أقليات

دير الربان هرمزد.. قصة المسيحية في العراق قبل 1400 سنة

03 مارس 2021

شهد دير الربان هرمزد، القابع على سفح صخري شديد الانحدار وسط الجبال النائية في شمال العراق، دخول الغزاة وخروجهم على مدى تاريخ المسيحية المضطرب في هذا الركن من بلاد ما بين النهرين.

تعاقب المغول والفرس والعرب والأكراد والعثمانيون على المنطقة فنهبوا أو حاصروا أو احتلوا الدير، الذي يرجع تاريخه للقرن السابع الميلادي، حيث يعود بناؤه إلى عام 640 ميلادية، وبلدة القوش المسيحية التي يطل عليها قرب الحدود مع تركيا وسوريا وإيران.

لكن المسيحيين هناك أفلتوا من أحدث هجمة، وهي التي شنها هذه المرة تنظيم داعش الذي سيطر على أكثر من ثلث أراضي العراق في الفترة من 2014 إلى 2017 بما في ذلك مدينة الموصل الواقعة على مسافة 32 كيلومترا فقط باتجاه الجنوب.

ومن حسن الحظ أن مقاتلي التنظيم لم يصلوا لأبعد من بضع قرى شمالي الموصل، فنجت القوش من الأعمال الوحشية التي تعرضت لها الأقليات الدينية في العراق.

وفرت بعض الأسر من هذه القرى ولجأت للقوش بحثا عن الأمان.

سعد يوحنا، راهب عراقي يعمل في دار للأيتام بالمنطقة، قال لوكالة رويترز "أعتقد أن هذه ستظل بلدة مسيحية. يجب أن نبقى على هذه الأرض".

وأضاف "يعيش عدد أقل بكثير من الناس هنا هذه الأيام، ربما ألف أسرة من ثلاثة آلاف قبل بضع سنوات لكنها تظل وطنهم".

ويتسلق السكان والمسيحيون في المنطقة الجبل بانتظام للصلاة في الدير أو بحثا عن السكينة.
ويعتبرون البلدة وأديرتها وكنائسها ملاذا للعيش والعبادة في بلد يقولون إن وجود المسيحيين فيه بات مهددا.

فمن بين 1.5 مليون مسيحي كانوا يعيشون في العراق قبل الحرب عام 2003، لم يتبق سوى الخمس، وفر الباقون من العنف الطائفي أولا على يد تنظيم القاعدة ثم على يد تنظيم داعش.

وسيحظى النازحون المتبقون على فرصة نادرة لتسليط الضوء على وجودهم في العراق هذا الأسبوع، حينما يزور البابا فرنسيس البلاد في الفترة من الخامس إلى الثامن من أذار/ مارس.

وأقرب مكان من الدير سيصله البابا في جولته هو مجموعة من الكنائس المهدمة في الموصل التي كانت ذات يوم العاصمة الفعلية لتنظيم داعش.

رمز للصمود

كان يوحنا ضمن الذين تركوا القوش عندما سيطرت داعش على الموصل وعدة بلدات مسيحية إلى الجنوب. وعاد بعد بضعة أسابيع حينما نجت القوش من الهجوم.

اتخذت بعض الأسر القادمة من المناطق المجاورة، القوش مستقرا لها، إذ أصبحت قراهم الآن تحت سيطرة فصائل شيعية عراقية ساعدت الجيش في هزيمة مقاتلي داعش في 2017.

وقالت ميسون حبيب، وهي أم لسبعة أبناء جاءت من منطقة تلكيف المجاورة "الناس فتحوا لنا أبوابهم كأشقاء مسيحيين فارين من داعش، وساعدونا على جمع شتات حياتنا".

وأضافت "القوش محمية وغير معرضة للخطر ولا تسيطر عليها ميليشيات".

ولم تحسم بعد مسألة السيطرة على القوش نفسها فهي تقع في منطقة متنازع عليها بين الحكومة المركزية في بغداد وبين إقليم كردستان المتمتع بالحكم الذاتي.

ورغم أنها تقع في نطاق محافظة نينوى التابعة للحكومة المركزية فهي تحت سيطرة القوات الكردية التي ساعدت في طرد داعش.

