أقليات

هجرة مستمرة للمسيحيين من العراق .. و"داعش ليس السبب الوحيد"

22 نوفمبر 2020

تزايدت هجرة المسيحيين في العراق في الأعوام الأخيرة، وهي هجرة بدأت بشكل واضح بعد سقوط نظام صدام حسين في عام 2003، ثمّ تفاقمت خلال فترة النزاع الطائفي (2006-2008) حين حصل استهداف مباشر للمسيحيين وكنائسهم في خضم موجة هجمات راح ضحيتها الآلاف.

وبلغ الاستهداف "ذروته في الهجوم على كنيسة سيدة النجاة (في عام 2010) الذي قتل فيه نحو 50 شخصاً"، وترافق مع تزايد التهديدات والخطف وفرض الأتاوات والتعرض للمسيحيين للقتل بدم بارد في بيوتهم"، كما يشرح النائب عن الحركة الديموقراطية الأشورية يونادم كنا لوكالة الصحافة الفرنسية. 

وفي عام 2014، سيطر تنظيم داعش على أجزاء واسعة من شمال العراق لا سيما الموصل ونينوى حيث يتركز الثقل المسيحي في البلاد، وتسببت ممارساته والترهيب الذي زرعه بموجة نزوح واسعة شملت المسيحيين.

"هاجروا رغماً عنهم"

ويؤكد بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاردينال لويس روفائيل ساكو للفرنسية أن "كثراً من المسيحيين هاجروا رغماً عنهم، لأن هذه أرضهم وهذا تاريخهم، ذهبوا بحثاً عن مستقبل لأولادهم".

وتغيب الإحصاءات الدقيقة بشأن العدد الفعلي للمسيحيين في العراق، لكن تناقصهم يبرز بمجرد متابعة عدد المصلين في الكنائس وحتى بإغلاق بعضها، مثل كنيسة الثالوث الأقدس في منطقة البلديات شرق بغداد المغلقة منذ نحو أربع سنوات ولا تشهد احتفالات دينية إلا بمناسبات قليلة.

وهناك كنائس أغلقت منذ عام 2007 ولم تفتح أبوابها من جديد مثل كنيسة "قلب يسوع الأقدس" للأرمن الكاثوليك في الكرادة في وسط العاصمة البالغ عدد سكانها عشرة ملايين نسمة.  

وفي كاتدرائية مار يوسف، لم يعد يتجاوز عدد المصلين 50 شخصاً، وهو عدد لا يقارن بما كان عليه قبل بضع سنوات فقط، بالنسبة لنائل الذي يؤكد حصول "تناقص كبير (في الأعداد) وهجرة في السنوات الأربع الماضية.... كانت هذه الكنيسة تمتلئ حتى في الأيام العادية".

وبحسب البطريرك ساكو، كان هناك مليون ونصف مليون مسيحي حتى 2003، ولا يفوق عددهم الإجمالي اليوم نصف مليون، بينما يؤكد وليام وردة من المنظمة غير الحكومية حمورابي التي تدافع عن حقوق الأقليات المسيحية في العراق، من جهته، أن عدد المسيحيين الباقين في العراق يتراوح بين 300 و400 ألف فقط. 

ويضيف وردة أنه في بغداد التي كان يقطنها عام 2003 نحو 750 ألف مسيحي، "لا يتجاوز حالياً عدد المسيحيين 75 ألفاً". 

في منطقة الدورة في جنوب بغداد التي "كانت فيها أسواق كاملة للمسيحيين من تجار وأطباء وأصحاب مقاه"، كان "عدد المسيحيين 150 ألفا، ولم يبق سوى ألف حالياً"، وفق وردة.

"مخاوف من حكم ديني"

مرّت ثلاث سنوات على هزيمة تنظيم داعش في العراق، لكن الأسباب التي لا تزال تدفع المسيحيين العراقيين للبحث عن حياة في الخارج لم تنته. 

ويعاني العراق من أزمة اقتصادية غير مسبوقة مع التراجع الكبير في أسعار النفط. وشهد منذ عام موجة تظاهرات احتجاجية غالبية المشاركين فيها من الشباب المستائين من الفساد ونسبة البطالة المرتفعة وتردّي الأوضاع السياسية والاقتصادية.

