عراقيون يصلون في كنيسة السيدة العذراء في الكرادة/وكالة الصحافة الفرنسية
عراقيون يصلون في كنيسة السيدة العذراء في الكرادة/وكالة الصحافة الفرنسية

بقلم إلسي مِلكونيان:

لا تنحصر مشكلة هجرة الأقلية المسيحية في العراق بما جرى في نينوى على يد داعش. فقد أوضح البطريرك مار لويس ساكو خلال حديث هاتفي مع موقع (إرفع صوتك) أن بطريركيات مسيحية قد اتخذت قراراً في الأسابيع الماضية "بإغلاق بعض كنائس بغداد وذلك بسبب قلة تواجد المصلين"، مما يشير إلى هجرة المسيحيين من المناطق التي كانوا يعيشيون فيها.

ومع أن العاصمة العراقية كانت بمنأى عما جرى في الموصل على يد داعش، يخشى المسيحيون، الذين يعود وجودهم في هذا البلد إلى آلاف السنين، على حياتهم لأسباب عدة وسط موجة الأزمات التي تواجهها الدولة العراقية في الوقت الحالي.

أسباب أمنية

كان لؤي داوود يعيش في منطقة الدورة في بغداد والتي كان يسكنها العديد من العائلات المسيحية. وفي المنطقة الكثير من المواقع الدينية المسيحية ككنيسة القديسين بطرس وبولص ودير للرهبان وحي للآشوريين.

"ولكن الحياة في بغداد لم تعد مكاناً يعيش فيه المسيحيون"، قال لؤي لموقع (إرفع صوتك). وتابع "الموضوع لا علاقة له بداعش. فمنذ 2003 أصبحنا كمسيحيين معرضين للخطف من قبل ميلشيات مسلحة يطالبون بالفدية أحياناً مقابل إطلاق سراح المخطوف، إن لم يقوموا بقتله. كما يجوبون الشوارع ويطلقون رصاصاً عشوائياً قد يصيب أحدنا".

ويتابع لؤي أنه وعائلته اضطروا إلى الرحيل في 2006 إلى تل اسقف جنوب محافظة نينوى لأن الحياة كانت أفضل هناك حتى ظهور داعش فاضطر إلى مغادرة بلاده كلياً في 2015 باتجاه لبنان حيث يسكن حالياً.

أسباب اجتماعية اقتصادية

وهناك حوادث أخرى تعرض لها المسيحيون في العاصمة العراقية. فقد ضجت الصحافة العراقية بقصة أم سركون في الأسبوع الماضي، وهي سيدة مسيحية تقطن وحيدة في منطقة الدورة في بغداد. اعتدى مسلحون على السيدة المسنة وضربوها ضرباً مبرحاً بعد سرقة أمواها.

"كان من الممكن أن يقتلوها"، قال وليم وردة، مسؤول تحالف الأقليات العراقية ومسؤول العلاقات العامة لجمعية حمورابي لحقوق الإنسان، لموقع (إرفع صوتك) "ولكن برأيي أعتقد أن الرسالة هنا هي للمسيحيين الذين يفكرون بالعودة من لبنان وكردستان أو مناطق أخرى فروا إليها من بغداد، كي لا يعودوا أبداً".

المال مقابل الحماية

ويشرح وليم أن مسيحيي العاصمة يتعرضون إلى ضغوط اقتصادية كثيرة. فإن كانوا من أصحاب المتاجر، يتوجب عليهم التعاقد مع جهات مسلحة، يدفعوا لها أموالاً مقابل الحماية. إلى جانب الضغوط الاجتماعية والتي تقيد تجول الفتيات في بعض نواحي العاصمة. 

ويتابع "لو كان وضع بغداد أفضل لكانت أفضل مكان للنازحين من الموصل ولكن مع الأسف الواقع غير ذلك".

ماذا عن المستقبل؟

"الجميع في العراق معرض للخطر"، قال فراس كوركيس أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد لموقع (إرفع صوتك). ويعلل السبب بقوله "إن الدولة ضعيفة ولا تقوى على حماية أحد وليس فقط المسيحيين". ويوضح أن تدهور الحالة الأمنية منذ 2003 هي التي جعلت حياة المسيحي وغيره من الأقليات في خطر.

ويتابع فراس "وفي الوقت الحالي توجد مجموعة عوامل تمنع المسيحيين الفارين من بغداد من العودة نهائياً إليها. ولن يتغير ذلك إلا بتحسن الحالة الأمنية والاقتصادية، حيث يجب عدم التعرض لهم أثناء ممارسة أعمالهم إن كانت في التجارة أو في بيع المشروبات الكحولية، وإعطاؤهم الحرية لممارسة شعائرهم الدينية".

