أقليات

مهمشون في العراق ومضطهدون في إيران.. من هم الكاكائيون؟

13 فبراير 2021

نقلا عن موقع الحرة

يعيش الكاكائيون في العراق وإيران منذ آلاف السنين، ورغم ذلك يجهل كثيرون تفاصيل معتقداتهم وطقوسهم لأنها ديانة غير تبشيرية، اضطر أتباعها إلى إخفاء تفاصيلها إثر حملات الإبادة الجماعية التي تعرضت لها عبر التاريخ.

والكاكائية أقلية دينية تعيش داخل إقليم كردستان العراق ومناطق أخرى تتوزع على محافظات نينوى وكركوك وديالى.

أبرز ما يميز الكاكائيين، هو الشوارب البارزة، التي يحرمون حلاقتها لأسباب ثقافية ودينية، فيما لا يختلف زيهم التقليدي عن الزي الكردي السائد في المنطقة، وكذلك لغتهم.

 

أصل الكاكائية

يعود تاريخ ظهور الديانة الكاكائية إلى ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، وفقا لرئيس منظمة "ميثرا للتنمية والثقافة اليارسانية"، رجب عاصي كاكائي.

يقول عاصي لموقع "الحرة" إن "الكاكائيين يعتبرون جبرائيل هو نبيهم، ومع ذلك لدينا مصلحون ومحدثون وآخرهم سلطان إسحاق، الذي يعتبر أيضا بمثابة النبي أو المرجع الأبرز للديانة الكاكائية".

يؤمن الكاكائيون بوجود خالق واحد، ولديهم طقوس عبادة خاصة بهم، ومنها الصوم والصلاة وضرورة أن يتحلى أتباع الديانة بـ"الطهارة والصدق والتواضع والقناعة".

أثناء صومهم، يمتنع الكاكائيون عن الطعام والشراب لثلاثة أيام خلال النهار، ومن ثم يحتفلون بعدها بالعيد ليوم واحد، ويحصل ذلك في أيام معينة خلال فصل الشتاء.

أما صلاتهم، فهي عباراة عن أدعية ومناجاة يقومون بها في الفجر والمغرب، وكذلك هم يحرمون تعدد الزوجات، إلا في حالات خاصة كالمرض المزمن الذي يتعذر معه المعاشرة الزوجية.

وللموسيقى مساحة شاسعة في الثقافة الكاكائية، وبالأخص آلة الطنبور حيـث يتم إلقاء التراتيل الدينية على أنغـام ومقامـات خاصة بهم.

وتقول ليلى طاهر شريف، وهي ناشطة كاكائية مختصة في مجال حقوق الأقليات، أن "الكاكائيين يؤمنون بوجود خالق واحد، وضرورة أن يتحلى أتباع الديانة بالطهارة والصدق والتواضع والقناعة". 

وعن طقوس العبادة لدي هذه الديانة، تقول شريف إنها تتمثل المجموعة من الأدعية والمناجاة،  مضيفة "لدينا اجتماعات دينية تعقد مرة واحدة شهريا، تحتم على كل كاكائي تقديم نذر خلال هذه الاجتماعات، وهذا النذر يتمثل في تقديم الفواكه أو أي نوع آخر من الطعام، ويشمل الاجتماع الدعاء والمناجاة". 

ووفقا لدراسة أعدها عاصي ونشرتها شبكة تحالف الأقليات العراقية، ينظر الكاكائيون إلى مختلف الأديان والمذاهب نظرة متساوية دون تمييز، "فالأديان الإسلام والمسيحية واليهودية والزرادشتية، والبوذية والأيزيدية، لديها مكانة لدى أتباع الياراسانية، حسب الدراسة.

وتقول الدراسة ذاتها إن للمرأة "مكانة دينية واجتماعية مهمة لدى مجتمع اليارسانية ولا يوجد تمييز في الحقوق والواجبات بين الجنسين كالميراث".

ووفق شريف، فإن الديانة الكاكائية تحرم تعدد الزوجات "لأنها تعتبر الزواج رابطا إلهيا روحيا وهذا الرابط لا يلغى إلا بالموت أو في حالة الزنى لذلك تعدد الزوجات غير مسموح به حتى إذا لم تنجب الزوجة".

 

تسميات مختلفة

يطلق مصطلح الكاكائية على أتباع هذه الديانة الموجودين في العراق فقط، أما التسمية الرسمية للديانة فهي "اليارسانية" ومعناها "عشاق الخالق"، وهي مأخوذة من لغات قديمة كانت موجودة في الشرق الأوسط.

