العراق برَيعه النفطي لا يريد من حكومته إلا أن تحقق حدًا مقبولًا من سلطة القانون

استلهمتُ عنوان المقال من منشور على صفحة الفيسبوك لأستاذنا الدكتور عماد عبد اللطيف سالم تعليقًا على البرنامج الوزاري لحكومة السيد محمد شياع السوداني، إذ كتب فيه: "العراق يعاني من أزمتين راسختين في الوعي المجتمعي، لم يتم ذكرهما في البرنامج الحكومي. هاتان الأزمتان هما: أزمة الأمل، وأزمة الثقة بقدرة الحكومة على تحقيق هذا الأمل. الأمل في تحقيق شيء، والثقة في امتلاك القدرة على تحقيقه.. هما كلّ ما نحتاج إليه الآن".  

محمد شياع السوداني تصدّى لتشكيل حكومة في بيئة من التناقضات السياسية وفقدان بوصلة تحديد الأعداء والحلفاء، وحقول ملآى بالألغام. إلا أنه قبِل التحدي، ومن ثمَّ ستكون حكومته مطالبة بتقديم نمط جديد من الإدارة والممارسة.   

والتحدي الأكبر هو كيف يمكن أن يثق المواطن بأن خطوات عمل هذه الحكومة هي لمصلحته وليس لاستمرار التخادم بين الحكومة والطبقة السياسية فحسب، ولعلّ الثقة هي مفتاح استعادة الأمل بالحكومة.  

وبعيداً عن خطاب المتشائمين، وخطاب جوق المطبّلين لحكومة السوداني ومَن يعتبرها نصرًا على خصومه السياسيين، فإنَّ الشارع العراقي ينظر إلى وجود هذه الحكومة باعتبارها ضرورةً لاستحقاقات مرتبطة بتفاصيل حياته المعيشية اليومية، التي تعطّلت كثيرًا بسبب المأزق السياسي الذي استغرق زمنًا طويلًا لحلّه، ورافقته كلفٌ مدمّرة ساعد عليها الشلل السياسي والحكومي، جعلت هذا الشارع مترقبًا ومرحّبًا، بل وراضيًا بأيّ حلّ سياسي.  

وبعد تكرار الخيبات من الحكومات السابقة، وفقدان الأمل والثقة بأنَّ تغيير الحكومات يمكن أن يحمل تغييرًا على مستوى حياتهم اليومية، بات العراقيون لا يحلمون بمعجزة اقتصادية ولا القفز بمعدلات النمو، ولا أن يكون العراق ضمن قائمة الدول العربية والإقليمية الصناعية والزراعية، ولا أن يعيشوا في ظلّ دولة الرفاه! وإنما باتت أمنياتهم محصورةً باستعادة الدولة أولاً وأخيرًا؛ لأنَّ غياب الدولة يعني غياب القانون وسطوة جماعات السلاح المنفلت، والعيش تحت سطوة مافيات الفساد.   

حتّى الفساد الذي لا يختلف على وجوده ومظاهره اثنان من العراقيين تحوّلت المطالبة بمحاربته إلى نوع من الأمنيات التي يتحدّث عنها المواطن! وأصبحت مطالبه بأن يكون هناك حدودٌ معينةٌ لِلفساد، لا أن يجدها في المستشفيات العامة وفي الطرقات العمومية التي تحولت تسمياتها إلى (طرق الموت)، وأن تصله مفردات البطاقة التموينية كاملة وفي توقيتها الشهري، بدلاً من أن يكون نصفها مسروقًا ونصفها الآخر غير صالح للاستهلاك البشري!  

