السوادني تعهد بمحاربة الفساد في العراق. أرشيفية
السوادني تعهد بمحاربة الفساد في العراق. أرشيفية

منذ اللحظة الأولى لإعلان نتائج انتخابات أكتوبر 2021، حتّى تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة محمد شياع السوداني، كانت تهمة التدخلات الخارجية حاضرةً في خطاب القوى السياسية التي شكّلت ما يُعرَف بالإطار التنسيقي، وإنَّ هنالك مشروعًا أميركيا-خليجيًا يسعى لتغيير المعادلة السياسية، من خلال إقصاء أطراف سياسية شيعية عن المشهد السياسي، وتحديدًا تشكيل الحكومة الجديدة. وكان هذا التبرير هو أحد أهم الأسلحة لدى الجيوش الإعلامية لقوى الإطار التنسيقي التي تستخدمها في سجالات اللجوء إلى الثلث المعطّل ورفض حكومة الأغلبية التي دعا إليها مقتدى الصدر وحلفاؤه في تحالف إنقاذ وطن.  

جرت الرياح لاحقاً بما تشتهي سفن قوى الإطار التنسيقي، وتحوّل من الثلث المعطّل إلى المتحكّم بتشكيل الحكومة، بفضل انسحاب نواب التيار الصدري، داخلياً. وخارجياً باتت أميركا تحثّ على ضرورة تحقيق الاستقرار وإنهاء الفوضى التي خلّفتها تداعيات استمرار الانسداد السياسي بتشكيل حكومة جديدة، تحت ضغط مشاكل الطاقة التي يواجهها حلفاؤها الأوربيون بسبب تداعيات استمرار الحرب الروسية ضدّ أوكرانيا. ونجحت استراتيجية إيران بالضغط على حلفائها داخل الإطار التنسيقي لإبقائه موحّدًا.   

كلّ هذه الظروف الإقليمية والدولية خدمت سعي الإطار لتشكيل حكومته، وأجادوا اللعبة عندما قدّموا محمد شياع السوداني لتشكيل الحكومة الجديدة، كونه شخصية غير جدلية ولديه اطلاع وخبرة في تفاعل العلاقات الدولية والإقليمية بحكم عمله في الحكومات السابقة. وسارعت أميركا لمدّ جسور التواصل مع السوادني منذ الأيام الأولى لإعلان ترشيحه وحتّى تكليفه، ومن ثمَّ تشكيل حكومته، لتكون السفيرة الأميركية في بغداد "إلينا رومانويسكي" أول من قدّم التهاني إلى السيد السوداني عند تكليفه رسميًا وبعد نيله الثقة من البرلمان. ويعكس حراك السفيرة الأميركية توجهًا واقعيًا يعبّر عن تعاطي الأميركان مع القرار الداخلي لِلقوى السياسية ليعكس صورةً جديدة، تختلف عمّا يجري تسويقه بفرض الأجندة الأميركية على قرار القوى السياسية، أو دعمهم لشخصيات محددة لتولّي الحكومة، أو حتّى دعمهم لبقاء حكومة الكاظمي.  

قد لا يكون تعاطي السفارة الأميركية في بغداد تعبيرًا عن توجّه استراتيجي جديد في التعامل مع تطورات الأحداث السياسية في العراق، والتي تعبّر عن صعود القوى السياسية التي يعدّها الأميركان مرتبطة بعلاقات وثيقة مع طهران، لا سيما أنَّ استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي أعلن عنها في (أكتوبر 2022)، لم تذكر العراق من أولوياتها، ولكنّها أكّدت على بقاء التهديد الإيراني في زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط.  

ولكن، يبدو أنَّ واشنطن لديها توجّه جديد لمواجهة مناطق النفوذ الإيراني، ويجري ذلك من خلال السفارات الأميركية في البلدان التي تمتلك فيها إيران نفوذاً عالياً. إذ كما يبدو أنَّ ملف ترسيم الحدود تمّ من خلال تدخّل السفارة الأميركية في بيروت، ودعم تشكيل حكومة السوداني قد جرى من خلال السفارة الأميركية في بغداد، وكلاهما يعبّر عن تراجع دَور المبعوث الأميركي الخاص بملفات الشرق الأوسط بصورة التدخل المباشر.  

