مشجعات إيرانيات في بطولة كأس العالم في قطر
مشجعات إيرانيات في بطولة كأس العالم في قطر

ترفع الفيفا شعارا "في كرة القدم لا مكان للسياسة"، وواقع الحال أن كل الإسقاطات السياسية تحضر في مونديال قطر، وأطرف ما قرأته قبيل المواجهة بين فريقي أميركا وإيران أنهما لأول مرة تخوضان الصراع خارج العراق.

آخر مرة التقت أميركا وإيران في كأس العالم كانت عام 1998 في فرنسا، وأطلق عليهما رئيس اتحاد كرة القدم الأميركي، آلان روتنبرغ اسم "أم المباريات"، وتعود المواجهة مرة ثانية بعد 24 عاما في الدوحة والصراع بين البلدين محتدما، وشوارع طهران تشتعل بالاحتجاجات منذ ما يزيد عن شهرين ونصف الشهر بعد مقتل مهسا أميني على أيدي شرطة الأخلاق.

في أول مباراة لإيران أمام منتخب انجلترا التقطت عدسات المصورين امتناع لاعبي إيران عن ترديد النشيد الوطني لبلادهم، وفُسّر ذلك على أنه تضامناً مع المحتجين والمحتجات في الشوارع الإيرانية، ولم يكن مخفياً وجود يافطات في المدرجات تذكر بالانتفاضة، والقمع الذي يتعرض له الناس في طهران، والمدن المختلفة. 

حين كنت أشاهد مباراة أميركا وإيران همست بأذن صديقي ساخراً، هل سيُهدي لاعبو إيران الفوز لغريمهم أميركا عقاباً لنظامهم السياسي؟

عام 1998 فازت إيران وهُزمت أميركا، وفي الدوحة انتصر المنتخب الأمريكي، وخرجت إيران من البطولة، ولا أعرف إن كانت ستتهم "قوى الشر" بالمؤامرة ضدها في المونديال، مثلما تتهم أجهزة غربية وعربية أنها وراء إشعال المظاهرات في إيران، ويقول مُرشد الجمهورية الإسلامية آية الله خامنئي إنها من تصميم أميركا والنظام الصهيوني. 

في 16 من شهر سبتمبر/أيلول الماضي قُتلت الشابة مهسا أميني، التي تبلغ من العمر 22 عاماً بعد أن احتجزتها شرطة الأخلاق في طهران لأنها ترتدي الحجاب بطريقة غير لائقة، واتُهمت بارتداء ملابس غير محتشمة، ودخلت في غيبوبة بعد الاعتداء عليها بالضرب، وفارقت الحياة، ومنذ ذلك اليوم وحتى اللحظة لم تهدأ التظاهرات في الشوارع الإيرانية، ولم تستطع القبضة الحديدية لـ "الباسيج" أن تضع حداً لما أُطلق عليه "انتفاضة الحجاب".

هذه ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة في سلسلة الاحتجاجات الشعبية الإيرانية، ومنذ الثورة الإسلامية التي قادها الخميني عام 1979 وكرة الثلج تتدحرج، وتكبر، والصراع بين السلطة والمجتمع ينمو، ويتخذ شعارات مختلفة، ومنذ الحركة الخضراء التي جاءت بعد اتهام الإصلاحيين للسلطة السياسية بتزوير الانتخابات لمصلحة الرئيس الأسبق أحمدي نجاد، وأشكال التمرد، والاحتجاج لم تتوقف، وعامي 2017، و2019 كانا حافلين بالتظاهر ربما لأسباب تبدو اقتصادية احتجاجاً على غلاء أسعار المشتقات النفطية، لكنها كانت تجد تعبيرات سياسية واجتماعية.

