بقلم جنى فواز الحسن:

تمتدّ الهجرة العربية إلى الغرب لقرونٍ مضت. وقد ارتبطت بعوامل مختلفة من ضمنها الحرب أو البطالة أو ظروف أخرى دفعت بلبنانيين وسوريين وأشخاص من جنسيات أخرى ليكونوا أقليّات في مجتمعات أوروبية وأميركية غريبة نسبيّاً عنهم.

تتفاوت قدرة الأشخاص على تحقيق الانتماء إلى المجتمع الجديد أو الاندماج به بحسب تجربتهم الشخصية وأحياناً البلدان التي وفدوا إليها، لهذا يروي لنا بعض المنتمين إلى الأقليّات في الغرب تجربتهم مع المجتمع الآخر بأوجهها المختلفة.

اللّغة والذاكرة

"تعلّمت اللّغة الإنكليزية، لكنّني أعجز عن التكلّم بها حين أكون شديدة الانفعال أيّ متوترة أو غاضبة. هنا يخونني لساني وأفهم أنّني بحاجة إلى لغتي الأساسية للتعبير عن نفسي"، هكذا تصف مهيرة الجزّار التي انتقلت من لبنان للعيش في الولايات المتّحدة الأميركية منذ قرابة العشر سنوات علاقتها مع لغة البلد التي تُعدّ فيه من الأقليّة.

لكنّ اللّغة مسألة شخصية أكثر ممّا هي اجتماعية بالنسبة إليها، فمهيرة تؤكّد لموقع (إرفع صوتك) أنّها لا تشعر بكونها من ضمن الأقليّة ولا بالانعزال عن المجتمع الذي وفدت إليه.

"المشكلة ليست في المحيط أيّ الناس"، كما تقول. وقد تمكّنت الأمّ لطفلين وُلدا في المهجر أن تنشئ بعض الصداقات، وإن كان أوثقها مع أقليّات أيضاً في ولاية كاليفورنيا حيث تقيم. فكانت الصديقة العربية والأخرى الأرمنية الأقرب لها في الاغتراب. بحسب مهيرة، "تكمن المشكلة في الانتماء وتكوين ذاكرة في أميركا، فالأماكن على جمالها وحداثتها لا تعني لي الكثير لأنّها ليست مرتبطة بذاكرتي".

تجربة الاغتراب غيّرت في مهيرة أمور أخرى، "كتعوّدي على الاعتماد على نفسي وعدم التأثّر بنظرة الآخر لي، والآخر الذي أتحدّث عنه ليس الآخر في بلاد الاغتراب بل الآخر في وطني الأمّ".

تروي حادثة عن زيارتها لصالون حلاقة أثناء زيارة إلى بلدها، حيث ارتدت ملابس عادية لم تعتد النسوة هناك ارتداءها حتّى في الزيارات لصالونات الحلاقة. "ارتديت الملابس التي يرتديها الجميع هنا في أميركا ولم أكترث بنظرة الزبائن الآخرين إليّ. لقد علّمني التعايش ضمن ثقافة مختلفة أن أكون أكثر ثقة بنفسي"، تقول مهيرة.

التغيير أو الصدمة

أمّا حازم درباس، الطالب اللّبناني الذي يعيش في كندا منذ حوالي الأربعة أعوام، يقول إنّ "التفاعل الذي أحدثه العيش في مجتمع مختلف عن نشأتي يحمل وجهين أحدهما سلبي والآخر إيجابي".

على الرغم من أصوله اللّبنانية، أمضى درباس معظم حياته في المملكة العربية السعودية بسبب تواجد والديه هناك للعمل. عن انتقاله، يقول لموقع (إرفع صوتك) "لقد تغيّرت نظرتي للمثليين والمتحولين جنسيّاً منذ انتقالي من الرياض إلى كندا وصرت أتقبّلهم وأرى الأشخاص بمعزل عن الوصمة التي تُلصق بهم. تغيّرت عاداتي في أمورٍ أخرى، في بلادي مثلاً نقبّل الأشخاص الذين نلتقي بهم على الوجنتين وهنا يكتفون بالمصافحة".

يشيد درباس بالنظام الكندي الذي يعاقب الأشخاص الذين قد يعبّرون عن عنصريّة ما تجاه الأقليات أو يثير انتقادات الآخرين غير العنصريين تجاههم. بالنسبة له "هذا أمر يحفّز الأشخاص هنا على التعامل بطريقة محترمة مع الآخر في معظم الأوقات".