لعلّ أميركا تروم اتّباع منهج سياسي مختلف بعيداً عن استراتيجية الديمقراطيين في عهد أوباما التي كانت تؤكّد على الجلوس على طاولة المفاوضات، أو استراتيجية الجمهوريين في عهد ترامب التي تصرّ على تصعيد التوتر والبقاء على حافة المواجهة والصدام المباشر. إذ يبدو أنَّ استراتيجية الخارجية الأميركية في عهد بايدن تعتمد التعامل مع أذرع النفوذ السياسي الإيراني سواء أكان بطريقة مباشرة، كما حصل في العراق، أو غير مباشرة كما حدث في لبنان. وبالنتيجة تسعى الولايات المتحدة إلى إحراج القوى التي ترفع راية العداء ضدّ أميركا من خلال التعامل السياسي معها باعتبارها واقعًا، والتوجه نحو التعامل مع الأطراف الفاعلة بعيدًا عن هيمنة المركز الإيراني المؤثّر.   

المهم، أن إعادة الاعتبار إلى السفارة الأميركية في بغداد بالتعاطي مع أحداث العراق، وبعيدًا عن هيمنة تعقيدات دوائر صنع القرار السياسي الخارجي الأميركي وتداعياته، إنّما هو فرصة مهمّة لِلقوى السياسية الشيعية لتصحيح علاقتها مع أميركا، بعيداً عن شعارات الاستقطابات الإيديولوجية في الصراعات الإقليمية. وأيضاً هو تحد جديد أمام رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الذي كان واضحًا في حديثه مع السفيرة الأميركية عندما أكّد لها أنَّ التعامل مع العراق يجب أن يكون بعيدًا عن التفكير التقليدي الذي يريد من العراق أن يكون في خطّ المواجهة الأميركية مع إيران، ويجب الابتعاد عن الادعاء الكاذب بأنَّ حكومة مقربة أو مدعومة من أميركا يمكن لها أن تقوم بتلك الوظيفة، وإنّما المساعدة على تحقيق الاستقرار في العراق ودعم اقتصاده تحقق مصالح البلدين بعيدًا عن مهاترات التصعيد والمواجهة مع طهران وأذرعها في العراق.  

سيكون السوداني في قادم الأيام مع تحدٍ سياسي مهم على الصعيدَين الداخلي والخارجي. فداخليًا عليه إقناع القوى السياسية الشيعية المشاركة في حكومته بأن إعادة تكرار أخطاء التعامل مع حكومة عبد المهدي من خلال الدخول بالحكومة وإحراجها بصواريخ الكاتيوشا التي تستهدف السفارات في المنطقة الخضراء يجب ألا يتكرر معه وإنَّ توجه السياسة الخارجية يجب أن يكون على وفق معيار المصلحة السياسية وليس المواقف المسبقة، وأنَّ الحكومة هي المسؤول الأول والأخير عن القرار السياسي الخارجي، ولا يمكن القبول بإضعاف وظيفتها في حفظ سيادة العراق.   

أمّا خارجياً، فهو بحاجة إلى توثيق العلاقات الخارجية مع القوى الإقليمية والدولية والاستفادة من الدعم والترحيب الخارجي الذي تلقته حكومته، ومن ثم يجب أن يبدأ باختيار فريق دبلوماسي يعبّر عن توجه حكومة السوداني في السياسة الخارجية، وأن يكون هذا الفريق مؤهلًا لتقديم رؤية الحكومة الجديدة، وتوفير الدعم الخارجي لها.  

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

الرئيس السوري بشار الأسد زار حلب إحدى أكبر المدن التي تضررت بالزلزال
الأسد خلال حديثه لوسائل الإعلام أثناء زيارته لحلب بعد الزلزال (سانا)

فور حدوث الزلزال الكارثي الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا وقضى على عشرات الآلاف من الضحايا وحّول مناطق شاسعة في البلدين إلى أهرامات من الركام، سارع الرئيس السوري، بشار الأسد، دون خجل إلى تسيس هذه المأساة واستغلالها لخدمة مصالحه الضيقة، ولطمس جرائم القتل الجماعي التي ارتكبها ضد شعبه في العقد الماضي، وللتخلص من العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة على نظامه ولإعادة بعض الشرعية لنظامه الدموي الفاسد. 