الاحتجاجات المستمرة في إيران عنوانها الدفاع عن الحريات الشخصية، والصراع مع النظام الذي يحاول أن يفرض قسراً على المجتمع رؤيته، ولهذا ففي وسائل الإعلام من يصورها بثورة لإسقاط "العمائم" رمز السلطة الدينية، وتنتشر فيديوهات على منصات التواصل الاجتماعي لمتظاهرين يقومون بإسقاط العمائم عن رؤوس رجال الدين الإيرانيين في المدن، والأحياء.

لا توجد مصادر موثوقة لعدد القتلى والمعتقلين منذ اندلاع الاحتجاجات في إيران، لكن المنظمات الحقوقية تُشير إلى أن السلطات وجهت الاتهام إلى ما يقارب 15 ألف شخص، ولائحة الاتهام تطول، وتبدأ بالتجمع والتآمر ضد البلاد، مروراً بالدعاية ضد النظام، والشغب، والتحريض على العنف، والإخلال بالنظام، وإلحاق الضرر بالممتلكات، وإصابة رجال الأمن بجروح، وهذه الاتهامات تتزامن مع معلومات عن إصدار أحكام إعدام بحق بعض المحتجين. 

لا أختلف مع الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، أن الغرب منافق، ويكيل بمكيالين، وقوله في خطابه في الأمم المتحدة "كل يوم يموت رجال ونساء في مواجهات الشرطة، ولكن هذا العنف لا يُثير الحساسية"، كلام قد يجد الكثير من المناصرين، ويكفي أن تعود بالذاكرة لما يرتكبه الاحتلال الإسرائيلي من جرائم بحق الفلسطينيين العُزّل منذ عقود لتكفر بكل شعارات حقوق الإنسان التي ترفعها دول الغرب بانتقائية حين تُريد، وتغض النظر عنها حينما تُريد، وحتى المفارقات، والمواقف التي اتخُذت منذ الحرب الروسية على أوكرانيا تُثير الشهية لالتقاط المتناقضات، والمعايير المزدوجة التي يجري ترويجها بوقاحة. 

توظيف الغرب للانتفاضة في إيران لإسقاط، أو إضعاف، نظام "الملالي"، يجب أن لا يحجب الرؤية، والحقيقة، أن في إيران ظلم واستبداد ضد الشعب، وأن مناصرتنا للنساء الإيرانيات، وللشباب موقف حقوقي، لا ينفصل عن الإيمان بحق الشعوب بالحرية، والكرامة الإنسانية.

صُعّدت منذ انطلاق شرارة الاحتجاجات الضغوط على طهران، روبرت مالي المبعوث الأمريكي لإيران يُعلن أن إدارة بايدن لن تضيع الوقت في محاولة إحياء صفقة -المقصود الاتفاق النووي- فيما طهران تهاجم المتظاهرين في الداخل، وتدعم روسيا في أوكرانيا، ومجلة "دير شبيغل" الألمانية تكشف أن 9 دول أوروبية تعتزم توسيع العقوبات المفروضة على إيران، وخاصة لمن مارس العنف ضد المحتجين.

المواقف الغربية لا تواجهها القيادة الإيرانية بالصمت، والانحناء، وإنما بالتلويح بالتهديد، ووزير الأمن الإيراني، إسماعيل خطيب يقول "إيران انتهجت حتى الآن منهج العقلانية والرصانة، والصبر الاستراتيجي، ولكنها لا تقدم ضماناً باستمرار هذا الصبر في حال استمرار العداء"، "وول ستريت جورنال" تكشف أيضاً أن الرياض شاركت معلومات استخبارية مع واشنطن حول هجوم إيراني مرتقب، وردت الخارجية الإيرانية أنها اتهامات لا أساس لها من الصحة. 

