أقليات

تعويض ضحايا العنف الجنسي في العراق بانتظار تحرك حكومي لإقراره

دلشاد حسين
28 أغسطس 2020

ينتظر ضحايا العنف الجنسي أثناء نزاع تنظيم داعش في العراق إقرار قانون من قبل مجلس النواب، خاص بتعويضهم، ويلزم الحكومة بالاعتراف بالجرائم التي تعرض لها الأيزيديون والمسيحيون والمكونات الأخرى على يد التنظيم على أنها جرائم إبادة جماعية.

ويسعى "تحالف التعويضات"، وهو تحالف مكون من ٢٥ منظمة مجتمع مدني تمثل كافة مكونات العراق، إلى الضغط من أجل إقرار مشروع قانون التعويضات للناجيات والناجين من العنف الجنسي أثناء نزاع "داعش".

وأعد التحالف الذي تشكل عام 2019 مسودة مشروعه وينتظر فتح قنوات اتصال مباشرة مع الحكومة ومجلس النواب العراقي للعمل على تمرير القانون في البرلمان قريبا.

وتقول فينا يعقوب، مسؤولة العلاقات في تحالف التعويضات، أن "مشروع القانون الذي أعددناه في تحالف التعويضات يطالب بتعويضات للناجيات والناجين من العنف الجنسي المرتكب خلال نزاع داعش في الفترة الممتدة من ٢٠١٤ ولغاية ٢٠١٧، حيث أعلن فيها العراق انتهاء التنظيم داخل أراضيه"، موضحة في حديث لموقع (ارفع صوتك)، أن "مسودة المشروع أصبحت جاهزة الآن ونعمل على التواصل مع السلطات وأصحاب القرار في البلاد من أجل تعريفهم بالمشروع ومن ثم عرضه على البرلمان لمناقشته وإقراره".

وأشارت يعقوب إلى أن استجابة الحكومة ومجلس النواب للمشروع "ضعيفة جدا حتى الآن"، مبينة أن التحالف يواصل خطواته للتواصل مع الحكومة والبرلمان وعقد اجتماع معهما من أجل العمل على إقرار القانون.

وتشدد مسودة مشروع قانون التعويضات الذي أعده تحالف المنظمات المدنية على ضرورة استفادة الحكومة من المعايير الدولية لحقوق الإنسان التي تنظم التعويضات لضحايا العنف الجنسي في النزاعات.

وابتعدت المسودة عن التركيز على التعويضات المالية من مرتبات شهرية وتوفير السكن والمساعدة في تأمين سبل العيش، بل شملت أيضًا مجموعة من التدابير التعويضية الأخرى كاسترداد ما فُقِد (استعادة الوظيفة، الاستمرار بالتعليم، استعادة الخدمات العامة، البنية التحتية والأشياء الدينية).

كما وأشارت إلى ضرورة إعادة التأهيل النفسي والصحي وتقديم الخدمات الطبية والقانونية والفرص التعليمية وبرامج سبل العيش فضلا عن تقديم الاستشارات الأسرية والبرامج الموَجّهة للمجتمع.

وطالبت المسودة الحكومة العراقية الاعتراف بالجرائم التي ارتكبها "داعش" على أنها إبادة جماعية ضد الأيزيديين والأقليات الأخرى، وضمان عدم التكرار من خلال إجراء إصلاح قانوني يهدف إلى منع العنف القائم على النوع الاجتماعي وضمان المساواة بين الجنسين.

 وأكدت على ضرورة التزام الدولة بالبحث عن المختطفين لدى التنظيم، من خلال اقتراح قاعدة بيانات متخصصة وإحاطة منتظمة للأسر المتضررة، وإعادة رفات المتوفين إلى عوائلهم لدفنها بشكل ملائم.

ورغم أن رئاسة الجمهورية طرحت في نيسان/ أبريل ٢٠١٩، مسودة قانون الناجيات وتم تعديلها من قبل مجلس الوزراء في تموز/ يوليو من نفس العام، لكن الأحداث السياسية التي شهدها العراق واستقالة الحكومة حالت دون تمرير القانون في البرلمان حتى الآن.

ويعرب رئيس منظمة "ميثرا للتنمية والثقافة اليارسانية"، رجب عاصي كاكايي عن أمله بأن يلقى مشروع القانون "الدعم الكافي من قبل مجلس النواب ويصوت عليه قريبا".