الأسد رحّب بالاتصالات الهاتفية التي أجراها معه بعض القادة العرب، مثل الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، وبأولى شحنات المساعدات التي وصلت إلى سوريا من دولة الإمارات وقطر والسعودية والأردن. 

هذه الدول تسعى منذ سنوات إلى إعادة سوريا إلى "حظيرة" جامعة الدول العربية، سوف تتعاون مع دمشق في سياق إغاثة ضحايا الزلزال إلى إعادة تأهيل النظام السوري واعتماد سرديته الواهية التي تدعي أن إغاثة الضحايا السوريين يجب أن تمر عبر دمشق.

حتى الحكومة اللبنانية المستقيلة، التي بالكاد تقوم بمهام تصريف الأعمال، أرسلت وفدا حكوميا رسميا إلى دمشق لبحث تداعيات الزلزال المدمر "والإمكانات اللبنانية المتاحة للمساعدة في مجالات الإغاثة".

لبنان، الذي وصفه أحد الأصدقاء الظرفاء، "أجمل دولة فاشلة في العالم"، هذه الدولة التي تركت للبنانيين مشاهدة ركام أهرامات القمح في المرفأ بعد أن دمرها جزئيا أكبر انفجار غير نووي في العالم لتذكرهم بفشلها وفسادها ورعونتها، دفعتها المروءة المسرحية لمد يد المساعدة لنظام أذلّ اللبنانيين لعقود.

السوريون، الذين قهرهم أولا نظامهم الوحشي، وتخلى الله عنهم لاحقا، إلى أن أتت الطبيعة لتزيد من يبابهم يبابا، يستحقون كل مساعدة وكل إغاثة ممكنة لأنهم ضحايا بامتياز وعلى مدى سنوات طويلة.

ولكن الخبث اللبناني الرسمي ينضح من ادعاءات توفير الإمكانات اللبنانية لمساعدة ضحايا الزلزال في سوريا، (الهدف الأول من الزيارة هو تطبيع العلاقات) بينما يتم تجاهل ضحايا الزلازل السياسية اللبنانية، ومن بينهم ضحايا انفجار مرفأ بيروت الذي ترفض الحكومة اللبنانية والقوى التي تقف وراءها مثل حزب الله حتى الاعتراف بمأساتهم والتعويض عليها، ومحاسبة المسؤولين عن الانفجار.

وخلال زيارته الأولى للمناطق المنكوبة في حلب (بعد خمسة أيام من حدوث الزلزال) ألقى الأسد باللوم على الغرب لتأخر وصول المساعدات الإنسانية مدعيا أن أولويات الغرب سياسية وليست إنسانية، مضيفا أنه من الطبيعي أن يسيسوا الوضع، لأن اعتبارات الغرب غير إنسانية لا اليوم ولا في السابق.

واستغل الأسد وأقطاب نظامه الزلزال للمطالبة بإلغاء العقوبات الاقتصادية الدولية، في الوقت الذي واصلوا فيه إصرارهم على ضرورة وصول المساعدات الدولية إلى المناطق المنكوبة في البلاد عبر الحكومة السورية فقط، بما في ذلك المساعدات إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وهو أمر ترفضه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بسبب سجل الأسد خلال العقد الماضي في استغلال المساعدات الانسانية وتوزيعها على أنصاره أو سرقتها وبيعها في السوق السوداء.

وفي الأسبوع الماضي، جددت واشنطن إصرارها على رفض التعامل المباشر مع نظام الأسد أو رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة ضده، مع التأكيد على أن العقوبات تستثني المساعدات الانسانية والأغذية والأدوية.

وقال الناطق باسم وزارة الخارجية، نيد برايس، للصحفيين: "من المثير جدا للسخرية، إن لم يأت بنتائج عكسية، أن نتواصل مع حكومة عاملت شعبها بوحشية على مدى أكثر من عشر سنوات حتى الآن عن طريق إطلاق قنابل الغاز عليهم وذبحهم، لتتحمل المسؤولية عن الكثير من المعاناة التي يعيشها الشعب".

