بقلم محمد الدليمي:

شهدت المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية المصرية حدثاً تاريخياً هو الأوّل من نوعه في تاريخ مصر الحديثة، حيث تمكّن 15 مرشحاً مسيحياً من الفوز بمقاعد في مجلس الشعب المصري، في أوّل انتخابات تشريعية بعد إقرار دستور عام 2014.

هذا فضلاً عن وصول أكثر من 40 مرشحاً قبطياً لمرحلة الإعادة التي ستجري في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2015. فمنذ عام 1952، وجدت السلطات التنفيذية نفسها مجبرة على تعيين ممثلين أقباط في مجلس الشعب، بعد عدم نجاح المرشحين في الانتخابات.

وكان تعيين النواب الأقباط في مجلس الشعب محاولة من النظام لإغناء المجلس بممثلين عن المكونات المختلفة للمجتمع المصري بهدف تحسين صورته أمام المجتمع الدولي.

ميلاد مصر جديدة

في حوار لموقع (إرفع صوتك)، يقول الدكتور كمال زاخر، وهو كاتب مصري قبطي ومؤسس للتيار العلماني القبطي، إنّ "الأقباط شاركوا بنسبة جيدة على مستوى المرشحين والناخبين". ويبيّن أنّ سبب هذه المشاركة يعود إلى تغيّرات مجتمعية شهدتها مصر بعد عام 2011.

الحراك المصري الشعبي الواسع في عام 2011، حمل معه ظاهرة جديدة على الشباب المصري وهي شباب قبطي يشارك بفاعلية ويحاول تأسيس حركات سياسية خارج سيطرة الكنيسة القبطية مثل حركة (شباب ماسبيرو)، ليعود الأقباط  للمشاركة وبفعالية في حركة الاحتجاجات ضد حكم الإخوان المسلمين في 30 حزيران/يونيو عام 2013.

يقول زاخر إنّ سبب المشاركة الواسعة في تظاهرات عام 2013 يعود إلى "خوف وجودي" اجتاح الأوساط القبطية بشكل خاص والمصرية بشكل عام، نتيجة ما شاهدوه من تصاعد للمشاعر الدينية في الشارع المصري وما حمله من احتمالات "مرعبة" لزعزعة الأمن في البلاد.

يرى زاخر أنّه "لولا وعي المصريين من الأغلبية المسلمة واقتناعها بوحدة الهوية المصرية، لما كان توسّع المشاركة القبطية ممكناً". ويضيف أنّ "الدور الاسلامي المستنير كان في مقدمة الأسباب التي أدّت إلى هذه التغييرات الإيجابية".

وفي سبيل مشاركة أوسع، يقترح زاخر إعادة هيكلة الاحزاب السياسية ووضع قواعد جديدة لها.

شكل جديد من العلاقات الاجتماعية

يسود شباب مصر نوع من الإحباط بعد ما وصفوه "بمحاولات لعودة الحرس القديم" إلى السلطة من خلال السماح لهم بالمشاركة في الانتخابات ومحاولة التأثير عليها بالمال السياسي وتجذر النظام القديم. والأقباط ليسوا بمعزل عن هذه المخاوف من عودة نظام شمولي حرّم الكثير من المناصب التنفيذية عليهم.

زاخر يرى أنّ مصر تحتاج لإشراك الشباب بصورة أكبر. ويقول إنّ المستقبل للشباب وإنّ "هؤلاء الشباب في مرحلة اشتباك مع الواقع لاكتشافه.. ويجب على النظام الحالي الذي ولّده حراك 30 حزيران/يونيو أن يمدّ يده للشباب ويعطيهم شيئاً من الثقة ويصالحهم". وإذا ما تمّ هذا، بحسب زاخر، فإنّ مصر ستتقدّم بسبب مقدرة الشباب وتميزهم باستخدام الوسائل الحديثة.

محاولة إشراك الشباب ليست رفاهية تختارها الدولة، لكنّها ضرورة حتمية، حيث يرى زاخر أنّ تقدّم مصر يحتاج إلى تظافر الأجيال وأنّ "من سيغلق الفجوة بين مصر والدول المتقدمة هم الشباب".