ويضيف "في محصلة الأمر، يعتمد اندماجك كأقلية في مجتمع مختلف على مدى انفتاحك على التجدّد والتغيير، فإمّا يغيّرك الأمر وإمّا أن يُحدث صدمة في وعيك ويجعلك تحاول تغيير ما حولك لتدافع عن شعورك بالانتماء لبلدك الأمّ".

بلد غريب

لا تزال فريال كابسر، سورية مغتربة في ألمانيا منذ سبعة عشر عاماً، تصف مجتمعها الجديد كـ"بلد غريب" وتقول "أقول البلد الغريب على الرغم من أنّني تعلمت لغته وأحمل جنسيته ودخلت في خباياه وعرفت إشكالياته، أقول إنّه البلد الغريب على الرغم من نجاحي بالاندماج الشكلي في نسيجه الاجتماعي ومعرفتي الكافية بما هو لي وما علي بمعنى آخر الحقوق والواجبات".

"تحقيق الذات"، تضيف فريال في حديث لموقع (إرفع صوتك)، "حق المواطنة وحرية التعبير والحنين الدائم كلها إشكاليات كانت ملازمة لي منذ البداية. أنا الآن في الجانب الآخر من هذا العالم حيث لا هواء ملوث ولا جوع، في بلد يعتبر انقطاع التيار الكهربائي حدث تعقد الحكومة جلسة طارئة لبحثه. بلد تدفعني دهشتي به لأذهب الى صفحات تاريخه وأبحث في الطريق الوعر الذي اتخذه ليصل الى ما هو عليه من نجاح. هنا تختلف معايير الحياة ومتطلباتها، فما كنا نناضل لأجله يعتبر هنا من البديهيات وما نراه شكلاً من أشكال الترف في بلادنا يصنّف هنا من الأساسيات".

تشير فريال إلى أنّها تعيد ترتيب حساباتها مع ألمانيا باستمرار. "هنا لا شيء يهددني. أعرف تماماً أنّه ما من معتدٍ يستطيع أن يسرق ما هو لي، بيتي حديقتي صخبي وعزلتي كلها أشياء لي، هنا لا مكان للكراهية، لكنّ البيئة ليست دافئة بما يكفي لتنبت الحب".

المرأة في الكنيسة بكت..

تختلف وجهة نظر العراقي سمير فريد حول الدفء الذي قد يجده المغترب عن فريال. ويؤكّد أنّه منذ قدومه إلى الولايات المتّحدة الأميركية منذ أكثر من سبعة أعوام، تفاجأ بمقدار المحبة والاحتضان الذي لقيه وعائلته هنا. يروي سمير لموقع (إرفع صوتك) "في بداية الأمر، كنت مكتئباً حين أتيت إلى هنا.. مرّاتٍ عدّة فكّرت بالعودة إلى الوطن، ثمّ فكرت بأحفادي ومستقبلهم. ذهبت في أحد الأيّام إلى المدرسة لأراهم وشعرت بالطمأنينة حين وجدت أنّ المدرّسين والمدرّسات يعاملونهم بشكل جيّد".

يكمل سمير حديثه بنبرةٍ تظهر مدى تأثّره بتجربته ويعتذر بتلقائية عن شدّة انفعالاته. يقول "لا أستطيع أن أنسى المرأة التي بكت في الكنيسة حين أخبرتها أنّنا من العراق. كان أحفادي يصدرون الضجة في الكنيسة وذهبت للاعتذار منها. قالت إنّها سعيدة لوجودي والأولاد هنا وأبدت أسفها الشديد لما يحدث في العراق".

اضطرّ سمير إلى مغادرة العراق بعد عام 2003 إثر مقتل ابنته الكبرى وبعدها تعرّضِه للاختطاف على يد عصابة مسلّحة من اللّصوص مقابل فدية. كانت وجهته الأولى العاصمة الأردنية عمّان حيث استكمل عمله كمقاول وقام بإنشاء مبنى سكني، لكن رفضت بعدها السلطات الأردنية تجديد إقامته التي كانت صالحة لستة أشهر. يتحسّر سمير على تجربته في الأردن ويقول "حتّى الآن أسأل نفسي لماذا رفضوا تجديد إقاماتنا ولا أجد إجابة شافية ويحزنني الأمر".