في إيران، يطلق على أتباع الديانة اليارسانية "أصحاب الحق"، في حين يطلق عليهم في أفغانستان وباكستان "الزكرية" وفي الهند "سربستية" وفي تركيا "هلاويين".

والكاكائية في العراق مشتقة من كلمة "كاكا" باللغة الكردية، وتعني الأخ الكبير أو العطوف.

 

أماكن انتشارهم

وفقا لآخر إحصائية غير رسمية لمنظمة ميثرا، يبلغ عدد أتباع الديانة الكاكائية في العراق أكثر من 120 ألف نسمة، يتوزعون على مناطق سهل نينوى والسليمانية وأربيل وحلبجة وخانقين وكركوك وديالى ومدن أخرى تقع ضمن هذا النطاق.

وفي إيران تشير إحصاءات غير رسمية أيضا إلى أن عددهم يترواح بين مليونين وأربعة ملايين شخص، ينتشرون ضمن مناطق قزوين وأذربيجان وزنجان وشيراز زطهران وكرمنشاه وهمدان ومدن أخرى.

أما شريف، فتقول إنه رغم عدم وجود إحصائيات دقيقة وحديثة عن أعداد الكاكائيين في العراق، فإنه، وبحسب إحصائية أجراها الاتحاد الأوربي عام 2016 يبلغ عدد الكاكائيين في العراق نحو 200 ألف شخص.

كذلك هناك أيضا تجمعات للكاكائية في مدن درسيم وسيواس في تركيا ويقدر أعدادهم بنحو 100 ألف نسمة، وأيضا أعداد غير معروفة في الهند وباكستان وأفغانستان وجورجيا وأرمينيا.

ويقول رجب عاصي إن "أغلب الكاكائيين في العراق يعيشون في قرى صغيرة ويمتهنون الزراعة، منهم 20 ألف في سهل نينوى و3 آلاف في خانقين و4 آلاف في مناطق جنوب كركوك".

ويضيف "لا توجد مناطق مغلقة على أتباع الديانة الكاكائية، هم فقط يعيشون مع السكان المحللين من باقي القوميات والأديان".

 

غياب الحقوق

يقول الكاكائيون إن اتباعهم يتعرضون للتهميش والاضطهاد في العراق ومناطق أخرى، وخاصة إيران.

في العراق، لم يتم الاعتراف بهم كديانة قائمة، منذ إنشاء الدولة العراقية الحديثة في عام 1921.

ويؤكد عاصي أن "الدستور العراقي في ذلك الوقت اعتبرهم مسلمين، لأنهم كانوا يعيشون جنبا إلى جنب مع السكان الأكراد، واستمر الحال بعدها على ذات المنوال".

ويضيف "في مناطقنا وقرانا لاتوجد أية مساجد أو حسينيات أو معالم إسلامية فكيف يتم اعتبارنا مسلمين؟".

وكذلك يشير إلى أن عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم تختلف عن المسلمين.
أما في إقليم كردستان، فقد صدر قبل عدة سنوات قانون يعترف بالكاكائية كديانة، وأيضا لديهم كوتا في مجلس محافظة حلبجة.

يبين عاصي أن "هناك تحركات يقومون بها حاليا للضغط على المشرعين العراقيين من أجل إدراج الكاكائية كمكون ديني حالها حال باقي الديانات كالإسلام والمسيحية والصابئة المندائية".

وتؤكد شريف، من جانبها، أن الكاكائيين لم ينالوا حقوقهم في كردستان، وممثل الديانة في وزارة الأوقاف لا يمتلك أي صلاحيات، موضحة "عيد الكاكائيين لم يعترف به كعطلة رسمية في الإقليم كأعياد الديانات الأخرى، وليس لدينا أي مقعد في برلمان كردستان، لدينا فقط مقعد في مجلس محافظة حلبجة حسب نظام الكوتا".

وأضافت أن حرمان الكاكائيين من حقوقهم وعدم الاعتراف بهم في العراق نوع من أنواع الاضطهاد التي يتعرض لها أتباع الديانة، مشيرة إلى أن مجموعة من الناشطين يحاولون الضغط على الحكومة العراقية للاعتراف بالديانة لكن هذه المهمة تواجهها عوائق إثر وجود محاولات من قبل الأطراف والجهات الشيعية لتشيع الكاكائيين.

ويشير أتباع الديانة إلى أن هويتهم الدينية في خطر ومهددة بالزوال في العراق وحتى في مدن إقليم كردستان بدأت تتقلص، ولا يستطيع أطفال الديانة دراسة دينهم في المدارس ضمن مادة الدين.