وتراود فكرة الهجرة من جديد نينوس (25 عاماً) من الدورة، فهو سبق أن هاجر إلى أكثر من مكان، لكنه عاد إلى العراق بعدما واجه صعوبات في الخارج.

ويروي الشاب الذي يعمل خبير تجميل "أحياناً أجد نفسي هنا، لكن أغلب الأوقات لا أشعر أن لي مكانا، بمعنى أن الوضع لا يتناسب مع عملي وتفكيري وما أسعى لتطويره بنفسي". 

عموماً، يوجد "شعور لدى المسيحيين أن الدولة تتحوّل إلى دينية، ولا يستطيع المسيحي أن يعيش فيها، حتى المسلم العلماني لا يستطيع أن يعيش فيها"، وفق وردة.

وبالإضافة إلى العوامل الاقتصادية التي تؤثر على جميع العراقيين، يعاني المسيحيون في العراق من التمييز والتهميش وتراجع حقوقهم.

ويوضح البطريرك ساكو أنه "لا يوجد ضغط مباشر على المسيحيين حالياً، لكن الممارسات اليومية فيها إقصاء. إن كنت مسيحياً، لا مكان لك بالعمل على مستوى مؤسسات الحكومة، هذا سببه الفساد، ويدفع للهجرة".

مريم.. وحلم الهجرة

ويضمن الدستور العراقي التساوي بالحقوق والحريات بين جميع مكونات المجتمع، لكن ذلك لا يطبق بشكل كامل بسبب الفساد والمحاصصة وضعف تطبيق القانون.  

ويتحدث الشماس نائل عن اختبار ابنته التي تخرجت من الجامعة ولا تتمكن من إيجاد عمل. "لدي ابنة وحيدة، أرغب أن تتعين في دائرة من دوائر الدولة، وأعتبر أن هذا حق من حقوقنا كأقليات، كما يسموننا". 

ورغم تعلقها ببلدها، إذا أتيحت لمريم فرصة الهجرة، فقد تغادر هي أيضاً. 

وتقول "صراحة لا أحد لا يرغب بالبقاء في بلده. أتمنى أن أسافر، لكن أتمنى في الوقت نفسه أن يوفر لي بلدي كل ما هو موجود في دول أخرى حتى أبقى فيه".

مواضيع ذات صلة:

قبل اجتياح داعش مناطقهم، كان عدد أيزيديي العراق أكثر من نصف مليون نسمة- تعبيرية
قبل اجتياح داعش مناطقهم، كان عدد أيزيديي العراق أكثر من نصف مليون نسمة- تعبيرية

يثير طلب، تقدمت الكتلة الأيزيدية لرئاسة مجلس النواب العراقي، بصياغة قانون متعلق بـ "القومية الأيزيدية"، الجدل في العراق وفي صفوف الأيزيديين.

ولم تتم صياغة مسودة القانون بعد، لكن دعوة الكتلة الأيزيدية لإعداد القانون حظيت بدعم 182 نائبا في البرلمان.

وكانت رئاسة البرلمان أعلنت، في 4 يونيو الجاري، أن رئيس المجلس بالوكالة أحال الطلب إلى اللجنة القانونية للمجلس.

وأوضح رئيس الكتلة الأيزيدية في البرلمان العراقي نايف خلف سيدو، في بيان، أن الهدف من المقترح  هو "إنصاف أبناء القومية الأيزيدية لما تعرضوا له من إبادة جماعية على يد عصابات داعش الإرهابية".

وثيقة مقترح القانون- وسائل إعلام عراقية محلية

في المقابل، أعلن المجلس الروحاني الأيزيدي الأعلى في 8 يونيو رفضه ما أسماه "محاولات تغيير قومية الأيزيدية من الكردية إلى أية قومية أخرى"، ووصف الأمر بأنه "تلاعب بالهوية".

وقال المجلس في بيان إن "كل ما تعرضت له الديانة الأيزيدية وأتباعها عبر التاريخ من ظلم واضطهاد وحملات الإبادة الجماعية، لم يثنِ الأيزيديين من التشبث بجذورهم وهويتهم الدينية الأيزيدية وقوميتهم الكردية".