يأتي سمير من خلفية يسارية ويشير إلى أنّ تجربته في أميركا غيّرته. "بتّ أحب الناس أكثر وأشعر أنّي أقرب لهم. حافظت على أفكاري الأساسية، لكنّي أدركت أنّ كل فكر قابل للتطوّر لكي يتناسب مع التحولات التي تطرأ على المجتمع. التعامل الإنساني هنا راقِ، لم يسألني أحد يوماً عن هويّتي أو ديني في أميركا ولا حُظر عليّ دخول أيّ مكان لأنّي من أصول مختلفة وبالتالي لا يمكنني أن أصف نفسي كأقليّة على الإطلاق".

لاجئة في بلادي

بالنسبة للبنانية سارة شيخ علي، كان دخولها للمجتمع التركي كأقليّة اختيارياً، وتقول لموقع (إرفع صوتك) "عندما يصبح المواطن في بلاده لاجئاً لا تُحترم حقوقه ولا تتوفر له الحماية ولا الخدمات البسيطة التي يتمتع بها اللاجئون في الدول المتقدمة ولا فرص العمل والتعلّم المتكافئة، تصبح الهجرة ضرورة للاستمرار".

تتحدّر سارة من بعلبك الهرمل، قضاء لبناني تصفه بالمهمّش والفقير عمداً. وتعتبر أنّ هجرتها الأولى لم تكن إلى تركيا، بل كانت قبل ذلك بسنوات من البقاع إلى بيروت التي أحبّتها لكنّها أرهقتها بسبب غلاء المعيشة وندرة فرص العمل.

"أن ترفع صوتك في وجه آلة المحسوبية السياسية والشخصنة أو أن تنتقد الزعماء- الآلهة - سلوك يضعك في دائرة خطر البطالة. خسرت عملي فجأة من دون سابق إنذار. العودة إلى البقاع الشمالي كانت تعني بالنسبة لي تشييعاً لطموحي إلى مثواه الأخير ونسفاً لخبرتي المهنية والعلمية... الحلّ كان اسطنبول. المدينة الساحرة التي أذهلتني حينما زرتها. فرصة العمل مع الراتب الممتاز الذي عرض عليّ لم يكن لشابة أو شاب لبناني أن يرفضه".

في الشهر القادم، تُكمل سارة سنتها الأولى في اسطنبول. تشير إلى أنّها مرّت بظروف قاسية واختبرت في هذا العام خليطاً من المشاعر، لكن هناك أمر ثابت: "أنا أشعر منذ سنة أنّني إنسان ذو حقوق".

تقول سارة "هنا فهمت كيف ترتقي الشعوب من مرحلة التفكير باحتياجات العيش الأساسية واللحظة الآنية، إلى مرحلة الإبداع والابتكار والتقدّم والتفكير بالمستقبل. حين بتّ خارج لبنان تعلّمت أن أراه بموضوعية وتجرّد".

*الصورة: "يعتمد اندماجك كأقلية في مجتمع مختلف على مدى انفتاحك على التجدّد والتغيير" / وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

عراقية أيزيدية في معبد لالش الخاص بأتباع الديانة الأيزيدية في العراق- تعبيرية
عراقية أيزيدية في معبد لالش الخاص بأتباع الديانة الأيزيدية في العراق- تعبيرية

في صيف 2014 وبينما أنظار العالم متجهة إلى الموصل ثاني أكبر مدن العراق التي سقطت لتوها في قبضة تنظيم داعش، كان الأخير يُحضر لاجتياح سهل نينوى واقتراف أسوأ إبادة جماعية في سجله الدموي الحافل. 

مرت عشر سنوات كاملة على الإبادة الجماعية التي تعرض لها الأيزيديون في العراق، ولا تزال جرحا مفتوحا، تنكأه عدالة متعثرة، وجُناة طليقون، وضحايا في الشتات والمخيمات.

الاعتراف بالإبادة

في الثالث من أغسطس 2014، تقدمت مفارز داعش إلى قرى الطائفة الأيزيدية في سنجار، أعدمت الرجال والشيوخ والعجائز، واقتادت النساء والأطفال والفتيات إلى معاقل التنظيم في العراق وسوريا لتوزيعهن وبيعهن كسبايا في أسواقه. 

قُتل واختطف 12000 أيزيدي، واستعبدت جنسيا 7000 امرأة وفتاة، وهرب 250000 شخصا إلى جبل سنجار؛ الملاذ التاريخي للطائفة.