وتطالب الناشطة الحكومة العراقية بالاعتراف الرسمي بالديانة الكاكائية، وتدعو حكومة الإقليم إلى منح أتباع الديانة كافة حقوقهم المشروعة دستوريا وقانونيا واجتماعيا ودينيا في الإقليم.

أما في إيران، فيعاني أتباع الديانة اليارسانية بشكل أكبر نتيجة قيام السلطات باضطهادهم والتقليل من شأنهم، وفي بعض الحالات مصادرة أملاكهم.

ووفقا لمنظمة ميثرا فإن الأمر لا يقتصر فقط على عدم الاعتراف بهم كديانة بل تتم مضايقتهم وإهانة معتقداتهم والاستيلاء على أماكن عباداتهم وتحويلها لمساجد وحسينيات.

وكذلك يتم في بعض الأحيان الحكم على الكاكائيين بأحكام غريبة لاتستند إلى نصوص قانونية، ومنها إجبارهم على حلق شواربهم.

 

الإرهاب وداعش

لم يسلم الكاكائيون من سطوة تنظيم داعش الذي احتل الكثير من مناطقهم خلال الفترة بين عامي 2014 و2016، وطردهم من قراهم وشن هجمات ضد المدنيين.

والعام الماضي، أسفر هجوم يشتبه في أنه لتنظيم داعش عن مقتل سبعة من الرجال الكاكائيين على الأقل، بالقرب من الحدود الشمالية للعراق مع إيران.
ويقول مسؤولون أكراد إن هجمات وأنشطة داعش المتزايدة في كركوك والمناطق القريبة تسببت في الأيام الأخيرة في نزوح العديد من الكاكائين من قراهم. 

وفقا لرجب عاصي فقد بلغ عدد ضحايا الهجمات الإرهابية وأعمال العنف من الكاكائيين 254 شخصا منذ عام 2003 ولغاية اليوم، وشمل ذلك مدن الموصل وكركوك وبغداد وخانقين.

ويؤكد أن الكثير من الكاكائيين نزحوا من مناطقهم في جنوب كركوك وخانقين بسبب الأوضاع الأمنية والهجمات المتكررة لتنظيم داعش.

تحذر الناشطة الكاكائية من أن المراقد المقدسة للكاكائيين تتعرض للدمار وتغير هويتها، فالعديد منها حولت إلى مراقد لأديان أخرى، "وغالبيتها تعرضت للتفجير في الموصل وكركوك وخانقين ومحيت آثارها".

أما قبلة الكاكائيين الموجودة في إيران، فالنظام الإيراني يسيطر عليها وقد وضع القرآن فوق مرقد السلطان إسحاق، وفق شريف التي توضح قائلة "نحن نزور هذا المرقد ونحج إليه لكننا لا نستطيع أن نقول للسلطات الايرانية أن هذا الكتاب الموضوع في المرقد ليس كتابنا".

مواضيع ذات صلة:

مشهد من فيلم شفيقة ومتولي أحد أشهر الأفلام في تاريخ السينما المصرية، أخرجه الكردي علي بدرخان- تعبيرية
مشهد من فيلم شفيقة ومتولي أحد أشهر الأفلام في تاريخ السينما المصرية، أخرجه الكردي علي بدرخان- تعبيرية

في كتابهم "الأكراد في مصر عبر العصور"، تتبع المؤلفون درية عوني ومحمود زايد ومصطفى محمد عوض جذور العلاقات التاريخية بين الأكراد ومصر. بحسب الكتاب، فإن العلاقات الكردية المصرية بدأت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد وتجسدت في عمليات التبادل التجاري والتأثير السياسي بين الميتانيين (أجداد الأكراد) وملوك مصر القديمة.

في العصور الإسلامية توطدت العلاقة بين الجانبين من خلال هجرة العديد من العناصر الكردية إلى مصر. وبرز اسم أبي الحسن سيف الدين علي بن سالار، وزير الخليفة الفاطمي الظافر بالله في القرن الثاني عشر الميلادي، واسم الأمير مجير الدين أبو الهيجاء الكردي في عصر السلطان قلاوون في القرن الثالث عشر، فضلاً عن الحكام والأمراء الأيوبيين الذين تولوا حكم مصر وسوريا والحجاز لمدة تقترب من مئة عام.

وخلال خمسينيات القرن العشرين عادت العلاقات الكردية المصرية إلى الواجهة مرة أخرى عقب استقلال مصر ونجاح ثورة "الضباط الأحرار"، إذ حظيت القضية الكردية بتعاطف ودعم القيادة السياسية المصرية ممثلة بالرئيس آنذاك جمال عبد الناصر.