في الداخل الإيراني، وفي الخارج ما تزال الأزمة محتدمة، وتُلقي بظلالها، ومخاوفها، والمعلومات المتوافرة أن 451 شخصاً قُتلوا من بينهم أطفال حتى قبيل نهاية شهر نوفمبر، والمحاكم الثورية الإسلامية استُخدمت كأداة لإصدار أحكام جائرة ضد المحتجين، والسياسيين، والصحفيين، ولهذا فإن المقررين الخواص الذين يعينهم مجلس حقوق الإنسان دعوا إلى إنشاء آلية تحقيق دولية مستقلة لضمان مساءلة إيران، وعدم الإفلات من العقاب، وحذروا من استخدام عقوبة الإعدام لسحق الاحتجاجات، وطالبوا بالإفراج الفوري عن المتظاهرين الذين حُرموا تعسفياً من حريتهم، وفي نهاية المطاف قرر مجلس حقوق الإنسان تعيين فريق تحقيق لتسليط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان في إيران. 

السؤال الذي يُطرح؛ هل سيكون مقتل مهسا أميني سبباً في سقوط النظام الإيراني، وهناك من يضع مقاربة مع ماحدث في تونس إبان الربيع العربي، والصفعة التي تلقاها البوعزيزي وكانت الشرارة لثورة الياسمين التي أسقطت نظام بن علي؟ 

لا أعتقد أن الجمهورية الإسلامية تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد الاحتجاجات، ولكنها تضع النظام على الحافة، وتأكل من رصيده الذي ينحسر، وتثخنه بالجراح، ويطبق الحصار عليها أكثر، ويرى العالم أن الوقت قد حان لمزيد من الضربات حتى يسقط، أو يخضع.

مقتل مهسا أميني وجد صداه في المونديال ومجاهرة لاعبي المنتخب الإيراني في الاحتجاج، ورفض ترديد النشيد الوطني أمر ليس سهلاً، و"CNN" نسبت لمصدر معني بأمن المباريات في كأس العالم، أن عائلات لاعبي المنتخب الإيراني تعرضوا للتهديد بالسجن، والتعذيب، إذا لم يُحسن اللاعبون التصرف، وقيل أن اللاعبين بعد مباراة انجلترا استدعوا للقاء مع أعضاء من الحرس الثوري الإيراني.
مواقف اللاعبين في المونديال امتداد لمواقف كثيرة في إيران، فأسطورة كرة القدم الإيراني، علي دائي أعلن أنه تلقى تهديدات بسبب مساندته للمحتجين، ولاعب كرة القدم المعروف، فوريا غفوري الذي ينحدر من أصول كردية أُعتقل، لأنه ساند الاحتجاجات، ولاحقاً ترددت معلومات بالإفراج عنه، وحتى ابنة شقيقة المرشد الأعلى، واسمها فريدة مراد خاني وصفت نظام بلادها بالمجرم، وقاتل الأطفال، وكتبت شقيقتها على تويتر أنها اعتُقلت.

ما بين مرشد للثورة يعتبر المحتجين مشاغبين وبلطجية، وعالم يعتبر مهسا أميني أيقونة للثورة، لا يبدو أن حمام الدم سيتوقف قريبا، وها هو الأمير رضا بهلوي، ابن الشاه أخر ملوك إيران، يطالب الأمم المتحدة بإجراء تحقيقات متعددة الجنسيات، وفي مواجهته يرى خامنئي أن لا أحد يجرؤ على تقويض الجمهورية الإسلامية؛ فهي شجرة ثابتة. 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس
صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس

ينتهي عام 2022 وهو حافلٌ بالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. فمن تظاهرات إيران إلى مونديال قطر والتقارب الخليجي-الصيني-الأوروبي على وقع غرق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في أوكرانيا، كان هذا عام انقلابي ومن نوعٍ آخر.

عموماً، التغييرات الجيوسياسية التي شهدناها في 2022 أولها تخبط روسيا في أوكرانيا، ومغازلة الخليج للصين إنما دون إيجاد بديل أمني لأميركا، من المتوقع أن تستمر العام المقبل. فلا بوتين على وشك الخروج من مستنقع أوكرانيا ولا الصين بأعبائها الصحية والاجتماعية اليوم قادرة على استبدال واشنطن في قيادة العالم.