وعن مشاركة الشباب الأقباط في الأجهزة التنفيذية التي لطالما اشتكى الأقباط من ضعف التمثيل فيها، يقول زاخر إنّ "الشباب القبطي لديه قيم متوارثة ممكن أن تكون قيماً مضافة لمصر". ويضيف أنّ التغيير في مصر، والتفهم المجتمعي الأفضل بين الشباب المتعلم وزوال دوائر قديمة كانت تحد من المشاركة القبطية تحمل معها فرصاً أفضل للشباب القبطي، منبّهاً أنّ "القوى المناوئة التي تتمنى أن تجهض هذه التجربة لن تقف مكتوفة الأيدي".

 *الصورة: "الشباب القبطي لديه قيم متوارثة ممكن أن تكون قيماً مضافة لمصر" / وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

أيزيديون يحتفلون برأس السنة الأيزيدية في معبد لالش قرب مدينة دهوك العراقية/ وكالة الصحافة الفرنسية

الدمار يغطي معظم أجزائه، وقوات مختلفة المراجع العسكرية تتقاسم السيطرة عليه، ونقص حاد في الخدمات الرئيسية، هذا هو حال قضاء سنجار محافظة نينوى شمال العراق، بعد مرور عقد على الإبادة الجماعية بحق سكانه الأيزيديين.

اجتاح تنظيم داعش في 3 أغسطس 2014 قضاء سنجار الذي يضم أغلبية تتبع الديانة الأيزيدية، وارتكب التنظيم إبادة جماعية بحقهم أسفرت عن مقتل أكثر من 5000 أيزيدي، واختطاف 6417 أيزيديا غالبيتهم من النساء والأطفال، بحسب إحصائيات مكتب إنقاذ المختطفين الأيزيديين.

وبلغ عدد المقابر الجماعية المكتشفة في سنجار حتى الآن 83 مقبرة جماعية، فيما عدد المزارات والمراقد الدينية التي فجرها داعش في حدود سنجار إلى 68 مزارا.

فما حال سنجار اليوم، وهل باتت مؤهلة لاستيعاب أبنائها العائدين ممن نزحوا قبل عشر سنوات؟

قوى عسكرية متعددة

دلبر شنكالي، فتاة أيزيدية عادت منذ نحو 7 سنوات إلى سنجار مع عائلتها بعد رحلة نزوح شاقة، وتمكنت من التأقلم مع أوضاع المدينة المدمرة التي لم تكن أفضل من المخيم، بحسب كلامها.

تقول لـ"ارفع صوتك": "رغم ما نواجهه من نقص خدمات وانعدام فرص العمل، إلا أن أوضاع سنجار الأمنية، مع أنها مستتبة الآن، لا تبشر بالخير وسط هذه الأعداد من القوات العسكرية المتنوعة المختلفة في ما بينها. نحن نخشى أن تصطدم مع بعضها البعض بأية لحظة ونكون نحن الضحية مجدداً".

وتخضع رقعة قضاء سنجار الجغرافية لسيطرة مجموعة من القوى العسكرية المتعددة، تتمثل بمليشيا "عصائب أهل الحق" و"منظمة بدر" و"كتائب الإمام علي" و"كتائب حزب الله العراقي" و"كتائب سيد الشهداء" الموالية لإيران والمنضوية في هيئة الحشد الشعبي، إضافة إلى وحدات "مقاومة سنجار" الموالية لحزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا، وقوات قيادة البيشمركة و"حماية إزيدخان" التابعتين لوزارة البيشمركة في حكومة إقليم كردستان، إلى جانب الشرطة المحلية والشرطة الاتحادية وقطعات من الجيش العراقي.

وشهدت سنجار خلال السنوات الماضية التي أعقبت تحريرها من داعش، مناوشات وصلت حد الاشتباكات المسلحة بين هذه القوات، كان أبرزها الاشتباكات التي وقعت بين الجيش العراقي ووحدات حماية سنجار في مايو 2022، التي أدت الى مقتل عنصرين اثنين من الوحدات وجندي من الجيش، كما أدت لنزوح مئات الأيزيديين.

ولا يعتبر تعدد القوى الماسكة للأرض في القضاء التهديد الوحيد الذي يخشى منه الأهالي، إذ تشكل الغارات الجوية التركية التي تستهدف مسلحي حزب العمال وتهديدات أنقرة بتنفيذ عملية عسكرية في سنجار لإنهاء تواجدهم، مصدر قلق إضافي لهم.