التحدي الأول الذي واجهه المجتمع الأيزيدي هو إقناع العالم بأن ما جرى كان "إبادة جماعية" مكتملة الأركان. كان ذلك بمثابة المحطة الأولى لقطار العدالة. لقد احتاج الأمر إلى جهد كبير من المنظمات الدولية، ونشطاء المجتمع الأيزيدي، والناجين من المجزرة، رغم فداحة الجريمة، وتضافر آلاف الشهادات التي روت تفاصيلها المريرة، واعتراف التنظيم بنفسه بأن القضاء المبرم على الطائفة باعتبارها "طائفة شركية" هو هدفه الأول.

في فبراير 2016 اعترف البرلمان الأوروبي بأن ما حدث للمسيحيين والأيزيديين في العراق كان إبادة جماعية، وبعد شهر أقرت الولايات المتحدة من جانبها بأن ما وقع للطوائف الدينية في المناطق التي سيطر عليها داعش نوع من أعمال الإبادة.

 ثم توالت قرارات الاعتراف من مختلف دول العالم، وكانت المملكة المتحدة وألمانيا آخر الملتحقين بركب المعترفين بجريمة الإبادة.

حينذاك، وكتبت نادية مراد الناجية الأيزيدية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام "تنضم ألمانيا إلى القائمة المتنامية التي تضم أكثر من 18 حكومة وهيئة دولية اعترفت رسمياً بالإبادة الجماعية للأيزيديين. اليوم، الناجون تُسمع أصواتهم".

اللافت أن العراق الذي وقعت الجريمة على أرضه، وعلى عاتقه تقع مسؤولية حماية الطائفة، تردد 7 سنوات قبل أن يصف ما حدث بجريمة إبادة جماعية. وحتى عندما قرر الاعتراف بها فعل ذلك في السطور الأخيرة من قانون الناجيات الأيزيديات الصادر في مارس 2021. 

شبكة الناجيات الأيزيديات احتفت بالخطوة واعتبرتها "بداية لتحقيق العدالة للناجين من جرائم وعنف داعش في العراق".

FILE - In this July 4, 2017, file photo, fleeing Iraqi civilians walk past the heavily damaged al-Nuri mosque as Iraqi forces…
العراق و5 قضايا عالقة منذ تحرير الموصل
لا تقتصر تركة التنظيم الإرهابي داخل العراق، على العبوات الناسفة والذخائر، بل تتجاوز ذلك إلى ملفات عالقة كثيرة، بينها ملف إعادة الإعمار وعودة النازحين وإنهاء محاكمة مقاتلي التنظيم، وحلّ معضلة مخيم "الهول" الذي يضم عائلات وأبناء وزوجات "داعش"، من دون أن ننسى خطر الخلايا النائمة للتنظيم التي لا تزال تشكّل تهديداً لأمن العراق والأمن العالمي.

المحاكمات

المحطة الثانية لقطار العدالة كانت ملاحقة الجناة أمام المحاكم المحلية والدولية، ومحاسبتهم بموجب قوانين "جرائم الحرب" و"الجرائم ضد الإنسانية" و"الإبادة الجماعية". تحد آخر تواصلت الجهود لتحقيقه رغم الطبيعة المعقدة والشائكة للقضايا.

فالمتهم هو تنظيم إرهابي، والجناة ينحدرون من 80 دولة، والمنطقة التي وقعت فيها الجريمة تواجه فيها الولاية القضائية العالمية عراقيل كبيرة. ورغم ذلك وقف أخيرا عدد من أعضاء داعش أمام المحاكم العالمية، وتمت إدانتهم بتهم ارتكاب أو المشاركة والتحريض على ارتكاب إبادة جماعية.

كانت ألمانيا أول دولة في العالم تحاكم أفرادا من داعش بتهمة ارتكاب جرائم الحرب ضد الأيزيديين. ففي 2021 حُكم على  جنيفر وينيش بالسجن لمدة 10 سنوات وشدد لاحقا ليصل إلى 14 سنة، بعدما أدينت بارتكاب تهم عدة من بينها جريمة ضد الإنسانية أدّت إلى وفاة شخص والانتماء إلى منظمة إرهابية.