الملفات التي قد تشهد حركة العام المقبل سواء سلباً أو إيجاباً هي إيران وسوريا وفي شكل مترابط ومنفصل.

إيران كان عامها المنصرم عام خضات وتحولات سياسية غير مسبوقة منذ نشأة الجمهورية الإسلامية في 1979. فمدة التظاهرات والتي تخطت المئة يوم، ويحيطها حالة من الرفض الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لثوابت النظام، هي الأطول التي تواجه القيادة الإيرانية. وتتقاطع التظاهرات مع هزات أخرى  تواجه النظام، أولها الوضع الاقتصادي وتراجع الريال الإيراني إلى مستوى تاريخي (432 مقابل الدولار) على وقع الفساد والعقوبات والانقسامات داخل الدائرة المالية الحاكمة. يضاف إلى ذلك الأسئلة حول المرشد الأعلى، علي خامنئي، ومن قد يخلفه في الحكم في هذا الظرف.

الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، غير قادر على إسكات التظاهرات أو التعامل مع الأزمة الاقتصادية أو مخاطبة الخارج، فيما، مجتبى خامنئي، نجل المرشد، سيعني تفاقم المواجهة مع الغرب وزيادة نفوذ الحرس الثوري.

الخضات الإيرانية ستزيد من ارتجاجات الإقليم، وتمسك طهران بأوراق العراق ولبنان واليمن والمكاسب الميليشياوية والمالية فيهم.

أما سوريا وهي الحلقة التي تشهد تطورات ملفتة دوليا وإقليميا، فقد تبني على هذه الظروف لاستنباط واقع مختلف في 2023. هذه العوامل التي قد تفسح لحراك ديبلوماسي في سوريا العام الجديد هي كالتالي:

تركيا.. التقارب التركي-الروسي حول الملف السوري وبحكم مصالح مشتركة بينهما مثل كبح نفوذ واشنطن وإضعاف الأكراد في الشمال، قد يؤدي إلى صفقة بين الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وبشار الأسد. فإردوغان أبدى استعداده للقاء ثلاثي مع الأسد وبوتين وفي تراجع سيكون الأكبر له إقليميا في حال تم العام المقبل. حسابات إردوغان هنا هي سياسية واقتصادية وانتخابية قبل فتح صناديق الاقتراع في تركيا في يونيو المقبل. هكذا مصالحة بين إردوغان والأسد تفيد دمشق اقتصاديا أيضا وفي حال إعادة فتح السوق التجاري بين الجانبين.

أميركا.. العام 2022 رسخ رفع أميركا الفيتو عن الأسد، فالدعوات لإخراجه من الحكم توقفت والمسؤولون الأميركيون يتحدثون عن استقرار الوضع في سوريا، وانخفاض أعمال العنف ولا ينفون اتصالات مع النظام حول الرهائن الأميركيين. هذا لا يعني أن واشنطن سترفع العقوبات عن الأسد، إنما لا يبدو أن أميركا بوارد الاعتراض على حراك ديبلوماسي هناك.

عربيا، أفضت 2022 بانفتاح أكبر على النظام من زيارة الأسد إلى الإمارات، إلى استئناف عمان طيرانها إلى دمشق. الأردن بدوره يعول على دور أكبر للدول العربية ولروسيا لحشر إيران، هذا الرهان صعب ومعقد بسبب النفوذ الإيراني في سوريا، وبسبب هزات إيران، فهناك فرصة أمام بشار الأسد لإعادة بعض التوازن الذي برع به والده إقليميا بدل أن يحول سوريا إلى محافظة إيرانية.

كل ذلك يرجح حراكاً ديبلوماسياً في الملف السوري على وقع ارتجاجات إيران وانفتاح إردوغان على دمشق من باب موسكو. فهل يستفيد بشار الأسد من الفرصة أو يهدرها كما أهدر رصيد والده منذ العام 2000 وحتى اليوم؟