ودعا المجلس الروحاني الأيزيديين إلى المشاركة في التعداد السكاني المقرر إجراؤه في العراق في أكتوبر المقبل، معتبر أن التعداد "فرصة تاريخية لجميع مكونات الشعب العراقي لتثبيت حجمها الحقيقي، ومنهم الأيزيديون لتثبيت ديانتهم الأيزيدية وقوميتهم الكردية العريقة".

 

تفريق وتشتيت؟

يصف الكاتب والباحث في الشأن الأيزيدي حسين باعدري أن محاولة تغيير قومية الأيزيديين من الكردية إلى الأيزيدية "جزء من مشروع مستمر لتفريق الأيزيديين وتشتيتهم"، معتبرا أن الهدف منه إضعاف الأيزيديين وفصلهم عن إقليم كردستان، وهذا يلحق ضررا كبيرا بالمجتمع الأيزيدي".

لكن قسما من الأيزيديين أيضا، ومنهم رجل الدين، خلمتكار فاخر خلف، لا يخفون دعمهم لمقترح القانون، معتبرين أن الاعتراف بهم كقومية حق مشروع لأتباع الديانة الأيزيدية في العراق.

يقول خلف لـ"ارفع صوتك": "هذا حق شرعي وقانوني لأن الأيزيدية دين وقومية، مطالباتنا باعتبارنا قومية ليست وليدة الأشهر الماضية بل بدأت منذ عام 2003".

وينفي خلف أن يتسبب تشريع القانون في تفريق وتشتيت الأيزيديين، مشيرا الى أن المؤيدين لمقترح القانون سينظمون تجمعا في سنجار لدعم خطوات تشريع هذا القانون.

ليست هذه المحاولة الأولى التي يواجهها الأيزيديون لتغيير قوميتهم من الكردية. ففي عام 1969 افتتح حزب البعث الحاكم آنذاك، في بغداد، "المكتب الأموي" الذي أشرف على تداول معلومات بأن الأيزيديين أصولهم عربية، واستمر في ذلك حتى مطلع ثمانينات القرن الماضي.

وكان المكتب جزءاً من مشاريع التغيير الديمغرافي التي نفذها النظام السابق في العراق بحق الكرد والتركمان والمسيحيين والمكونات الأخرى لأكثر من 35 عاما من حكمه.

من جهته، يعلّق الناشط في مجال المكونات الدينية والعرقية عزيز شركاني، على مقترح القانون، بقوله: "هذه المحاولات تؤثر بشكل كبير على نفسية الفرد الأيزيدي الذي يعيش ظروفاً صعبة نتيجة الإبادة والنزوح المستمر".

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "الأيزيديون لا يشعرون بالانتماء إلى هذا البلد بسبب السياسات الخاطئة تجاههم، ولا يشعرون بالأمان والاستقرار فيه على الرغم من أنهم أصحاب هذه الأرض الأصليين".

"للأسف، لم يحصل الفرد الأيزيدي على أبسط حقوقه" يضيف شركاني.

في السياق نفسه، يقول المستشار الأيزيدي في برلمان كردستان العراق، شيخ زيدو باعدري، إن "الديانة في جميع أنحاء العالم قابلة للتغيير، لكن القومية تأتي من الأرض والجغرافيا واللغة والعادات والتقاليد".

يُذكر أن عدد الأيزيديين في العراق عام 2014، أي قبل حملة الإبادة الجماعية بحق الطائفة الدينية على يد تنظيم داعش، كان 550 ألف نسمة، بحسب إحصائية رسمية صادرة عن مكتب "إنقاذ المختطفين الأيزيديين" التابع لحكومة كردستان.

وتبعت الإبادة هجرة أكثر من 120 ألفاً إلى خارج العراق، فيما لا تزال محافظة دهوك وإدارة زاخو في إقليم كردستان تحتضنان 15 مخيماً للنازحين الأيزيديين.

ووفق أرقام مكتب وزارة الهجرة والمهجرين، تقيم في دهوك 25 ألف عائلة، بينما هناك أكثر من 38 ألف عائلة نازحة خارج المخيمات.