كما يشير سعد المطلبي، عضو اللجنة الأمنية في مجلس المحافظة إلى وجود "خلل في تنفيذ القوانين واحترام حقوق الأقليات في العراق وليس فقط المسيحيين". ويضيف أن "ظهور داعش والتحديات المرافقة التي تتحملها الدولة ساهمت في إضعاف تطبيق القوانين رغم وجودها في الدستور والتي تحترم حقوق الأقليات".

من جهة أخرى يدعو رجال الدين إلى زيادة ربط المسيحيين ببلدهم. حيث قال بطريرك الكلدان ساكو في خطابه الأخير أنه "على المسيحيين بدل انتظار المزيد من التراجع والانقسام والتشرذم، التحرك السريع من أجل العودة إلى أراضيهم ومسكها، قبل أن يستولي عليها آخرون".

كما جدد دعوته إلى جميع المسؤولين الحكوميين باحترام حقوق المسيحيين والأقليات الأخرى، وفق ما جاء في الدستور العراقي -المادة 125، لينالوا نصيبَهم العادل من المشاركة في الإدارة، والتوظيف، والعملية السياسية وحل جميع المشاكل بطرق سلمية عبر الحوار البناء.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

نصب تذكاري لمؤسس تركيا مصطفى كمال أتاتورك الذي حارب بضراوة أي حراك كردي للاستقلال- تعبيرية
نصب تذكاري لمؤسس تركيا مصطفى كمال أتاتورك الذي حارب بضراوة أي حراك كردي للاستقلال- تعبيرية

في مثل هذه الأيام أُعدم الشيخ سعيد بيران الذي قاد أول ثورة كردية ضد حُكم الرئيس التركي مصطفى كمال أتاتورك.

رغم فشل حركة بيران في تحقيق أهدافها إلا أنها مثّلت سابقة في تاريخ علاقة الدولة التركية في ثوبها العلماني الجديد وبين الأقلية الكردية التي طمحت دائماً للاستقلال عنها.

 

عوامل الظهور

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى شعر الأكراد بالإحباط بسبب تراجع الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك وغيره من قادة الدول الكبرى عن وعودهم بالموافقة على إقامة دولة كردستان المستقلة.

بالمخالفة لمبادئ الرئيس الأميركي وودرو ويلسون الشهيرة التي أصدرها مطلع 1918 ووعدت الشعوب في البلاد المحتلة بالحق في "تقرير المصير"، لم تستجب القوى المنتصرة في الحرب العالمية لرغبة الأكراد المُلحة في إقامة دولتهم المستقلة، واكتفت بمادة فضفاضة الصياغة في معاهدة "سيفر" وعدت بإقامة منطقة كردية تتمتع بحُكم ذاتي دون أن تحدّد كيفية تشكيلها ولا مناطق نفوذها.

بعدها بثلاثة أعوام سيخسر الأكراد هذا الحق إثر توقيع معادة "لوزان" بين تركيا وقوى الحلفاء، التي لم تنصُّ على أي حقٍّ للأكراد في إقامة دولتهم المستقلة.

على أنقاض دولة الخلافة بنَى أتاتورك الدولة التركية الحديثة على أساس الهوية التركية التي عبّر عن مدى غرامه بها بتصريحه الشهير "سعيد من يقول إنه تركي"، بديلاً للدولة العثمانية الجامعة لمختلف الأعراق والشعوب، فقد أسّس أتاتورك بُنيان دولته على القومية التركية التي أصرّ على فرضها على جميع قاطني حدود دولته بما فيهم الأكراد، ورفض بشدة السماح لهم بأي شكلٍ لحُكم منفصل.

استجابةً لهذه السياسات الجديدة أطلق المسؤولون الأتراك على الأكراد اسم "أتراك الجبل"، ونصَّت المادة (88) من الدستور التركي على "تركية" جميع سكان البلاد "بغض النظر عن دياناتهم وقومياتهم"، الأمر الذي دفع إحدى الصحف المحلية للتصريح وقتها بأنه "يجب على غير الأتراك إما أن يندمجوا في المجتمع التركي أو يرحلوا".

من جانبٍ آخر، وسعياً وراء علمانية الدولة، اتخذ أتاتورك حزمة القرارات التي هدف بها إلى اجتثاث الهوية العثمانية الدينية من البلاد.