يقول كاكايي، "نحن ندرك التحديات المادية التي تعيشها الحكومة العراقية بسبب فداحة خسائر حرب داعش وحجم المستحقين للتعويض وهذا هو التحدي الأكبر الذي يعيق تخصيص تعويضات للضحايا"، مطالبا خلال حديثه لموقع (ارفع صوتك) الحكومة بأنصاف الضحايا عبر "محاكمة المتسببين بتلك الجرائم محاكمة عادلة وتعويض الضحايا تعويض عادلا".

ويتفق عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، علي أكرم البياتي، مع تحالف التعويضات على ضرورة تعويض الضحايا ماديا وإعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع ومحاربة الوصمة الاجتماعية التي يعانون منها، إضافة إلى ضرورة إشراكهم في المحاكمات وفقا للمعايير الدولية لإنصاف الضحية ومحاكمة المجرمين على الجرائم التي ارتكبوها.

ويوضح البياتي أن "المفوضية قدمت العام الماضي مجموعة من المقترحات لتوسيع مسودة قانون الناجيات لتشمل كافة الضحايا الذين تعرضوا للعنف الجنسي من قبل داعش، نضيفا في حديث لموقع (ارفع صوتك)، "كما طالبنا بإضافة فقرة خاصة بأطفال الناجيات وضرورة شمولهم بالقانون وتهيئة الأجواء لمعالجة مشاكلهم قانونيا حسب المجتمع الذي ينتمون إليه وتشخيص وتحديد المسؤوليات من قبل المؤسسات الحكومية المعنية بتقديم الرعاية".

ويشير البياتي إلى أن الظروف التي شهدها العراق العام الماضي من مظاهرات وأزمات تسببت في تأخر تشريع هذا القانون، مشددا في الوقت ذاته على "ضرورة تشريع قوانين أخرى تضمن كافة حقوق الضحايا".
ويتابع "نحن بحاجة إلى قانون آخر يتعامل مع الجانب الجنائي والقضائي للموضوع، وقانون آخر يتعلق بتشكيل محكمة خاصة لمحاكمة عصابات داعش على الجرائم التي ارتكبوها ضد المجتمع الأيزيدي والمجتمعات الأخرى، مثل التركمان والمسيح والشبك والكاكائيين وغيرهم".
 

دلشاد حسين

مواضيع ذات صلة:

مشهد من فيلم شفيقة ومتولي أحد أشهر الأفلام في تاريخ السينما المصرية، أخرجه الكردي علي بدرخان- تعبيرية
مشهد من فيلم شفيقة ومتولي أحد أشهر الأفلام في تاريخ السينما المصرية، أخرجه الكردي علي بدرخان- تعبيرية

في كتابهم "الأكراد في مصر عبر العصور"، تتبع المؤلفون درية عوني ومحمود زايد ومصطفى محمد عوض جذور العلاقات التاريخية بين الأكراد ومصر. بحسب الكتاب، فإن العلاقات الكردية المصرية بدأت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد وتجسدت في عمليات التبادل التجاري والتأثير السياسي بين الميتانيين (أجداد الأكراد) وملوك مصر القديمة.

في العصور الإسلامية توطدت العلاقة بين الجانبين من خلال هجرة العديد من العناصر الكردية إلى مصر. وبرز اسم أبي الحسن سيف الدين علي بن سالار، وزير الخليفة الفاطمي الظافر بالله في القرن الثاني عشر الميلادي، واسم الأمير مجير الدين أبو الهيجاء الكردي في عصر السلطان قلاوون في القرن الثالث عشر، فضلاً عن الحكام والأمراء الأيوبيين الذين تولوا حكم مصر وسوريا والحجاز لمدة تقترب من مئة عام.

وخلال خمسينيات القرن العشرين عادت العلاقات الكردية المصرية إلى الواجهة مرة أخرى عقب استقلال مصر ونجاح ثورة "الضباط الأحرار"، إذ حظيت القضية الكردية بتعاطف ودعم القيادة السياسية المصرية ممثلة بالرئيس آنذاك جمال عبد الناصر.

