كمأة
الكمأة نوع من أنواع الفطر متفاوتة الأحجام ومختلفة الألوان

على الرغم من انخفاض أسعارها بسبب قرار حظر التجوّل المفروض في الأراضي العراقية، دفعت الأوضاع المعيشية الصعبة العديد من الأيزيديين في سنجار ، إلى أطرافها، بحثاً عن مصدر قوتهم  االيومي: الكمأة.

يتوجه رائد زوماني (21 عاماً)  في الصباح الباكر  إلى التلال الواقعة قرب مجمع سيبا شيخ خدري (مجمع الجزيرة) جنوب سنجار، بحثاً عن الكمأة قاطعا نحو 20 كيلومترا مشياً على الأقدام.

والكمأة نوع من الفطر البري الذي ينمو في المناطق الجبلية والصحراوية تحت التربة بعمق عدة سنتمترات تصل أحيانا عشرة سنتمترات، ونموها مرتبط بهطول الأمطار الرعدية في الخريف والربيع، تتنوع ألوانها بين البني الغامق والأبيض والأسود، وتتفاوت أحجامها من حجم حبّة بندق إلى حجم برتقالة.

يقول رائد لـ"ارفع صوتك": "ونتيجة بحث نهار كامل تكون خمسة كيلوغرام أو أقل، بعدها أعود مسرعاً على قدميّ إلى سوق سنجار لبيعه".

وعادة يكون السوق شبه خال، كما لم تعد الكمأة مطلوبة بشكل كبير كالسابق، وإن كان اعتماد السكان سابقاً على بيعها لسوق أربيل، فإن حظر التجوّل اليوم يحول دون ذلك.

"إجراءات الوقاية من فيروس كورونا راكمت كميات كبيرة من الكمأة في سوق سنجار، بالتالي انخفضت أسعارها عن السنوات الماضية"، وفق رائد.

يتابع "كنا نبيعه في السنوات الماضية للتجار والبقالين بنحو (10-15)  ألف دينار للكيلوغرام الواحد، لكننا نبيعه الآن بـ(3-4) آلاف  دينار وبالكاد يكفي حاجتنا اليومية من الطعام، وفي بعض المرات لا يُباع فنحمله عائدين إلى بيوتنا".

لا يخفي رائد خوفه من الإصابة بفيروس كورونا، خصوصاً أن العديد من أهالي المجمعات السكنية والقرى الواقعة في أطراف سنجار يتجمعون في الطبيعة بحثا عن الكمأة.

يقول "أعي خطورة المرض وسرعة انتشاره، لكني لا أستطيع البقاء في بيتي/ إنه مصدر رزقي الوحيد، ومن دون العمل سأنام وعائلتي من دون طعام.  والحكومة حتى لم تدعمنا بأي مساعدات مالية أو غذائية".

ويتحمل رائد مسؤولية عائلته وعائلته والده، ويعيشون معاً في بيت واحد. في الصيف يعمل داخل مزارع الخضراوات المنتشرة في محيط سنجار، وفي الشتاء والربيع يبحث عن الكمأة.

أيزيديون يفتشون عن الكمأة في تلال سنجار

في نفس الوقت، لا يزال العديد من أقارب رائد مختطفين لدى تنظيم داعش ولا يعلم مصيرهم، وينتظر كغيره من الأيزيديين عودتهم في يوم من الأيام، وبسبب العيش في المخيم خلال السنوات الماضية، فقد عمله كعامل بناء.

باحث آخر عن الكمأة، هو الأيزيدي قائد خلف، يقول لـ"ارفع صوتك": "الفقر والجوع أوبئة أيضاً مثل الكورونا، ليست أقل خطراً منه على حياتنا".

ويضيف "لا خيار آخر لدينا سوى البحث عن الكمأة مصدر رزقنا الوحيد الآن".