بداية من نوفمبر 1922 أعلن إلغاء السلطة وإقامة الجمهورية بدلاً منها، بعدها ألغى الخلافة ووزارة الأوقاف والتعليم الديني والمحاكم الشرعية وأمر باعتماد الأبجدية اللاتينية بدلاً من العربية.

أثارت هذه الخطوات السريعة اعتراضاً مزدوجاً لدى بعض أقطاب الصوفية الأكراد الذين رأوا أن أتاتورك يحرمهم تماماً من الدولة الكردية الإسلامية التي حلموا بتأسيسها، من بين هؤلاء هو القيادي الكردي سعيد بيران شيخ الطريقة النقشبندية، الذي وُلد سنة 1865 في قرية بيران، وورث الزعامة الدينية عن والده، حسبما ورد في كتاب "عظماء منسيون في التاريخ الحديث".

حزب الاستقلال (آزداي)

في 1923 تأسست منظمة "آزداي" الكردية برئاسة خالد جبري وعضوية يوسف ضياء وكمال فوزي والشيخ سعيد بيران، بهدف العمل على استقلال كردستان ومقاومة سياسات التتريك التي فرضها أتاتورك على القرى التركية مثل فرض اللغة التركية في المناهج الدراسية والأوراق الرسمية وتسمية القرى الكردية بألقاب تركية.

بدعوى تخطيطه للقيام بثورة ضد نظام الحُكم، أُلقي القبض على خالد جبري وأُعدم فحلَّ محله الشيخ سعيد في قيادة المنظمة، وكان يتمتّع بمكانة اجتماعية هامة بفضل رئاسته للطريقة النقشبندية وعلاقاته القوية مع باقي الزعماء الكرد.

بحسب تقديرات كوران سلام في كتاب "القضية الكردية في العلاقات التركية الإيرانية"، فإن عدد أتباع الشيخ سعيد تجاوزوا 10 آلاف فرد.

في عام 1924 أعلن أتاتورك إلغاء الخلافة العثمانية، الأمر الذي اعتبرته الطرق الصوفية الكردية ضربة كبيرة لها. في العام نفسه عقدت جمعية "آزداي" مؤتمراً حاشداً قرر أعضاؤها خلاله القيام بحركة شاملة لنيل الاستقلال بعدما وُعدوا بدعمٍ خارجي من بريطانيا والاتحاد السوفييتي، كما تلقى الشيخ سعيد مدداً من سوريا بعدما ساهم بعض أكرادها في حركته العسكرية، حسبما ذكر دكتور حامد عيسى في كتابه "المشكلة الكردية في الشرق الأوسط".

وفق كتاب "التنظيمات الجهادية في كردستان" للدكتور جهاد عودة، فإن تنصيب شيخٍ ديني لقيادة حركة سياسية أمرٌ ليس بالغريب على الأكراد، فقد حصل سابقا مع  الشيخ عبيدالله النهري عام 1880، والشيخ عبدالسلام بارزاني عام 1914.

 

تمرد سابق للأوان

بدأت الأزمة حينما وفدت فرقة عسكرية تركية على بلدة بيران لاعتقال بعض أهل البلدة في ظِل وجود الشيخ سعيد وعددٍ من أعوانه، فوقع اشتباكٌ بين الطرفين قُتل فيه أغلب عناصر الفرقة التركية وأُسر قائدها.

تسبّب هذا الحادث في إشعال الثورة الكردية قبل موعدها الذي خطط له الشيخ سعيد. في البداية نجح الثوار في الاستيلاء على عدة مناطق شرق تركيا منها محافظة "كينجو" التي أعلنوها محافظةً مؤقتة للإدارة الكردية المستقلة الجديدة.

قرر أتاتورك مواجهة هذه الثورة بعُنف بالغ حتى لا يُكرر معارضوه في إسطنبول هذا السيناريو؛ وعلى الفور عقد مجلس الوزراء التركي جلسة عاصفة أعلن بعدها حالة الطوارئ في منطقة الانتفاضة التركية، بعدها استقالت حكومة علي فتحي أوكيار وتولّى عصمت إينونو رئاسة الوزراء بدلاً منه.

نحو المناطق الكردية وجّه الجيش التركي حملة عسكرية تكوّنت من 70 ألف جندي مزودين بأسلحة ثقيلة وطائرات حاصرت المتمردين من الشمال والجنوب.