في سنة 1957 تم إطلاق إذاعة مصرية ناطقة باللغة الكردية من القاهرة، أو القسم الكردي بإذاعة القاهرة، وكانت تبث البرامج الأدبية والشعر الكردي والموسيقى والأغاني الكردية. وقتها هرع السفير التركي في القاهرة لمقابلة عبد الناصر مسجلاً احتجاج أنقرة على افتتاح تلك الإذاعة، ليرد عليه الرئيس المصري قائلاً "معلوماتي تفيد بأنه لا وجود للأكراد في تركيا كما تقولون وأن هؤلاء الذين يوصفون بأنهم أكراد ما هم إلا أتراك جبليون، فلماذا إذا أنتم غاضبون من إذاعة كردية؟".

بعدها بسنة واحدة زار الزعيم الكردي مصطفى البارزاني القاهرة والتقى بعبد الناصر، وشهد اللقاء تأكيد عبد الناصر على حق الأكراد في المطالبة بحقوقهم القومية والتمتع بحقوقهم المشروعة داخل إطار الدولة العراقية.

تراجع زخم العلاقات الثنائية عقب وفاة عبد الناصر خصوصاً بعدما تخلت القيادة السياسية في مصر عن مشروعها الداعم للأقليات العرقية في منطقة الشرق الأوسط.

حالياً، يعيش أحفاد الأكراد الذين هاجروا إلى مصر في مناطق مختلفة من الدلتا والصعيد، وينتشرون في كافة المحافظات المصرية من الإسكندرية شمالاً إلى أسوان جنوباً، ولا يمكن تمييزهم عن المصريين إلا من خلال أسماء بعض العائلات الكردية الشهيرة مثل عائلة بدرخان وتيمور.

من جهة أخرى، يظهر الأثر الكردي في أسماء بعض المناطق والقرى في شتى أنحاء مصر، من ذلك قرية "منشأة الكردي" في محافظة الغربية، و"جزيرة الأكراد" في صعيد مصر، و"كفر الكردي"، و"ميت الأكراد" في محافظة الدقهلية، وحي "الزمالك" بالقاهرة، الذي يرجع اسمه إلى كلمة كردية الأصل تعني مصيف الملوك بحسب كتاب "الأكراد في مصر عبر العصور".

سياسياً

تمكن الأكراد المهاجرون إلى مصر من التأثير بشكل مباشر في تشكيل المشهد السياسي المصري منذ بدايات القرن التاسع عشر، ووقع ذلك من خلال الأسرة العلوية التي حكمت مصر -تحت السلطة الأسمية للعثمانيين- في الفترة بين 1805- 1952.

في السنين الأخيرة من القرن الثامن عشر قدم محمد علي باشا إلى مصر ضمن الجيش العثماني لقتال الحملة الفرنسية. وبعد فترة قصيرة تمكن من الصعود لسدة الحكم حين اختاره الأعيان والمشايخ والياً على مصر.

استغل محمد علي تلك الفرصة وأسس لحكم وراثي في أسرته وظل ورثته يقبضون على السلطة في القاهرة لقرابة قرن ونصف قرن.

في العديد من المناسبات، أقر أمراء الأسرة العلوية بالأصل الكردي لجدهم الأكبر.  على سبيل المثال في نوفمبر سنة 1949 نُشر حوار صحافي في مجلة "المصور" المصرية أجراه المفكر المصري عباس محمود العقاد مع ولي عهد مصر آنذاك الأمير محمد علي، جاء في هذا الحوار على لسان ولي العهد "...أحدّثكم بشيء قد يستغربه الكثيرون عن نشأة الأسرة العلوية، فإن الشائع أنها نشأت على مقربة من قولة في بلاد الأرناؤوط (ألبانيا)، ولكن الذي اطلعت عليه في كتاب ألّفه قاضي مصر على عهد محمد علي، أن أصل الأسرة من ديار بكر في بلاد الكرد، ومنها انتقل والد محمد علي وإخوانه إلى قولة، ثم انتقل أحد عميه إلى الأستانة، ورحل عمه الثاني في طلب التجارة، وبقي والد محمد علي في قولة. وقد عزز هذه الرواية ما سمعناه منقولاً عن الأمير حليم (أحد أحفاد محمد علي)، أنه كان يرجع بنشأة الأسرة إلى ديار بكر في بلاد الكرد...".

ثقافياً

أسهم لجوء الأكراد إلى مصر في خروج الصحافة الكردية إلى النور للمرة الأولى، ووقع ذلك في أواخر القرن التاسع عشر. في تلك الفترة سافر الأمير مقداد مدحت بدرخان وشقيقه عبد الرحمن إلى مصر بعد أن تم نفيهما من إسطنبول واستقرا في القاهرة، ثم قام الشقيقان بإصدار صحيفة "كردستان"، ونُشرت أول أعدادها من "دار الهلال" سنة 1898.