في سنة 1957 تم إطلاق إذاعة مصرية ناطقة باللغة الكردية من القاهرة، أو القسم الكردي بإذاعة القاهرة، وكانت تبث البرامج الأدبية والشعر الكردي والموسيقى والأغاني الكردية. وقتها هرع السفير التركي في القاهرة لمقابلة عبد الناصر مسجلاً احتجاج أنقرة على افتتاح تلك الإذاعة، ليرد عليه الرئيس المصري قائلاً "معلوماتي تفيد بأنه لا وجود للأكراد في تركيا كما تقولون وأن هؤلاء الذين يوصفون بأنهم أكراد ما هم إلا أتراك جبليون، فلماذا إذا أنتم غاضبون من إذاعة كردية؟".

بعدها بسنة واحدة زار الزعيم الكردي مصطفى البارزاني القاهرة والتقى بعبد الناصر، وشهد اللقاء تأكيد عبد الناصر على حق الأكراد في المطالبة بحقوقهم القومية والتمتع بحقوقهم المشروعة داخل إطار الدولة العراقية.

تراجع زخم العلاقات الثنائية عقب وفاة عبد الناصر خصوصاً بعدما تخلت القيادة السياسية في مصر عن مشروعها الداعم للأقليات العرقية في منطقة الشرق الأوسط.

حالياً، يعيش أحفاد الأكراد الذين هاجروا إلى مصر في مناطق مختلفة من الدلتا والصعيد، وينتشرون في كافة المحافظات المصرية من الإسكندرية شمالاً إلى أسوان جنوباً، ولا يمكن تمييزهم عن المصريين إلا من خلال أسماء بعض العائلات الكردية الشهيرة مثل عائلة بدرخان وتيمور.

من جهة أخرى، يظهر الأثر الكردي في أسماء بعض المناطق والقرى في شتى أنحاء مصر، من ذلك قرية "منشأة الكردي" في محافظة الغربية، و"جزيرة الأكراد" في صعيد مصر، و"كفر الكردي"، و"ميت الأكراد" في محافظة الدقهلية، وحي "الزمالك" بالقاهرة، الذي يرجع اسمه إلى كلمة كردية الأصل تعني مصيف الملوك بحسب كتاب "الأكراد في مصر عبر العصور".

سياسياً

تمكن الأكراد المهاجرون إلى مصر من التأثير بشكل مباشر في تشكيل المشهد السياسي المصري منذ بدايات القرن التاسع عشر، ووقع ذلك من خلال الأسرة العلوية التي حكمت مصر -تحت السلطة الأسمية للعثمانيين- في الفترة بين 1805- 1952.

في السنين الأخيرة من القرن الثامن عشر قدم محمد علي باشا إلى مصر ضمن الجيش العثماني لقتال الحملة الفرنسية. وبعد فترة قصيرة تمكن من الصعود لسدة الحكم حين اختاره الأعيان والمشايخ والياً على مصر.

استغل محمد علي تلك الفرصة وأسس لحكم وراثي في أسرته وظل ورثته يقبضون على السلطة في القاهرة لقرابة قرن ونصف قرن.

في العديد من المناسبات، أقر أمراء الأسرة العلوية بالأصل الكردي لجدهم الأكبر.  على سبيل المثال في نوفمبر سنة 1949 نُشر حوار صحافي في مجلة "المصور" المصرية أجراه المفكر المصري عباس محمود العقاد مع ولي عهد مصر آنذاك الأمير محمد علي، جاء في هذا الحوار على لسان ولي العهد "...أحدّثكم بشيء قد يستغربه الكثيرون عن نشأة الأسرة العلوية، فإن الشائع أنها نشأت على مقربة من قولة في بلاد الأرناؤوط (ألبانيا)، ولكن الذي اطلعت عليه في كتاب ألّفه قاضي مصر على عهد محمد علي، أن أصل الأسرة من ديار بكر في بلاد الكرد، ومنها انتقل والد محمد علي وإخوانه إلى قولة، ثم انتقل أحد عميه إلى الأستانة، ورحل عمه الثاني في طلب التجارة، وبقي والد محمد علي في قولة. وقد عزز هذه الرواية ما سمعناه منقولاً عن الأمير حليم (أحد أحفاد محمد علي)، أنه كان يرجع بنشأة الأسرة إلى ديار بكر في بلاد الكرد...".