يقول الشاب الأيزيدي مراد خيري، من سنجار أيضاً، إن الأوضاع الأمنية فيها حاليا "مستقرة" و"لا يوجد تهديد على المدنيين من أي جهة سوى القوات التركية وتدخلها الوشيك".

مخاوف من عودة داعش

تشير المنظمة الأيزيدية للتوثيق إلى أنه ورغم مرور 10 سنوات على الإبادة التي تعرضت لها سنجار، ما زالت هناك مخاوف من عودة تنظيم داعش إلى المدينة.

يقول مدير المنظمة حسام عبد الله لـ"ارفع صوتك": "لدينا مخاوف من عودة داعش، فهو لا يزال متواجدا في محيط قضاء سنجار رغم الانتشار الأمني فيه".

ويلفت إلى أن سنجار تواجه جملة من التحديات، منها "استمرار المشاكل المستعصية بين حكومتي بغداد وأربيل بشأن هذه المدينة، ولا توجد لحد الآن إدارة محلية ثابتة لقضاء سنجار في خضم الصراعات الداخلية التي يشهدها، وهذه الصراعات متفوقة على المجالات الأخرى نتيجة الصدمات التي تمخضت عن الإبادة".

بطء في آلية التعويضات

تشكل التعويضات التي خصصتها الحكومة العراقية لأهالي المدن المتضررة من داعش، أحد أبرز التحديات التي يواجها أهالي سنجار لإعادة بناء وإعمار بيوتهم المدمرة.

يبين مدير العلاقات العامة في منظمة "بتريكور" لحقوق الإنسان، سامي بشار عتو لـ"ارفع صوتك"،أن آلاف الأيزيديين "قدموا ملفاتهم وأنجزوا معاملات نيل التعويضات عن الأضرار التي لحقت ببيوتهم وممتلكاتهم في سنجار وأطرافها، إلا أن نسبة من نال هذه التعويضات لا يتعدى سوى 2%".

ويتيح القانون (رقم 20 لسنة 2009) للعراقيين تقديم طلب لنيل التعويضات على الأضرار التي لحقت بهم "جراء العمليات الحربية والأخطاء العسكرية والعمليات الإرهابية".

ويشمل القانون إلى جانب العسكريين جميع ضحايا الحرب من المدنيين وأفراد عائلاتهم في حالات الاستشهاد والفقدان والعجز والإصابات والأضرار التي تصيب الممتلكات والأضرار المتعلقة بالوظيفة والدراسة.

وأعلنت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في يونيو 2023، أن السلطات العراقية "تقاعست عن دفع التعويضات المالية المستحقة بموجب القانون لآلاف الأيزيديين وغيرهم من قضاء سنجار على الدمار والضرر الذي لحق بممتلكاتهم من قبل داعش وجراء المعارك العسكرية".

ويساهم غياب التعويضات وسير إجراءاتها ببطء في تأخر عودة النازحين. ووفق إحصائيات مكتب وزارة الهجرة والمهجرين في محافظة دهوك بإقليم كردستان، عاد إلى قضاء سنجار منذ بداية العام الحالي 10 آلاف نازح أيزيدي.

ويؤكد مسؤول في إدارة سنجار أن نسبة العائدين إلى سنجار لم تتعدّ 40% من مجمل الموجودين اليوم في العراق، إذ لا يزال هناك نحو 60% نازحون، يتوزعون بين المخيمات ومدن كردستان.

ويضيف المسؤول لـ"ارفع صوتك"، مفضلا عدم الكشف عن اسمه: "لا يختلف الوضع الخدمي في سنجار عن باقي الوحدات الإدارية في محافظة نينوى من حيث التخصيصات المالية، لكن حجم الدمار الذي لحق بسنجار كبير جدا يحتاج إلى مبالغ مالية كبيرة لإعادة البنية التحتية للمشاريع الخدمية".

ووفق المسؤول تختلف نسب الدمار الذي لحق بقضاء سنجار من منطقة لأخرى، حيث يصل في مركز القضاء مثلاً إلى 75% وفي ناحية القحطانية 85%، وناحية الشمال 40%، وناحية القيروان 65%.