وأسرة ميسون حبيب من بين نحو مئة أسرة من المناطق المجاورة تأتي للصلاة في كنائس القوش وأحيانا في مذبح داخل الدير.

وينظرون للدير القابع على سفح الجبل كرمز نادر على صمود المسيحية بعد ما نجا من هجمات داعش كما حدث في أجزاء أخرى من شمال العراق.

وكان دير مار إيليا، أقدم أديرة العراق، الواقع قرب الموصل قد لحقت به أضرار أثناء الصراع عام 2003 قبل أن يدمره داعش بعد ما يزيد قليلا عن عشر سنوات.

وبني دير الربان هرمزد، المسمى على اسم مؤسسه، عندما كانت جيوش المسلمين تفتح بلدان الشرق الأوسط.

وتحصن الدير على مر السنين. وتحيط بجدرانه الحجرية العالية كهوف كان الرهبان ذات يوم يلوذون بها للتأمل والصلاة.

وأصبح الدير مركزا مهما لرجال الدين الكاثوليك الشرقيين من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر لكن الرهبان خرجوا بالتدريج ساعين لأماكن يسهل الوصول إليها، ومنها دير آخر في البلدة، هو مفتوح الآن للزوار والمصلين والرهبان ولكن ليس للإقامة.

ولخصت شذا توفيق، وهي امرأة انتقلت للعيش في القوش، مشاعر مسيحيي المنطقة تجاه أول زيارة باباوية للعراق قائلة "وضعنا في العراق ليس جيدا ولكنني أشعر أنني في وطني هنا".

مواضيع ذات صلة:

مشهد من فيلم شفيقة ومتولي أحد أشهر الأفلام في تاريخ السينما المصرية، أخرجه الكردي علي بدرخان- تعبيرية
مشهد من فيلم شفيقة ومتولي أحد أشهر الأفلام في تاريخ السينما المصرية، أخرجه الكردي علي بدرخان- تعبيرية

في كتابهم "الأكراد في مصر عبر العصور"، تتبع المؤلفون درية عوني ومحمود زايد ومصطفى محمد عوض جذور العلاقات التاريخية بين الأكراد ومصر. بحسب الكتاب، فإن العلاقات الكردية المصرية بدأت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد وتجسدت في عمليات التبادل التجاري والتأثير السياسي بين الميتانيين (أجداد الأكراد) وملوك مصر القديمة.

في العصور الإسلامية توطدت العلاقة بين الجانبين من خلال هجرة العديد من العناصر الكردية إلى مصر. وبرز اسم أبي الحسن سيف الدين علي بن سالار، وزير الخليفة الفاطمي الظافر بالله في القرن الثاني عشر الميلادي، واسم الأمير مجير الدين أبو الهيجاء الكردي في عصر السلطان قلاوون في القرن الثالث عشر، فضلاً عن الحكام والأمراء الأيوبيين الذين تولوا حكم مصر وسوريا والحجاز لمدة تقترب من مئة عام.

وخلال خمسينيات القرن العشرين عادت العلاقات الكردية المصرية إلى الواجهة مرة أخرى عقب استقلال مصر ونجاح ثورة "الضباط الأحرار"، إذ حظيت القضية الكردية بتعاطف ودعم القيادة السياسية المصرية ممثلة بالرئيس آنذاك جمال عبد الناصر.

في سنة 1957 تم إطلاق إذاعة مصرية ناطقة باللغة الكردية من القاهرة، أو القسم الكردي بإذاعة القاهرة، وكانت تبث البرامج الأدبية والشعر الكردي والموسيقى والأغاني الكردية. وقتها هرع السفير التركي في القاهرة لمقابلة عبد الناصر مسجلاً احتجاج أنقرة على افتتاح تلك الإذاعة، ليرد عليه الرئيس المصري قائلاً "معلوماتي تفيد بأنه لا وجود للأكراد في تركيا كما تقولون وأن هؤلاء الذين يوصفون بأنهم أكراد ما هم إلا أتراك جبليون، فلماذا إذا أنتم غاضبون من إذاعة كردية؟".