في هذا السياق من الصعب تصديق ادعاءات وزير الخارجية السوري، فيصل مقداد، أن حكومته مستعدة لأن تسمح بدخول المساعدات الدولية إلى جميع المناطق السورية "طالما لم تصل إلى التنظيمات الإرهابية المسلحة" كما قال في مقابلة تلفزيونية وهذا يعني عمليا استثناء محافظة إدلب الواقعة تحت سيطرة هيئة تحرير الشام الإسلامية.

وادعى مقداد أن العقوبات تزيد من صعوبة الكارثة. هذا الموقف ينسجم مع الموقف التقليدي لنظام الأسد خلال العقد الماضي حين كانت السلطات السورية تمنع وصول المساعدات الإنسانية إلى السوريين الذين كانوا يعانون من المجاعة في المناطق المحاذية للعاصمة، دمشق، كما حدث خلال سنتي 2012 و2014. ويجب ألا نتوقع غير ذلك الآن.

نصف المناطق المنكوبة في سوريا واقعة تحت سيطرة الحكومة السورية والنصف الآخر واقع تحت سيطرة المعارضة المسلحة.

ويخشى السوريون في المناطق الواقعة خارج السيطرة الحكومية في شمال غرب سوريا وكذلك منظمات الإغاثة الدولية من أن نظام الأسد سوف يعطل إيصال المساعدات إليهم او الاستيلاء عليها، وأن الوسيلة الوحيدة لإيصال هذه المساعدات بسرعة الى المتضررين هي عبر الأراضي التركية وعبر معبر باب الهوى، وهو المعبر الوحيد المفتوح بين تركيا وسوريا.

وتقوم روسيا، بطلب من الحكومة السورية باستخدام حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن الدولي لمنع فتح المعابر الاخرى بين تركيا وسوريا.

ولذلك، فإن مفتاح الإسراع بإيصال مساعدات الإغاثة الدولية إلى تلك المناطق السورية هي عبر فتح المعابر الدولية، بدلا من الحديث العبثي عن إلغاء العقوبات الاقتصادية وهي مسألة صعبة قانونيا وسياسيا، وسوف تؤدي إلى تعزيز وترسيخ نظام ارتكب جرائم حرب ضد شعبه. ووصلت صفاقة النظام السوري إلى درجة أنه قصف مناطق المعارضة المنكوبة حتى بعد حدوث الزلزال.

وفي خطوة لافتة أرادت من خلالها واشنطن أن تفند الاتهامات الباطلة بأنها لا تقوم بما فيه الكفاية لإيصال المساعدات الى المناطق السورية المنكوبة، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية استثناء مؤقتا من العقوبات يتعلق بالمعاملات المالية للأغراض الإنسانية لمدة ستة أشهر.

وأكد مساعد وزير الخزانة الأميركية، والي أدييمو، أن "برامج العقوبات الأميركية تحتوي بالفعل على إعفاءات قوية للجهود الإنسانية ومع ذلك أصدرت وزارة الخزانة اليوم ترخيصا عاما شاملا لتفويض جهود الإغاثة من الزلزال حتى يتمكن أولئك الذين يقدمون المساعدة من التركيز على ما هو مطلوب أكثر: إنقاذ الأرواح وإعادة البناء".

ولكن هذا التعديل المؤقت لا يشمل السماح بالتعامل المالي مع أي جهة رسمية تابعة لنظام الأسد ولا التعامل مع الأفراد المدرجين على قوائم العقوبات، كما لا يستثني الحظر المستمر على النفط السوري.

من المتوقع أن يؤدي الزلزال إلى تعجيل وتيرة تطبيع العلاقات بين معظم الدول العربية بمن فيها أصدقاء الولايات المتحدة والنظام السوري، على الرغم من استمرار العلاقات الوثيقة بين دمشق وطهران.

كما من المتوقع أن تبقى العقوبات الدولية التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على النظام السوري، طالما بقي الأسد متربعا على كرسيه الرئاسي فوق الركام السوري.