كتب مقداد مقالات الصحيفة باللهجة الكرمانجية المُستخدمة على نطاق واسع في تركيا وسوريا وأجزاء من العراق وإيران، كما كتب أيضاً باللهجة السورانية المُستخدمة من قِبل بعض الأكراد في إيران والعراق. وسلطت الصحيفة الضوء على معاناة الأكراد، وكان القائمون عليها يعملون على توزيعها مجانا في مختلف أنحاء كردستان (في المخيال الكردي) عبر دمشق وبيروت.

بعد سنوات، تابعت أسرة بدرخان نشاطها الثقافي والفني في مصر من خلال إخراج وإنتاج الأفلام السينمائية. في هذا السياق، تميزت أعمال المخرج أحمد بدرخان الذي يُعدّ أحد رواد السينمائيين في مصر.

أخرج بدرخان عشرات الأفلام منها "نشيد الأمل"، و"دنانير"، و"فاطمة"، "ومجد ودموع". سار علي بدرخان على درب أبيه، فعمل هو الآخر في حقل الإخراج السينمائي، وقدم العديد من الأعمال التي لامست أهم مشكلات المجتمع المصري، مثل فيلم "الكرنك" الذي انتقد المعتقلات وكبت الحريات في عهد جمال عبد الناصر،  وفيلم "الجوع" الذي تناول إحدى القصص الواردة في ملحمة الحرافيش للأديب نجيب محفوظ، وفيلم "أهل القمة" الذي قدم نقداً واضحاً لسياسات الانفتاح الاقتصادي في زمن محمد أنور السادات، فضلاً عن فيلم "شفيقة ومتولي" المُستوحى من حكاية شعبية شهيرة متداولة في كافة أنحاء صعيد مصر.

في 2017 توج بدرخان مشواره السينمائي عندما فاز بجائزة النيل وهي أرفع جائزة تمنحها مصر سنوياً في مجالات الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية.

في السياق ذاته، تميز العديد من الأكراد المصريين في ميادين الأدب والفكر. من هؤلاء أفراد الأسرة التيمورية، على رأسهم الأديب أحمد تيمور باشا الذي ولد في القاهرة عام 1871 من أب كردي وأم تركية، وكان عضواً في كل من المجمع العلمي العربي بدمشق، والمجلس الأعلى لدار الكتب.

ألف أحمد تيمور باشا العديد من الكتب ومن أشهرها "الأمثال العامية" الذي يُعدّ مرجعا لا غنى عنه لدراسة الفلكلور المصري.

كما برزت شقيقته عائشة التيمورية التي تُعتبر إحدى رائدات الحركة النسوية في العالم العربي، وضمت الأسرة الابنين محمد ومحمود اللذين تميزا في مجال كتابة الروايات والقصص.

في المجال الشعري، احتضنت مصر الشاعر الكبير أحمد شوقي. ولد شوقي في القاهرة عام 1868 ونشر الكثير من المسرحيات والدواوين الشعرية. من أشهر أعماله مسرحية "مصرع كليوباترا"، ومسرحية "مجنون ليلى"، ومسرحية "قمبيز"، فضلاً عن العديد من المدائح النبوية.

بشكل عام، اشتهر شوقي بلقب "أمير الشعراء"، ويُعدّ أحد أهم شعراء اللغة العربية في العصور الحديثة. تحدث شوقي عن أصوله الكردية في مقدمة الطبعة الأولى من ديوانه "الشوقيات"، فكتب "سمعت أبي يرد أصلنا إلى الأكراد فالعرب، ويقول إن والده قدم هذه الديار يافعاً يحمل وصية من أحمد باشا الجزار إلى والي مصر محمد علي باشا...".

كذلك، امتد النفوذ الكردي في مصر إلى ساحات الفكر والثقافة، وتمثل ذلك في شخص المفكر الموسوعي عباس محمود العقاد. ولد العقاد في أسوان عام 1889، لأب مصري وأم من أصول كردية من ديار بكر. اشتهر بتأليفه للعشرات من الكتب في مجالات التاريخ والفلسفة والأدب وعلم الاجتماع والسيرة الذاتية، كما اشتهر بسلسلة العبقريات التي حلل فيها شخصيات العديد من الصحابة في التراث الإسلامي.