بعدها بسنة واحدة زار الزعيم الكردي مصطفى البارزاني القاهرة والتقى بعبد الناصر، وشهد اللقاء تأكيد عبد الناصر على حق الأكراد في المطالبة بحقوقهم القومية والتمتع بحقوقهم المشروعة داخل إطار الدولة العراقية.

تراجع زخم العلاقات الثنائية عقب وفاة عبد الناصر خصوصاً بعدما تخلت القيادة السياسية في مصر عن مشروعها الداعم للأقليات العرقية في منطقة الشرق الأوسط.

حالياً، يعيش أحفاد الأكراد الذين هاجروا إلى مصر في مناطق مختلفة من الدلتا والصعيد، وينتشرون في كافة المحافظات المصرية من الإسكندرية شمالاً إلى أسوان جنوباً، ولا يمكن تمييزهم عن المصريين إلا من خلال أسماء بعض العائلات الكردية الشهيرة مثل عائلة بدرخان وتيمور.

من جهة أخرى، يظهر الأثر الكردي في أسماء بعض المناطق والقرى في شتى أنحاء مصر، من ذلك قرية "منشأة الكردي" في محافظة الغربية، و"جزيرة الأكراد" في صعيد مصر، و"كفر الكردي"، و"ميت الأكراد" في محافظة الدقهلية، وحي "الزمالك" بالقاهرة، الذي يرجع اسمه إلى كلمة كردية الأصل تعني مصيف الملوك بحسب كتاب "الأكراد في مصر عبر العصور".

سياسياً

تمكن الأكراد المهاجرون إلى مصر من التأثير بشكل مباشر في تشكيل المشهد السياسي المصري منذ بدايات القرن التاسع عشر، ووقع ذلك من خلال الأسرة العلوية التي حكمت مصر -تحت السلطة الأسمية للعثمانيين- في الفترة بين 1805- 1952.

في السنين الأخيرة من القرن الثامن عشر قدم محمد علي باشا إلى مصر ضمن الجيش العثماني لقتال الحملة الفرنسية. وبعد فترة قصيرة تمكن من الصعود لسدة الحكم حين اختاره الأعيان والمشايخ والياً على مصر.

استغل محمد علي تلك الفرصة وأسس لحكم وراثي في أسرته وظل ورثته يقبضون على السلطة في القاهرة لقرابة قرن ونصف قرن.

في العديد من المناسبات، أقر أمراء الأسرة العلوية بالأصل الكردي لجدهم الأكبر.  على سبيل المثال في نوفمبر سنة 1949 نُشر حوار صحافي في مجلة "المصور" المصرية أجراه المفكر المصري عباس محمود العقاد مع ولي عهد مصر آنذاك الأمير محمد علي، جاء في هذا الحوار على لسان ولي العهد "...أحدّثكم بشيء قد يستغربه الكثيرون عن نشأة الأسرة العلوية، فإن الشائع أنها نشأت على مقربة من قولة في بلاد الأرناؤوط (ألبانيا)، ولكن الذي اطلعت عليه في كتاب ألّفه قاضي مصر على عهد محمد علي، أن أصل الأسرة من ديار بكر في بلاد الكرد، ومنها انتقل والد محمد علي وإخوانه إلى قولة، ثم انتقل أحد عميه إلى الأستانة، ورحل عمه الثاني في طلب التجارة، وبقي والد محمد علي في قولة. وقد عزز هذه الرواية ما سمعناه منقولاً عن الأمير حليم (أحد أحفاد محمد علي)، أنه كان يرجع بنشأة الأسرة إلى ديار بكر في بلاد الكرد...".

ثقافياً

أسهم لجوء الأكراد إلى مصر في خروج الصحافة الكردية إلى النور للمرة الأولى، ووقع ذلك في أواخر القرن التاسع عشر. في تلك الفترة سافر الأمير مقداد مدحت بدرخان وشقيقه عبد الرحمن إلى مصر بعد أن تم نفيهما من إسطنبول واستقرا في القاهرة، ثم قام الشقيقان بإصدار صحيفة "كردستان"، ونُشرت أول أعدادها من "دار الهلال" سنة 1898.