وفي سوق سنجار نلتقي ببائع الكمأة زردشت سيدو، يقول "انخفضت أسعارها عن السابق، وتراجع الإقبال عليها، ولا يمكننا نقلها لمدن أخرى، أقف أياماً عديدة في السوق لبيع كميات بسيطة، وما أحصّله من مال، بالكاد يكفي الإنفاق على عائلتي".

الجدير بالذكر، أن إجراءات حظر التجوّل تمنع أهالي مركز مدينة سنجار من التوجه إلى أطرافها، فالقوات الأمنية تمنع الخروج والدخول من وإلى المدينة منذ إعلان حظر التجول في 17 مارس الماضي، لكن أصحاب محلات بيع المواد الغذائية والخضروات يمكنهم مزاولة أعمالهم.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

عودة الأيزيديون إلى قضاء سنجار غرب الموصل
صورة أرشيفية لعودة نازحين إلى مناطقهم في قضاء سنجار، عام 2020

"الخدمات البلدية معدومة في سنجار ونعاني من نقص المياه الصالحة للشرب، والمساعدات الإنسانية قليلة. إذا قارنّا بين العيش في سنجار والمخيمات، العيش في المخيمات أحسن"، يقول العراقي جلال علي لـ"ارفع صوتك" وهو نازح أيزيدي عاد مؤخراً إلى سنجار.

يستدرك القول "رغم ما نعانيه من أوضاع صعبة، لكن سنجار أرضنا ومن الواجب العودة إليها".

وكانت الحكومة العراقية قررت في يناير الماضي، تحديد 30 يوليو المقبل موعداً لإغلاق مخيمات النازحين في البلاد والإعادة الطوعية للنازحين، ضمن خطتها لإنهاء ملف النزوح الذي يقترب عمره من 10 سنوات.

وتحتضن محافظة دهوك وإدارة زاخو في إقليم كردستان شمال العراق 15 مخيماً للنازحين الأيزيديين، تضم وفق إحصائيات مكتب الهجرة والمهجرين في دهوك 25600 عائلة، بينما يعيش أكثر 38700 عائلة نازحة خارج المخيمات.

يقول مدير المكتب بير ديان جعفر، إنهم لم يتلقوا حتى الآن أي كتاب رسمي باتخاذ الاستعداد لتنفيذ قرار إغلاق المخيمات، مبيناً لـ"ارفع صوتك"، أن "سياسة حكومة إقليم كردستان واضحة، وهي عدم إغلاق أي مخيم بشكل قسري، لذلك فإن النازحين أحرار وسوف نقوم بخدمتهم حتى يقرروا الرجوع إلى مناطقهم بمحض إرادتهم".

ومنذ تحرير سنجار وأطرافها من تنظيم داعش الإرهابي في نوفمبر 2015 حتى اليوم، لا تزال  المدينة تعاني من التجاذبات السياسية، إلى جانب سيطرة الأذرع المحلية لحزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا وعدد من الفصائل المسلحة الموالية لإيران.

هذه الأمور شكلت عائقاً أمام النازحين للعودة، خشية حصول أي تدهور أمني مفاجئ أو صدامات بين الأطراف المسلحة، عدا عن الغارات التركية التي تحدث بين حين وآخر مستهدفةً مسلحي حزب العمّال.

من جهته، يقول الناشط الأيزيدي فيصل علي، وهو يعيش في أحد مخيمات زاخو، إن النازحين وبشكل خاص نازحو سنجار "أصبحوا ورقة ضغط سياسية في وقت يواجهون  ظروف النزوح القاسية منذ 10 سنوات".

ويعتبر أن قرار إغلاق المخيمات "سياسي بامتياز" مردفاً "الضغوطات الحكومية على النازحين عالية وغير موفقة، لأن النازحين أيضاً يريدون العودة لكن بأرضية مهيّأة وباستقرار المنطقة كما يطالبون بالتعويضات".