ثقافياً

أسهم لجوء الأكراد إلى مصر في خروج الصحافة الكردية إلى النور للمرة الأولى، ووقع ذلك في أواخر القرن التاسع عشر. في تلك الفترة سافر الأمير مقداد مدحت بدرخان وشقيقه عبد الرحمن إلى مصر بعد أن تم نفيهما من إسطنبول واستقرا في القاهرة، ثم قام الشقيقان بإصدار صحيفة "كردستان"، ونُشرت أول أعدادها من "دار الهلال" سنة 1898.

كتب مقداد مقالات الصحيفة باللهجة الكرمانجية المُستخدمة على نطاق واسع في تركيا وسوريا وأجزاء من العراق وإيران، كما كتب أيضاً باللهجة السورانية المُستخدمة من قِبل بعض الأكراد في إيران والعراق. وسلطت الصحيفة الضوء على معاناة الأكراد، وكان القائمون عليها يعملون على توزيعها مجانا في مختلف أنحاء كردستان (في المخيال الكردي) عبر دمشق وبيروت.

بعد سنوات، تابعت أسرة بدرخان نشاطها الثقافي والفني في مصر من خلال إخراج وإنتاج الأفلام السينمائية. في هذا السياق، تميزت أعمال المخرج أحمد بدرخان الذي يُعدّ أحد رواد السينمائيين في مصر.

أخرج بدرخان عشرات الأفلام منها "نشيد الأمل"، و"دنانير"، و"فاطمة"، "ومجد ودموع". سار علي بدرخان على درب أبيه، فعمل هو الآخر في حقل الإخراج السينمائي، وقدم العديد من الأعمال التي لامست أهم مشكلات المجتمع المصري، مثل فيلم "الكرنك" الذي انتقد المعتقلات وكبت الحريات في عهد جمال عبد الناصر،  وفيلم "الجوع" الذي تناول إحدى القصص الواردة في ملحمة الحرافيش للأديب نجيب محفوظ، وفيلم "أهل القمة" الذي قدم نقداً واضحاً لسياسات الانفتاح الاقتصادي في زمن محمد أنور السادات، فضلاً عن فيلم "شفيقة ومتولي" المُستوحى من حكاية شعبية شهيرة متداولة في كافة أنحاء صعيد مصر.

في 2017 توج بدرخان مشواره السينمائي عندما فاز بجائزة النيل وهي أرفع جائزة تمنحها مصر سنوياً في مجالات الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية.

في السياق ذاته، تميز العديد من الأكراد المصريين في ميادين الأدب والفكر. من هؤلاء أفراد الأسرة التيمورية، على رأسهم الأديب أحمد تيمور باشا الذي ولد في القاهرة عام 1871 من أب كردي وأم تركية، وكان عضواً في كل من المجمع العلمي العربي بدمشق، والمجلس الأعلى لدار الكتب.

ألف أحمد تيمور باشا العديد من الكتب ومن أشهرها "الأمثال العامية" الذي يُعدّ مرجعا لا غنى عنه لدراسة الفلكلور المصري.

كما برزت شقيقته عائشة التيمورية التي تُعتبر إحدى رائدات الحركة النسوية في العالم العربي، وضمت الأسرة الابنين محمد ومحمود اللذين تميزا في مجال كتابة الروايات والقصص.

في المجال الشعري، احتضنت مصر الشاعر الكبير أحمد شوقي. ولد شوقي في القاهرة عام 1868 ونشر الكثير من المسرحيات والدواوين الشعرية. من أشهر أعماله مسرحية "مصرع كليوباترا"، ومسرحية "مجنون ليلى"، ومسرحية "قمبيز"، فضلاً عن العديد من المدائح النبوية.

بشكل عام، اشتهر شوقي بلقب "أمير الشعراء"، ويُعدّ أحد أهم شعراء اللغة العربية في العصور الحديثة. تحدث شوقي عن أصوله الكردية في مقدمة الطبعة الأولى من ديوانه "الشوقيات"، فكتب "سمعت أبي يرد أصلنا إلى الأكراد فالعرب، ويقول إن والده قدم هذه الديار يافعاً يحمل وصية من أحمد باشا الجزار إلى والي مصر محمد علي باشا...".

كذلك، امتد النفوذ الكردي في مصر إلى ساحات الفكر والثقافة، وتمثل ذلك في شخص المفكر الموسوعي عباس محمود العقاد. ولد العقاد في أسوان عام 1889، لأب مصري وأم من أصول كردية من ديار بكر. اشتهر بتأليفه للعشرات من الكتب في مجالات التاريخ والفلسفة والأدب وعلم الاجتماع والسيرة الذاتية، كما اشتهر بسلسلة العبقريات التي حلل فيها شخصيات العديد من الصحابة في التراث الإسلامي.