كتب مقداد مقالات الصحيفة باللهجة الكرمانجية المُستخدمة على نطاق واسع في تركيا وسوريا وأجزاء من العراق وإيران، كما كتب أيضاً باللهجة السورانية المُستخدمة من قِبل بعض الأكراد في إيران والعراق. وسلطت الصحيفة الضوء على معاناة الأكراد، وكان القائمون عليها يعملون على توزيعها مجانا في مختلف أنحاء كردستان (في المخيال الكردي) عبر دمشق وبيروت.

بعد سنوات، تابعت أسرة بدرخان نشاطها الثقافي والفني في مصر من خلال إخراج وإنتاج الأفلام السينمائية. في هذا السياق، تميزت أعمال المخرج أحمد بدرخان الذي يُعدّ أحد رواد السينمائيين في مصر.

أخرج بدرخان عشرات الأفلام منها "نشيد الأمل"، و"دنانير"، و"فاطمة"، "ومجد ودموع". سار علي بدرخان على درب أبيه، فعمل هو الآخر في حقل الإخراج السينمائي، وقدم العديد من الأعمال التي لامست أهم مشكلات المجتمع المصري، مثل فيلم "الكرنك" الذي انتقد المعتقلات وكبت الحريات في عهد جمال عبد الناصر،  وفيلم "الجوع" الذي تناول إحدى القصص الواردة في ملحمة الحرافيش للأديب نجيب محفوظ، وفيلم "أهل القمة" الذي قدم نقداً واضحاً لسياسات الانفتاح الاقتصادي في زمن محمد أنور السادات، فضلاً عن فيلم "شفيقة ومتولي" المُستوحى من حكاية شعبية شهيرة متداولة في كافة أنحاء صعيد مصر.

في 2017 توج بدرخان مشواره السينمائي عندما فاز بجائزة النيل وهي أرفع جائزة تمنحها مصر سنوياً في مجالات الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية.

في السياق ذاته، تميز العديد من الأكراد المصريين في ميادين الأدب والفكر. من هؤلاء أفراد الأسرة التيمورية، على رأسهم الأديب أحمد تيمور باشا الذي ولد في القاهرة عام 1871 من أب كردي وأم تركية، وكان عضواً في كل من المجمع العلمي العربي بدمشق، والمجلس الأعلى لدار الكتب.

ألف أحمد تيمور باشا العديد من الكتب ومن أشهرها "الأمثال العامية" الذي يُعدّ مرجعا لا غنى عنه لدراسة الفلكلور المصري.

كما برزت شقيقته عائشة التيمورية التي تُعتبر إحدى رائدات الحركة النسوية في العالم العربي، وضمت الأسرة الابنين محمد ومحمود اللذين تميزا في مجال كتابة الروايات والقصص.

في المجال الشعري، احتضنت مصر الشاعر الكبير أحمد شوقي. ولد شوقي في القاهرة عام 1868 ونشر الكثير من المسرحيات والدواوين الشعرية. من أشهر أعماله مسرحية "مصرع كليوباترا"، ومسرحية "مجنون ليلى"، ومسرحية "قمبيز"، فضلاً عن العديد من المدائح النبوية.

بشكل عام، اشتهر شوقي بلقب "أمير الشعراء"، ويُعدّ أحد أهم شعراء اللغة العربية في العصور الحديثة. تحدث شوقي عن أصوله الكردية في مقدمة الطبعة الأولى من ديوانه "الشوقيات"، فكتب "سمعت أبي يرد أصلنا إلى الأكراد فالعرب، ويقول إن والده قدم هذه الديار يافعاً يحمل وصية من أحمد باشا الجزار إلى والي مصر محمد علي باشا...".

كذلك، امتد النفوذ الكردي في مصر إلى ساحات الفكر والثقافة، وتمثل ذلك في شخص المفكر الموسوعي عباس محمود العقاد. ولد العقاد في أسوان عام 1889، لأب مصري وأم من أصول كردية من ديار بكر. اشتهر بتأليفه للعشرات من الكتب في مجالات التاريخ والفلسفة والأدب وعلم الاجتماع والسيرة الذاتية، كما اشتهر بسلسلة العبقريات التي حلل فيها شخصيات العديد من الصحابة في التراث الإسلامي.