ويوضح علي لـ"ارفع صوتك": "استعدادات الحكومة العراقية لاستقبال النازحين في سنجار غير كافية وغير مدروسة. المفروض من الحكومة قبل أن تعلن عن موعد إغلاق المخيمات وإعادة النازحين تهيئة أجواء سنجار بشكل مناسب، عبر إعادة إعمار بيوت النازحين وبناء بيوت العائدين وتخصيص تعويضات مالية لا تقل عن 10 ملايين دينار".

وخصصت الحكومة مبلغ 4 ملايين دينار عراقي (2500 دولار أميركي) لكل عائلة عائدة من مخيمات النزوح إلى مناطقها في سنجار، يُسلم المبلغ على شكل صكوك للعائدين.

هذا المبلغ "غير كاف" يقول علي، مبيّناً "يحتاج العائد إلى المدينة وقتاً طويلا حتى يستلمه، كما لا يمتلك أية أموال لإعادة إعمار منزله المدمر وتهيئته للعيش، فيما لم يعد يمتلك العديد من النازحين أي منازل للعيش فيها، وسط نقص الخدمات الرئيسية. بالتالي فإن العودة بهذا الشكل مستحيلة".

من جهتها، تجد ياسمين خيروا، وهي نازحة تعيش في مخيم شاريا بمحافظة دهوك، العودة إلى سنجار "ضرورية"، قائلةً "نطالب بالعودة وإنهاء النزوح لكننا نحتاج إلى دعم ومساندة من الحكومة في توفير الخدمات لنا عند العودة وإعادة إعمار مدينتنا بأسرع وقت".

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش في بيان أصدرته قبل أسبوع، إن مخيّمات النازحين في إقليم كردستان العراق بحلول 30 يوليو ستهدد حقوق الكثير من سكان المخيمات أهالي منطقة سنجار الشمالية.

وأضافت: "لا تزال سنجار غير آمنة وتفتقر إلى الخدمات الاجتماعية اللازمة لضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لآلاف النازحين الذين قد يضطرون إلى العودة قريباً".

في السياق نفسه، يرى رئيس المنظمة الأيزيدية للتوثيق، حسام عبدالله، أن إنهاء ملف المخيمات بهذه الطريقة "خطوة خاطئة وغير مدروسة، لأن السلطات العراقية لم تناقش القرار مع الآليات الدولية ولا مع الفاعلين الدوليين في العراق، بل أصدرته نتيجة الضغط عليها من أجل وضع حل".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن "الوقت غير مناسب جدا لهذا القرار، ولا توجد أرضية مهيأة في سنجار لعملية العودة السريعة، بالتالي فإن إصداره يعني أن العراق لم يوف بالتزاماته الدولية تجاه عملية إنهاء ملف النازحين".

ويصف عبد الله هذه العودة للنازحين المقررة بتاريخ، أنها "قسرية".

في غضون ذلك، قالت وكيلة وزارة الخارجية الأميركية للأمن المدني والديمقراطية وحقوق الإنسان، عزرا زيا، في مؤتمر صحافي عقدته الأسبوع الماضي، في معبد لالش بمحافظة دهوك،: "شجعنا الحكومة العراقية على معالجة المخاوف بشأن المليشيات في المناطق المحررة من سيطرة داعش مثل سنجار وسهل نينوى وباقي مناطق تواجد مكونات المجتمع العراقي".

وأوضحت أن "التأثير السلبي للميلشيات على أمن المكونات واستقرارهم يمنع عودة اللاجئين ويعيق أيضاً تحقيق التنمية الاقتصادية في مناطقهم".

حاول موقع "ارفع صوتك" التواصل مع المتحدث باسم وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، علي عباس جهانكير، أو أي مسؤول آخر في الوزارة للحديث عن استعدادات الوزارة لتنفيذ قرار إغلاق المخيمات، لكن لم يتلق أي إجابة على أسئلته.