في العام نفسه قضت محكمة فرانكفورت أن طه الجميلي زوج جينيفر "مذنب بتهم الإبادة وجرائم ضد الإنسانية التي أفضت إلى الوفاة، وجرائم حرب ومساعدة وتحريض على جرائم الحرب وإيذاء جسدي أدى إلى الوفاة"، وحكمت عليه بالسجن المؤبد وأمرته بدفع 50 ألف يورو لوالدة الفتاة الأيزيدية الصغيرة التي ربطها تحت الشمس بنافذة بيته حتى فارقت الحياة، لأنها بللت الفراش.

كان على المدعين العامين بمساعدة من الشهود والمنظمات الأيزيدية، وفريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق (يونيتاد)، قبل تحقيق هذا المنجز التاريخي إثبات حقيقتين وتعزيزهما بالأدلة الكافية أمام القضاة، الأولى، إثبات وقوع جناية قتل الطفلة، والثانية إثبات أن الجناية وقعت استنادا إلى أيديولوجية داعش التي ترى وجوب تدمير الطائفة الأيزيدية. وإلا اعتُبرت الحادثة جنائية خالصة أو حتى إرهابية، كغيرها من الحوادث الإرهابية.  

المحاكم الألمانية أدانت بعدها خمسة عناصر آخرين من داعش بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ولهجماتهم ضد المجتمع الأيزيدي.

كانت هولندا ثاني دولة في العالم تحاكم أعضاء في داعش لضلوعهم في أعمال الإبادة ضد الأيزيديين. في فبراير 2023 بدأت محاكمة امرأة تدعى "حسناء عرب" لمشاركتها المحتملة في جرائم ضد الإنسانية من بينها استعباد امرأة أيزيدية في سوريا 2015.

مرت 10 سنوات على الإبادة ولم يقف سوى بضعة أفراد أمام المحاكم العالمية لمحاسبتهم على اقترافها، وقد علقت منظمة "يزدا" الأيزيدية على هذه المسألة قائلة "هناك الآلاف من أعضاء داعش الذين ارتكبوا هذه الجرائم والآلاف من الضحايا، وهناك دولتان بمبادرتهما الخاصة تحاولان دفع عملية العدالة إلى الأمام من خلال عدد قليل من القضايا، وهذا ليس كافياً".

مطالبات عديدة بتعويض الناجين الأيزيديين الذين تعرضوا لجرائم وحشية ارتكبها داعش
"إبادة جماعية" بحق الأيزيديين.. ماذا يعني الاعتراف البريطاني؟
يسلط الاعتراف البريطاني بأن ما حدث للأيزيديين في العراق على أيدي مقاتلي تنظيم "داعش" هو بمثابة جريمة "إبادة جماعية" الضوء على الجهود التي بذلت بشأن هذا الملف منذ اجتياح التنظيم لأراض واسعة في العراق وسوريا في عام 2014 وارتكابه أعمالا وحشية

تشريعات خاصة

بسبب بطء مسار العدالة هذا، وطبيعة الجريمة التي خلفت آلاف الضحايا، وشارك في ارتكابها آلاف الجناة الذين ينحدرون من عشرات الدول، ناشدت المنظمات الدولية ونشطاء المجتمع الأيزيدي وهيئات أممية، لإنشاء محاكم ووضع تشريعات خاصة لمحاكمة الضالعين في جريمة الإبادة الجماعية التي تعرض لها الأيزيديون.

يبذل العراق جهودا كبيرة من أجل جبر ضرر الضحايا ومحاسبة الجناة. فقد فتح عددا من المقابر الجماعية التي تحوي رفات الضحايا، وأقر قانون الناجيات، الذي يعترف بالإبادة، ويخلد ذكراها، وينص على تقصّي مصير المختطفين، وتعويض الناجيات، ويجرد المتواطئين من أي نوع من أنواع العفو.

كما استحدث المديرية العامة لشؤون الناجيات الأيزيديات، وحاكَم العشرات من عناصر وقادة داعش المتورطين في المذبحة والاستعباد الجنسي، كانت زوجة "أبو بكر البغدادي" آخرهم، حيث صدر بحقها حكم بالإعدام.

في الوقت نفسه، تعتقد منظمات أيزيدية أن ما فعله العراق لغاية الآن غير كاف، فهو مطالب بأكثر من ذلك لتحقيق العدالة.