فشلت خطة الشيخ سعيد في الصمود أمام الجحافل التركية بعدما تنكّرت روسيا وبريطانيا لوعودهما بمساندته، كما أن بعض قادة العشائر التركية تراجعوا عن دعمه في اللحظات الأخيرة. وعندما حاول الشيخ سعيد نيل دعم الفقيه الكردي الشهير سعيد النورسي لم يستجب له بسبب رفضه الاشتغال بالسياسة منذ سقوط الخلافة العثمانية مصداقاً لمقولته الشهيرة "أعوذ بالله من الشيطان والسياسة"، وفقاً لما ذكرته دكتورة رنا الخماش في كتابها "النظام السياسي التركي في عهد حزب العدالة والتنمية".

هكذا كُتبت على الشيخ سعيد هذه المواجهة الصعبة وحيداً فلم يستطع الصمود طويلاً. وبنهاية مارس 1925 وقع تحوّل كبير في موازين القوى وبدأت فيالق الأكراد في التراجع.

خلال شهر واحد اضطر الشيخ سعيد وعددٍ من أتباعه إلى الاستسلام فقُبض عليهم وسيقوا إلى محكمة تركية عاقبتهم بالإعدام شنقاً بنهاية يونيو داخل ساحة المسجد الكبير في ديار بكر بصحبة 47 رجلاً من أعوانه.

بحسب عيسى، فإن هذه الأحداث انتهت بتدمير 200 قرية كردية ومقتل 15 ألف كردي وتمركز أكثر من 80 ألف جندي تركي في المناطق الكردية.

تقول الخماش "هكذا نجح أتاتورك في إخماد أول ثورة عارضت سياساته التغريبية مستخدماً الشعور القومي بعدما صوّرها على أنها ثورة كردية تُطالب بالانفصال عن الدولة التركية، فيما كانت البواعث الدينية لهذه الحركة كانت سببها الأول".

تبعات دبلوماسية خطيرة

بعد استسلام الشيخ سعيد، استمرت العمليات العسكرية التركية لملاحقة باقي قيادات حركته فاضطر بعضهم إلى الهرب نحو الأراضي الفارسية التي لم ترحب بهم ولاحقتهم عسكرياً أيضاً حتى أن الشيخ علي رضا -نجل الشيخ- كان بين هؤلاء الفارين فقبض عليه وأودع السجن في إيران.

تزامن عام 1925 مع انقلاب الضابط رضا بهلوي على الشاه أحمد مرزا القاجاري منهياً حُكم الدولة القاجارية في إيران ومؤسساً نظامٍ حاكم جديد، امتلك رضا بهلوي إعجاباً كبيراً بشخصية أتاتورك وآمَن بخطورة القضية الكردية على طهران وعلى علاقتها بأنقرة في ضوء التوتر الذي عاشته تلك المنطقة بسبب "حركة سعيد"، فقرر العمل على تحسين علاقة البلدين.

في 1926 وقع البلدان معاهدة صداقة أسهمت في تبادل عشرات الزيارات وتوقيع سلسلة من الاتفاقيات الثنائية المتنوعة، أعقب ذلك عقد اتفاقية لترسيم الحدود في 1932، و"هكذا تطورت العلاقات الفارسية التركية في ضوء الخطر المشترك الذي شكله سعيد بيران"، على حد وصف كوران سلام.

يضيف دكتور عيسى أن الإجراءات القمعية التي اتخذها الأتراك بحق الأكراد بعد ثورة الشيخ سعيد خلّفت آثاراً كبيرة على حياة الأكراد فاعتصم بعضهم في الجبال أو لجأوا إلى سوريا ومصر وبعض الدول العربية.

بمرور الوقت سعوا لعقد مؤتمر كردي حاشد يضمُّ الأطياف المشتتة من الشعب الكردي، فعُقد المؤتمر الوطني الأول في باريس عام 1927، تلاه مؤتمر آخر في لبنان، وحّدوا فيهما جهودهم وصفوفهم من أجل مواصلة العمل العسكري ضد الأتراك، الأمر الذي نتَج عنه اندلاع "ثورة أرارات" في 1930 بقيادة الضابط الكردي إحسان نوري باشا، التي انتهت بالفشل أيضاً إلا أن أحسان كان مصيره أفضل من الشيخ سعيد بعدما نجا من السجون التركية عقب نجاحه في الفرار إلى إيران.

ورغم مرور وقتٍ طويل على حركته فإن سيرة الشيخ سعيد كبطل قومي ظلّت حاضرة في مخيلة الأكراد لسنوات طويلة. ففي 1983 نفّذ الجيش التركي عملية عسكرية ضد مجموعة كردية تحت اسم "الشيخ سعيد بيران"، تحصنت في جبال العراق ومارست عملها السري ضد تركيا، حسبما ذكر حامد عيسى في كتابه.