Sports Pictures of the Year 2022
مشجعة للمنتخب الإيراني في مونديال قطر عبرت عن دعمها للاحتجاجات بالتذكير بالشابة مهسا أميني- رويترز

قد تؤدي الاحتجاجات الدائرة في إيران منذ ثلاثة أشهر إلى سقوط نظام الملالي، وقد لا تؤدي إلى ذلك، لكنها بالتأكيد نجحت في تعرية هذا النظام وتدمير الصورة التي حرص على تشييدها وتقديمها لشعوب المنطقة طوال الأربعين عاما الماضية.

فحوى هذه الصورة هي أن إيران تقف مع الشعوب المظلومة وتدعم الجماعات والحركات التي تطالب بحقوق الشعوب وكرامتها وأنها تنتصر للمستضعفين وتحارب قوى الاستكبار العالمي.. الخ.

هذه الصورة بذل النظام الإيراني مجهودات وموارد كبيرة من أجل رسمها ومن ثم تسويقها للخارج. وقد استطاع خداع الكثير من الحركات والأوساط في البلدان العربية والإسلامية التي شكل بعضها وقودا للتناحر والاحتراب في بلدانها وبعضها لا يزال يتعرض للمتاعب والمصاعب من أجل تلك الصورة الزائفة التي ارتبطت باسم ولاية الفقيه.

لحسن الحظ فإن الشعب الإيراني، لم ينطل عليه هذا الخداع، وهو يكتشف يوميا سواء نتيجة القمع غير المسبوق للتظاهرات أو قتل الأطفال والاعتداء على النساء من قبل أجهزة النظام الأمنية والعسكرية، أنه هو الشعب المظلوم في حقيقة الأمر.

وهو يكتشف أيضا أنه إذا كان ثمة استكبار حقيقي فهو نظام ولاية الفقيه وأجهزته القمعية التي تستضعف الإيرانيين وتعتبر المعارضين للحكم الكهنوتي القروسطي عملاء ومأجورين ينبغي سحقهم.

وقد قتل حتى الآن قرابة 451 محتجا على الأقل، منهم 63 طفلا. ولا غرابة أن المرشد الأعلى للنظام الكهنوتي علي خامنئي يطالب قوات الباسيج وغيرها من القوات القمعية بقتل المزيد من المحتجين، لأنه يعتقد بأن بقاء النظام أهم من حياة الإيرانيين.

واستخدام القوة والمزيد منها هو كل ما تبقى لحكام طهران، إذ من الواضح أن النظام بات يفتقر إلى أي منطق أو سردية قادرة على إقناع الشباب الإيراني بالتخلي عن مطالبه والتوقف عن حركة الاحتجاج. وهناك دلائل على انفصال قطاعات واسعة من الإيرانيين عن تاريخ الثورة وشعاراتها ورموزها ودستورها، وتعتبر كلمات مثل "جمهوري" و"إسلامي" من أكثر الكلمات التي ينفر منها الناس وخاصة الفئات الشابة، التي لم يتسن لها أن تعيش حياة طبيعية مثل باقي الشعوب.

ولذلك فإن ما يميز الاحتجاجات الحالية هو أنها أعمق بكثير من الاحتجاجات التي شهدتها إيران في السنوات الماضية. ففي حين كانت تلك الاحتجاجات تدور بشكل أساسي ضمن عباءة النظام سواء احتجاجا على نتائج انتخابات أو دعما لمرشح إصلاحي ضد آخر محافظ، أو بسبب مصاعب الحياة الاقتصادية والمعيشية، فإن هذه الاحتجاجات تجري أساسا خارج تلك العباءة وبالضد منها، وهي ترفع شعارات وتقوم بأفعال غير مسبوقة، سواء ضد المرشد الإيراني أو رموز نظامه.

وهذا يعني أن نظام ولاية الفقيه قد استنفد عمره الافتراضي وهو يسير إلى التآكل والانقراض. وسواء تمكنت هذه الحركة الحالية من إيصاله إلى مصيره المحتوم أم لا، فالواضح أن الإيرانيين لن يعودوا من جديد إلى قمقم الملالي وأن الحركات الاحتجاجية سوف تتواصل بصورة أو بأخرى.

يبقى أن نشير إلى أمر يخص بعض المجتمعات العربية والتي ربطت بعض الجماعات الناشطة فيها وبعض الأوساط أنفسهم بنظام ولاية الفقيه، وهو أنه في الوقت الذي من المتوقع فيه أن يلف هؤلاء الصمت وربما الإحراج بسبب ما يدور في إيران، فإنه من غير المفهوم كيف سيتمكنون من حل الإشكال الجذري بين ما يعتبرونها قضايا ومطالب "عادلة" يدعون لها وفي الوقت نفسه ينكرون على الإيرانيين قضاياهم ومطالبهم العادلة ويدافعون عن نظام يقتل شعبه ويصادر أبسط حقوق مواطنيه؟

بل الأدهى والأمرّ هو أن نموذج نظام ولاية الفقيه الذي يسعى البعض إلى استنساخه أو شيئا قريبا منه في بعض المجتمعات العربية، هو هذا النموذج الذي يشاهد أفراده ورجال أمنه وهم يطاردون المواطنين ويمسكون بالنساء ويطلقون الرصاص على الأطفال في المدن الإيرانية، فهل يستحق هذا النموذج أن يستنسخ أو يحتذى، ناهيك عن أن يموت من أجله أحد؟

الواقع أن احتجاجات الشعب الإيراني هي فرصة لمجتمعات المنطقة للتعبير عن رفضها للهيمنة باسم السياسة أو الدين، والدعوة إلى الإصلاح على أسس حقيقية ومنسجمة مع الحداثة، وليس على غرار "ثورات" الإخوان المسلمين والسلف ومن لف لفهم! هذا الإصلاح هو الشرط الضروري لدخول هذه المجتمعات في العصر الحديث بعد سنوات طويلة من التيه في ردهات التاريخ، وخاصة المظلم منه، والذي لا يزال البعض للأسف يدمن التسكع فيه.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.