اعترفت "منظمة يزدا" بريادة قانون الناجيات الذي أقره البرلمان العراقي، لكنها ترى أيضاً أن "نظام العدالة العراقي بدائي ومعيب"، مضيفةً في تصريحات سابقة أن "قوانين مكافحة الإرهاب العراقية تسمح للسلطات بالقبض على عناصر داعش ومحاسبتهم، لكن الجرائم التي تتجاوز العضوية والانتماء لم تتم محاكمتها".

بناء على ذلك، حثت المنظمة المجتمع المدني الأيزيدي والأمم المتحدة البرلمان العراقي، على إصدار تشريع يجرم الجرائم الدولية الأساسية بما في ذلك الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

تنتهي الإدانات في المحاكم العراقية غالبا بالإعدام، لكن الأيزيديين يبحثون عن العدالة وليس الانتقام. لذلك رحبت كل المنظمات الأيزيديات بالإدانات التي حصلت في ألمانيا التي انتهت بالسجن 14 سنة، والسجن المؤبد، وتحفظت على أحكام الإعدام التي صدرت في العراق.

في هذا السياق، وعد الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد بالعمل على تشريع قانون إنشاء محكمة مختصة لمحاكمة مجرمي داعش. 

وأكد رئيس "يونيتاد" كريستيان ريتشر، التزام فريقه بدعم العملية التي يقودها العراق "لاعتماد إطار قانوني يمكن من المحاسبة على جرائم تنظيم داعش كجرائم دولية أمام المحاكم الوطنية في العراق" كي يتم التعامل مع وحشية الهجمات التي ارتكبها داعش كجرائم دولية بدلا من المحاسبة على أساس الانتماء إلى منظمة إرهابية فقط.

Al Hassan Ag Abdoul Aziz Ag Mohamed Ag Mahmoud waits for judges to enter the courtroom of the International Criminal Court in The Hague
ما الذي يعيق محاكمة المتهمين بالإرهاب في "الجنائية الدولية"؟
بالأمس، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية حُكماً بالإدانة ضد الحسن آغ عبد العزيز القيادي البارز في "الشرطة الإسلامية"، وهي قوة أمن داخلي أسستها جماعة "أنصار الدين" التي نجحت بالتعاون مع "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" في السيطرة على تمبكتو عاصمة مالي.

الجناة

يصعب على وجه اليقين تحديد كل المتورطين في جرائم الإبادة والاستعباد الجنسي الذي تعرض له المجتمع الأيزيدي، بسبب الطابع السري للتنظيم، واعتماده على الكنى والألقاب في تحركاته. 

وقد حدد "يونيتاد" 1444 من الجناة المحتملين بينهم 469 شخصاً شاركوا في الهجوم على سنجار، و120 شخصا شاركوا في الهجوم على قرية كوجو.

وكان الفريق صرّح قبل خمس سنوات أنه نجح في تحديد هوية 160 عنصرا في داعش شاركوا في المجزرة، وأنه بصدد بناء قضايا لكل واحد منهم على أمل تقديمهم أمام المحاكم.

المحاكم العراقية أدانت عدداً من أعضاء وقادة داعش المشاركين في مذبحة سنجار مثل القيادي الملقب بـ"المهاجر" الذي حكم عليه بالإعدام لقيامه بنحر عدد من المدنيين في سنجار. 

وفي مارس 2019 حكمت محكمة عراقية بالإعدام على عضو في داعش شارك في اقتحام قرية "كوجو" واقتياد الأهالي إلى مدرسة القرية حيث تم سبي الفتيات والنساء وإعدام الرجال.

 وأصدرت محكمة أخرى حكما بالإعدام في يونيو من العام ذاته بحق عضو آخر شارك في إعدام المدنيين في سنجار. 

وفي أكتوبر 2019 أصدرت محكمة حكمً بإعدام القيادي "أبو سراقة" الذي قاد مجموعة مسلحة واقتحم سنجار وشارك في أعمال القتل والاختطاف هناك.

كما قضت محكمة أخرى بإعدام "أبو همام الشرعي"، أحد قادة داعش المتورطين في جرائم الاستعباد الجنسي، وواجه في المحكمة الشابة الأيزيدية أشواق، التي اغتصبها واستعبدها جنسيا. 

أما أحدث الأحكام، فكانت بحق زوجة "أبو بكر البغدادي"، حيث أصدرت محكمة جنايات الكرخ حُكماً بالإعدام عليها، لمشاركتها في احتجاز الفتيات الأيزيديات في منزلها.