"ماذا لو كان للمفاهيم الذكورية تأثير سلبي على الرجال أيضا، وليس فقط على النساء؟ "- تعبيرية
"ماذا لو كان للمفاهيم الذكورية تأثير سلبي على الرجال أيضا، وليس فقط على النساء؟ "- تعبيرية

نتحدث ونكتب كثيرا عن الذكورية السامة وعن المجتمع الأبوي الذكوري، وكيف يؤثر كل هذا على النساء وحياتهن وأمنهن واستقلاليتهن، وأجسادهن، وحريتهن وحقوقهن. وهذا صحيح جدا وفي العالم بأسره تقريبا، وإن بنسب مختلفة؛ فالعقلية الذكورية لا تؤثر على النساء في كندا والولايات المتحدة الأميركية كما تؤثر عليهن في أفغانستان أو إيران أو السعودية! 

لكن، ماذا لو كان للمفاهيم الذكورية تأثير سلبي على الرجال أيضا، وليس فقط على النساء؟ ماذا لو كانت حياتهم تتأثر أيضا بهذه المفاهيم المغلوطة؟ ماذا لو كان الرجال أنفسهم ضحايا، بشكل ما، للذكورية السامة؟

لنتأمل الأمثلة التالية: كم مرة سمعنا أما تطلب من ابنتها مساعدتها في إعداد الطعام أو تنظيف البيت، دون أن تكلف ابنها الشاب بنفس المهام؟ وهذه، بالمناسبة، ممارسة خاطئة جدا تكررها الكثير من الأمهات فتصنعن بذلك تصورا مغلوطا مفاده أن بالمهام المنزلية هي من الصفات "الطبيعية" أو "الغريزية" لدى النساء، وأنه من العيب أن يقوم بها الرجال لأنها تنتقص من رجولتهم. 

الذي يحدث أن هذا ينتج تقسيما غير عادل للمسؤوليات المنزلية بين الرجال والنساء، لكنه أيضا ينتج رجالا عاجزين عن تدبير أمور حياتهم الشخصية بمفردهم، في وقت أصبحت ظروف الحياة تضطر النساء كما الرجال لتحمل مسؤولياتهم بشكل فردي. ولعل الراحلة نوال السعداوي كانت محقة جدا حين كتبت: "علموا بناتكم الاستقلال الاقتصادي حتى يبحثن عن رفيق للحياة وليس عن عائل؛ وعلموا أبناءكم الاستقلال المنزلي حتى يبحثوا عن حبيبة وليس عن عاملة منزل". 

أيضا، كم مرة سمعنا أما أو أبا يقولان لابنهما: "أنت رجل، ولا يجب أن تبكي؟ البكاء للبنات فقط".  لماذا ربطنا الدموع والضعف بالنساء حصريا؟ أليس الرجل إنسان لديه مشاعر ومن حقه أن يعبر عن هشاشته وأن يتأثر ويبكي؟ إذ، بقدر ما يصنع هذا الفهم الخاطئ تصورا سلبيا عن النساء وعن الضعف نفسه، بقدر ما يحرم الرجال أنفسهم من حقهم في أن يكونوا بشرا، وأن يضعفوا، وأن يبكوا... وإلا، لولد الرجال بيولوجيا من غير قدرة على الألم والبكاء والحزن! من غير غدد تفرز الدموع!

الأمثلة كثيرة ومتعددة تتعلق بتقسيم الأدوار والمشاعر والألوان بين النساء والرجال، فتظلم النساء كما تظلم الرجال. 

لذلك، سيدتي، فكما تعلمين ابنتك أعمال البيت والتنظيف والطبخ، علمي ابنك نفس الأمر حتى لا تعاني سيدة أخرى في المستقبل وحتى لا يعاني هو نفسه من هذا الأمر. ليس فقط من واجب الرجل تعلم الأشغال المنزلية من طبخ وتنظيف وترتيب حتى يكون إنسانا مستقلا في المستقبل وحتى لا يعتبر أن هذه الأمور واجب حصري على شريكته؛ بل أن من حقه أيضا أن يتعلم ذلك حتى يكون إنسانا مستقلا في المستقبل، سواء كانت له شريكة أم لا!

كذلك، علينا جميعا، قبل أن نسخر من طفل لأنه يبكي أو ننهره بسبب ذلك، أن نتذكر أن من حقه، حتى يكون إنسانا سويا، أن يعبر عن ألمه وضعفه؛ فهذا لن ينتقص من إنسانيته في شيء. الطفل، والرجل لاحقا، إنسان بمشاعر وهشاشة طبيعية. من حقه أن يبكي ومن حقه أن يشتكي وأن يكون ضعيفا، دون أن نعتبر أن في ذلك انتقاصا من رجولته.

من حق الرجل، أيضا، أن يختار الألوان التي تعجبه وليس تلك التي يفرضها عليه المجتمع أو يمنعه من ارتدائها. ما العيب في اتدائه الوردي أو أي ألوان فاتحة؟ ما الضرر إن قرر الاهتمام بشكله وبشرته وشعره وأن يستعمل الكريمات إن شاء؟ إلا يكون الرجل رجلا إلا إذا رفض الاعتناء بشكله؟ وهل ينتقص من رجولته أن يستعمل كريما مرطبا للبشرة أو واقيا من أشعة الشمس؟ 

باختصار، كما نرفض أشكال الذكورية التي تحرم النساء من حقوقهن وتكرسهن في أدوار معينة، فيجب أن نرفض أيضا الأدوار والممارسات المفروضة على الرجال، باسم ما ينتظره منهم المجتمع وباسم تصور معين عن الذكورة والفحولة والرجولة.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.