العراق برَيعه النفطي لا يريد من حكومته إلا أن تحقق حدًا مقبولًا من سلطة القانون التي تُفضي إلى إيقاف الفساد وإبعاد سطوة أحزاب السلطة ومن يرتبط بها من مافيات المال والسلاح عن مشاريع الخدمات العامة والاستثمار، عند ذاك فإن عوامل السوق ستعيد للاقتصاد توازنه وتكون الدولة مؤتمنةً على ثرواته المادية التي هي هبة الله من غير جهد، وعليها فقط أن تفلح في توزيعها، إذ أنَّ غاية الطموح المنظور هو أن يكون العراق دولة خدمات مع شبكة ضمانات اجتماعية تتأسس على العدل وتقليص الفوارق.  

على رئيس الحكومة أن يدرك بأنَّ المواطن تجاوز مرحلة الملل والتذمّر من سماع التصريحات الحكومية التي تتناقلها كاميرات فريقه الإعلامي، ووصل إلى مرحلة القرف من كلّ الخطابات التي تنتقد الماضي وتثرثر بالتحديات التي تواجه عمل الحكومة وتشخّص الأخطاء فقط ولا تقدّم آفاقًا لِلحلول.   

المواطن غير معني بالمساومات والترضيات في توزيع المناصب العليا في الدولة على حاشية الزعامات السياسية، فما يهمّه هو المنجز الاقتصادي والخدمي الملموس، وتحقيق أمنيته تكمن باستعادة العيش في ظلّ الدولة والقانون، لا تحت حكم قوى السلاح المنفلت.  

الثرثرة السياسية لا تبني دولةً ولا تمنح المواطن الثقة بالحكومة، والشعارات التي يرفعها السياسيون باتت محلًا للسخرية أكثر من كونها تحمل بوادر الأمل بتحقيقها. وهذا ليس ذنب المواطن الذي بات يتذمّر ويسخر من كلّ العناوين السياسية، وإنّما من يتحمّل المسؤولية هي القوى السلطوية التي فشلت في إقناع المواطن بأنّها تمثّله وتحمل رغبته في حياة كريمة وتأسيس دولة تتعامل معه كمواطن وليس تابعًا لهذه الطائفة أو يقدّم الولاء لهذا الزعيم؛ حتّى يحصل على وظيفة حكومة أو فرصة عمل أو تأمين لقمة العيش.   

السوداني أمام تحديات كبيرة وخطيرة، ولكنّه لن يستطيع النجاح في مواجهتها إلا إذا تجاوز خطاب التذمّر والتشكي، وتجاوز الشعارات الشعبوية والعناوين الطائفية والقومية التي يتوهم زعماء الطبقة السياسية أنّها مصدرٌ لِشرعية بقائهم بالحكم. إذ عليه التفكير باستراتيجيات واضحة وصريحة تستهدف تفاصيل حياة المواطن اليوميّة، وتكون خطوات تنفيذها هي الطريق الوحيد لمدّ جسور الثقة بين المواطن والحكومة. ومن ثمّ تكون شرعية المنجَز هي الرهان على بقائه في المنصب وليس الترضيات والتنازلات للزعامات السلطوية، فحسب.  

استعادة ثقة المواطن بحكومته، والأمل بقدرتها على ضمان متطلباته هو من يقوّي الحكومة ويوفّر لها إجماعًا سياسيًا وشعبيًا يضمن صلابة موقفها في مواجهة القوى والأحزاب التي تريد أن تمارس هوايتها بإضعاف الدولة والحكومة معًا. والمنجَز الاقتصادي والخدمي الذي تقدّمه الحكومة لِلمواطن سيكون بمثابة السلاح الأقوى الذي تواجه به ضغوطات القوى السياسية ورغباتها النرجسية التي تمارسها ضدّ الدولة. ولكنَّ الأمل بالحكومة واستعادة الثقة فيها يحتاج إلى إرادة قويّة، وإلى عزم شديد ورغبة صادقة لا تعرف الضعف، والابتعاد عن الكذب والرياء والنفاق والأقنعة الزائفة في طرح تصورات ومعالجات لملف الفساد ولمعضلة سلاح القوى الموازية لِلدولة، ولتصبح بعد كلّ ذلك واقعيّة وملموسة وليس شعارات مملة.  

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.