتى الآن لا يبدو صاحب كاريزما، ولا يظهر أن لديه ذكاء فطري أو موهبة. لكن السوداني يبدو صاحب نية وفكرة، فهل ينجح في تحقيق أفكاره الجيدة التي وردت في بيانه الوزاري، مثل تحويل اعتماد العراق اقتصاديا من النفط إلى القطاع الخاص واقتصاد الخدمات؟ أم أنه مثل من سبقه، يقدم أفكارا براقة ووزراء ذوي كفاءة، ثم ينهمك في محاولة تمديد إقامته في قصر رئاسة الحكومة بأي ثمن ممكن؟

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس
صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس

ينتهي عام 2022 وهو حافلٌ بالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. فمن تظاهرات إيران إلى مونديال قطر والتقارب الخليجي-الصيني-الأوروبي على وقع غرق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في أوكرانيا، كان هذا عام انقلابي ومن نوعٍ آخر.

عموماً، التغييرات الجيوسياسية التي شهدناها في 2022 أولها تخبط روسيا في أوكرانيا، ومغازلة الخليج للصين إنما دون إيجاد بديل أمني لأميركا، من المتوقع أن تستمر العام المقبل. فلا بوتين على وشك الخروج من مستنقع أوكرانيا ولا الصين بأعبائها الصحية والاجتماعية اليوم قادرة على استبدال واشنطن في قيادة العالم.

الملفات التي قد تشهد حركة العام المقبل سواء سلباً أو إيجاباً هي إيران وسوريا وفي شكل مترابط ومنفصل.

إيران كان عامها المنصرم عام خضات وتحولات سياسية غير مسبوقة منذ نشأة الجمهورية الإسلامية في 1979. فمدة التظاهرات والتي تخطت المئة يوم، ويحيطها حالة من الرفض الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لثوابت النظام، هي الأطول التي تواجه القيادة الإيرانية. وتتقاطع التظاهرات مع هزات أخرى  تواجه النظام، أولها الوضع الاقتصادي وتراجع الريال الإيراني إلى مستوى تاريخي (432 مقابل الدولار) على وقع الفساد والعقوبات والانقسامات داخل الدائرة المالية الحاكمة. يضاف إلى ذلك الأسئلة حول المرشد الأعلى، علي خامنئي، ومن قد يخلفه في الحكم في هذا الظرف.

الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، غير قادر على إسكات التظاهرات أو التعامل مع الأزمة الاقتصادية أو مخاطبة الخارج، فيما، مجتبى خامنئي، نجل المرشد، سيعني تفاقم المواجهة مع الغرب وزيادة نفوذ الحرس الثوري.

الخضات الإيرانية ستزيد من ارتجاجات الإقليم، وتمسك طهران بأوراق العراق ولبنان واليمن والمكاسب الميليشياوية والمالية فيهم.

أما سوريا وهي الحلقة التي تشهد تطورات ملفتة دوليا وإقليميا، فقد تبني على هذه الظروف لاستنباط واقع مختلف في 2023. هذه العوامل التي قد تفسح لحراك ديبلوماسي في سوريا العام الجديد هي كالتالي:

تركيا.. التقارب التركي-الروسي حول الملف السوري وبحكم مصالح مشتركة بينهما مثل كبح نفوذ واشنطن وإضعاف الأكراد في الشمال، قد يؤدي إلى صفقة بين الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وبشار الأسد. فإردوغان أبدى استعداده للقاء ثلاثي مع الأسد وبوتين وفي تراجع سيكون الأكبر له إقليميا في حال تم العام المقبل. حسابات إردوغان هنا هي سياسية واقتصادية وانتخابية قبل فتح صناديق الاقتراع في تركيا في يونيو المقبل. هكذا مصالحة بين إردوغان والأسد تفيد دمشق اقتصاديا أيضا وفي حال إعادة فتح السوق التجاري بين الجانبين.

أميركا.. العام 2022 رسخ رفع أميركا الفيتو عن الأسد، فالدعوات لإخراجه من الحكم توقفت والمسؤولون الأميركيون يتحدثون عن استقرار الوضع في سوريا، وانخفاض أعمال العنف ولا ينفون اتصالات مع النظام حول الرهائن الأميركيين. هذا لا يعني أن واشنطن سترفع العقوبات عن الأسد، إنما لا يبدو أن أميركا بوارد الاعتراض على حراك ديبلوماسي هناك.

عربيا، أفضت 2022 بانفتاح أكبر على النظام من زيارة الأسد إلى الإمارات، إلى استئناف عمان طيرانها إلى دمشق. الأردن بدوره يعول على دور أكبر للدول العربية ولروسيا لحشر إيران، هذا الرهان صعب ومعقد بسبب النفوذ الإيراني في سوريا، وبسبب هزات إيران، فهناك فرصة أمام بشار الأسد لإعادة بعض التوازن الذي برع به والده إقليميا بدل أن يحول سوريا إلى محافظة إيرانية.

كل ذلك يرجح حراكاً ديبلوماسياً في الملف السوري على وقع ارتجاجات إيران وانفتاح إردوغان على دمشق من باب موسكو. فهل يستفيد بشار الأسد من الفرصة أو يهدرها كما أهدر رصيد والده منذ العام 2000 وحتى اليوم؟